أهلا بكم

على هذه الصفحة نثير التساؤلات ،، ونفكر ،، ولا نعرف حدوداً للتوقف

آخر الأخبار

حكمة اليوم

اشترك في القائمة البريدية

ادخل بريدك الالكتروني

ابحث

أغسطس 03، 2008

الطائفية .. آفة هذا العصر

الطائفــية .. آفـة هذا العصـر

الطائفية ظاهرة اجتماعية مخيفة وخطيرة ليس لأنها تفتّت نسيج المجتمع وتقوض أركان وحدته الوطنية وحسـب، بل لأنها ظاهرة بلا ملامح محددة وذات أشكال متعددة ومتغيرة على الدوام، لا يظهر وجهها الحقيقي إلا في مرآة الآخر، وبقدر ما هي واضحة للعيان فهي غامضة كامنة ما بين السطور ووراء الأكمة، وتختفي خلف ستائر عديدة بعدد الأديان والمذاهب، فالطائفي ومهما كان متعصبا فإنه لا يقر بطائفيته، بل وينكرها ويردها لخصومه،
وهنا سنجد "الطائفية" موجودة فقط على شكل اتهام أو رداً على اتهام وبشكل متناوب‏ 2، فهي لأنها بغيضة ونتنة يتبرأ منها الجميع، وهذا التشكل الزئبقي للطائفية يمنحها القدرة على التخفي والتمويه ويحول دون فهمها بشكل موضوعي، ويمنح الطائفيين المقدرة على استغلال ابناء الطائفة للقضاء على الطائفة الأخرى ثم تبرير ذلك بدم بارد، فيتواروا خلف ستار الجهاد والإدعاء بامتلاك العلاقة الحصرية مع الله وحصولهم على التفويض المباشر من لدنه للقضاء على أعدائه ( الذين هم بالطبع أعداء الطائفة ) مستغلين إلى جانب ذلك كله الضعف الإثني للطائفة والخوف غير المنطقي والمبالغ فيه على كيان الطائفة ومستقبلها.

ونحن ندين الطائفية ليس لأنها ذميمة وقبيحة، بل لأنها كالسرطان, وكالنار الخفية التي تتسلل عبر الهشيم لتكون سعيراً يحرق الحرث والنسل، ولأنها خيانة للوطن ولمفهوم المواطنة وعملية إعدام للمستقبل وجهل بمفهوم الدولة الحديثة وارتكاس نحو الماضي وغرق في العيش في التاريخ القديم، وهي نقيض المجتمع المدني والحداثة والمواطنة والقيم الإنسانية السامية، فالطائفية تظل مغتربة عن الوطن الذي تعيش فيه, لأن موطنها الفعلي هو الطائفة، والوطن الحقيقي يأتي في الدرجة الثانية، وهو لا يغدو عن كونه المكان المأمول لبناء دولتها الخاصة, والأمة في نظرها هي مجموعة الأفراد الذين ينتمون إلى هذه الطائفة ويمارسون طقوسها, وقوانين الطائفة تخضع إلى ميزان المصلحة الذاتية وعلى مقاسها، الشيء البارز في هويتها هو الدين بصورته الغيبية وهو حاضر في كل التفاصيل المكونة لها، وهي لا تؤمن بالهوية الوطنية ولا بالتعددية ولا بالشراكة السياسية إلا بالقدر الذي يخدمها، أو حينما تضطر للقبول بها، ولكنها تظل كامنة متحفزة تظهر عند الحاجة وفي الأزمات لتوقظ شيطانها من سبات الاستقرار إلى درجة الانتقام والتفجير مستخدمة جميع الأسلحة المحرمة، وأول ما تبدأ بنكران الآخرين الذين طالما أحاطوها بالدفء في فترات السلم, رامية بنفسها في أحضان الغير حتى لو كان العدو نفسه.

والطائفية عبارة عن فكر وفعل انفصالي مهما ادعت غير ذلك، فهي من أجل تبرير الإنفصال تدّعي العودة إلى أصول العقيدة الصحيحة، ولكنها في حقيقة الأمر تعمل على تشويه وتحريف الدين عن جوهره وأهدافه السامية لخدمة الانفصال1, وتتجلى الطائفية بأبشع أشكالها من خلال فرق الموت والقتل على الهوية، والآباء الروحيين الذين بيدهم مفاتيح الجنة، القانون الذي يحكم الطائفية لا يستند إلى أي معيار أخلاقي لأن ديدنه الوحيد هو البقاء وإقصاء الغير، وعندما تغيب الأخلاق عن الجماعة تصبح قطيع من الحيوانات المهم عندها هو البقاء أولا وثانيا وأخيرا.

لكن مخاطر الطائفية لا تقتصر في الواقع على تدمير قانون الدولة وتحويل أجهزتها إلى أدوات خاصة بها، وقواتها الرسمية إلى ميلشيات لخدمة الطائفة، ولكنها تذهب أبعد من ذلك لتدمر المجتمع المدني نفسه، فتقوم بتعطيل القانون العام، ثم تبدأ معارك إخضاع الجماعات الأخرى وقمعها، وهكذا تتحول الدولة إلى أداة جبارة في يد العصبية الحاكمة، من هنا لا تقضي الطائفية على الرابطة الوطنية أكثر من أي مرض آخر، ولكنها تدمر أيضا قاعدة المجتمعات الأهلية، وتحول مؤسسات المجتمع المدني إلى خرائب خاوية، وبهذا فهي لا ترد المجتمع ثانية إلى مرحلة ما قبل الدولة، وإنما تحكم عليه بالخراب والفساد الشامل، فهي تقضي على الطبقة الوسطى وتفرغ الرابطة الوطنية من مضامينها التحررية والتقدمية، لأن الطائفية في جوهرها أداة لتحقيق مصالح خاصة وجزئية تتم عبر اختطاف السلطة السياسية، وأخطر ما تمثله هو القضاء على الوحدة السياسية والهوية الوطنية للأمة وتحويلها إلى قبائل وطوائف متصارعة.

ويقول د. برهان غليون إن أحد أسباب عدم فهم الطائفية وتجنب آثارها السلبية هو اختلاط مفهوم الطائفية نفسه وعدم تعريفه، فقد مال معظم الذين أثاروا مسألتها إلى الخلط بين التعددية الدينية، أي انطواء المجتمع على تنوع ديني كبير، يتسم بنوع من التعايش أو بقدر من الصراع، وبين سيطرة إحدى هذه الفرق أو الجماعات الدينية على مقاليد الأمور في السلطة في سبيل تأمين منافع استثنائية وخاصة لا يسمح بها القانون، أي أنهم يخلطون بين الطائفية في المجتمع والطائفية في الدولة، وهما من طبيعتين مختلفتين تماما وليس لهما نفس النتائج.

ويفسر د. غليون مصدر هذا الخلط بأنه نابع من كون أن الفكرة القومية التي انتقلت إلى الثقافة العربية من الأدبيات الغربية ذات الصبغة الأحادية، ارتبطت بقوة بفكرة التجانس الاجتماعي، وبالتالي فقد نظر القوميون العرب إلى التعددية الدينية والإثنية في المجتمع كعقبة أمام نشوء وعي قومي يتجاوز الطوائف والانتماءات الدينية الفرعية، بل اعتقدوا أن استمرار وجود عصبيات أو انتماءات جماعية فرعية لا بد أن يغذي ولاءات غير وطنية، من داخل الدولة وخارجها، وهذا يضعف سيطرة الدولة على إقليمها وسكانها ويعرضها لتدخل القوى الأجنبية 6.
الطائفـة والطائفيـة

يمكننا فهم الطائفية بصورة أوضح أو إدراك مخاطرها من خلال فهم نقيضها "المجتمع المدني"، فالطائفية تقوم على وجود التشكيلات الاجتماعية الإرثية التي لا يملك فيها الفرد بصورة عامة إمكانية الإختيار وتكون عضويته للطائفة إجبارية، في حين أن المجتمع المدني يقوم على التنظيمات غير الحكومية كالأحزاب والنقابات والاتحادات وغيرها التي تكون العضوية فيها اختيارية بناء على قناعات فكرية أو حاجة اقتصادية، وتحمل هذه التشكيلات السياسية في طياتها قيم الاختلاف وقبول الآخر، أي استعداد الأفراد لتحمل وجهات نظر سياسية متباينة، وهي تشكل قنوات وشرايين الديموقراطية 8، خلافا للطائفية القائمة على نفي الآخر وإقصائه أو تهميشه في أحسن الأحوال.

الطائفة أو القبيلة حتى لو كانت سابقة زمنيا وتاريخيا لوجود الدولة، إلا أن الطائفية كتعبير عنها وكنقيض للمجتمع المدني قد نمت على هامش ضعف المشروع الوطني / القومي وبسبب تراجعه، أي في مرحلة تالية لمروره في أزمة حقيقية، بمعنى أن الطائفية كانت بديل فشل النخب السياسية التقدمية في التعبير عن مشروعها التاريخي لأسباب موضوعية عديدة، وبالذات بعد أن فشلت في تكوين طبقة اجتماعية متماسكة وفي حياكة نسيج وطني يؤدي في النهاية إلى بلورة دولة قومية بمضمون وطني وبشكل حداثي يعكس آمال وطموحات الجماهير، وبدلا من ذلك فقد أضطرت في سبيل سيطرتها الاجتماعية ولإنجاح مشروعها السياسي إلى الاعتماد بشكل مباشر أو غير مباشر على عوامل خارجية، وفي النهاية تفككت هذه النخب وتبعثرت أمام ضراوة الهجمة المعادية وشراستها، في ظل غياب فادح لشروط نجاحها المادية والجيوسياسية، وأخيرا وبسبب هذا الضعف البنيوي لتلك النخب الذي نجم عن تعثر عملية التحديث، فقد وجدت العديد من النخب الاجتماعية الصاعدة والمعزولة والإنتهازية فرصا أكثر لتوفير الموارد البشرية والسياسية والايديولوجية التي تحتاجها لتعزز موقفها في التنافس على السلطة والظفر بها، وذلك عبر الالتصاق بالجماعات الفرعية المنتمية لها 6، وهي فرص لها حظوظ أكبر في النجاح مما كانت ستجده من تماهيها مع الجماعة الوطنية العامة التي لم تكن قد تكونت بعد - وربما أنها لم تتكون حتى الآن - وهذه البيئة هي التي أوجدت المناخات الملائمة لبروز تلك القوى الطائفية وللتعبير عن ذاتها من حيث أنها جماعات واعية لوحدتها السياسية ومدركة لمصالحها، وحقيقة الأمر أن الطائفية مثلما كانت نتيجة لفشل الدولة المدنية والمشروع الحداثي فإنها كانت في نفس الوقت من أبرز الأسباب لهذا الفشل، ومن هذا المنطلق تحديدا يعتبر غليون بأن الطائفية تنتمي إلى ميدان السياسة لا إلى مجال الدين والعقيدة، وأنها تشكل سوقا موازية، أي سوق سوداء للسياسة، أكثر مما تعكس إرادة تعميم قيم او مباديء أو مذاهب دينية لجماعة خاصة.

ليس شرطا دائما أن ينتج عن تعدد الطوائف طائفية، فمن الممكن أن يضم المجتمع طوائف دينية أو إثنية عديدة من دون أن يؤدي ذلك إلى نشوء دولة طائفية أو هيمنة الطائفية على الحياة السياسية للمجتمع، وهي أي الطائفية وإن كان وجودها عاديا ومتوقعا في المجتمعات ما قبل الحديثة التقليدية التي لم تنضج فيها بعد فكرة السياسة الوطنية والدولة الحديثة، ولم تتكون فيها مؤسسات الدولة ومؤسسات المجتمع المدني، فإنه بعد مرحلة الدولة الحديثة يصبح استخدام الولاءات القبلية والطائفية داخل هذه الدولة خروجا عن القاعدة وخرقا للقانون، بمعنى أن الطائفية تعتمد على سيطرة عصبية قبلية أو دينية على مقاليد السلطة بحيث تشكل الطائفية قاعدة السلطة المركزية وضمان وحدتها واستمرارها، وبالعكس فإن الدولة الحديثة تقوم على مبدأ العقد الاجتماعي بين أفراد أحرار ومستقلين ( المواطنين ) تجمعهم مباديء مشتركة، ولا يحقق وحدتهم السياسية والوطنية إلا التزامهم الطوعي جميعا بها ووضعها فوق انتماءاتهم الخاصة، وبالتالي فإن القانون العام هو الذي يحدد وينظم علاقتهم مع الدولة ومع أفراد الجماعات الأخرى.

في المجتمع المدني الحديث تتحدد العلاقات بين المواطنين والجماعات والدولة على أساس القانون والمساواة وتكافؤ الفرص، لا على علاقات الدم والقرابة والدين، وهنا فإن سياسات الدولة الداخلية والخارجية تكون مرتبطة باختيار عام، وليست مفروضة بقوة الاستيلاء والقمع السلطوي، كما كان عليه الحال في الدولة القديمة، فالسياسة الوطنية تدور من حول الرأي العام، أي الرأي الذي يشكل خلاصة رأي الأفراد وليس الجماعات الإثنية 6، وهذا الرأي العام يكون حصيلة التنافس بين النخب السياسية، وتعبيرا عن برامج سياسية معلنة متباينة بل ومتناقضة أحيانا، وكل تكتل داخل النظام السياسي الوطني أو داخل الدولة ومؤسساتها بشكل خاص يكون مبنيا على أساس الولاءات العصبية (الدينية أو الإثنية)، سيكون بالضرورة على حساب الولاء الوطني العام القائم على الاختيار بين سياسات تعنى جميعها بالشأن العام وليس بالمصالح الخاصة، وبالتالي فإن هذه التكتلات ستنخر عظم النظام العام وستقوضه حتما ولو بعد حين، ومن هنا لا بد من اعتبار أي تضامن طائفي أو إثني داخل الدولة خروجا عن قانون الوطنية، لأنه سيشكل مصدرا لفساد السياسة الوطنية، حيث أن أي كتل سياسية منبثقة عن انتخابات عامة تخترقها تكتلات غير سياسية وولاءات دينية وإثنية لا يمكن أن تعبر عن أغلبية اجتماعية ولا عن مصلحة وطنية ولا يمكن أن تضع نفسها والسلطة التي بحوزتها في خدمة الوطن إلا بالقدر الذي يخدم الطائفة أولا، وهذه العملية التخريبية تعطل إمكانية تداول السلطة بشكل سلمي.

ويؤكد د. غليون الطبيعة السياسية للطائفية ويقلل من شأن البعد الديني لها، فيقول أن مشاعر التضامن الطبيعي بين البشر المنتمين إلى عقيدة واحدة أو طائفة واحدة ليست حتمية وأنها لا تنبع مباشرة وبشكل تلقائي من مجرد الاعتقاد والانتماء لهذه الطائفة، ويعتبرها عبارة عن استراتيجية سياسية بامتياز، أي أنها خطة للاستفادة من التضامن الآلي المفترض الذي تنشؤه علاقات القرابة المادية أو العقيدية بين أفراد الطائفة، من أجل تحقيق أهداف ليس لها علاقة بأسباب القرابة ولا بغاياتها ولا تخدم مصالحها بالضرورة، فالطائفية هي النموذج الأوضح لاستغلال الدين والعصبية في السياسة، والنظر إلى الجماعة الدينية من حيث هي جماعة مصالح خاصة، لا من حيث هي أفراد يبحثون عن نشر رسالتهم الدينية 6، وبهذا المعنى ستؤدي الطائفية إلى إفشال البرامج السياسية ونزع طابعها المدني الشامل الذي من الممكن أن يخدم جميع أصحاب العقائد الدينية، كما تقود إلى إفساد الدين نفسه حيث تحول جموع المؤمنين بالله إلى مجموعات محاربة من أجل مصالح دنيوية وتضطر إلى إعادة تفسير العقيدة نفسها بما يبرر السيطرة والعدوان والسطو على مصالح الجماعات الأخرى.
إذا فوجود المشاعر الدينية القائمة على الإيمان وكذلك مشاعر الانتماء والقربى التي تجمع أبناء الطائفة أو القبيلة لا تؤدي حتما إلى نشوء الطائفية بصورتها السلبية، ولا يعني تعدد الطوائف في مجتمع ما أن هذه الطوائف ستتصارع بالضرورة وأنها لن تجد الأسلوب الأمثل للتعايش السلمي فيما بينها، ولا يعني أيضا وجود مزاج ديني في أي مجتمع يُعبَّر عنه من خلال تضامن ديني قوي داخل أبناء المجتمع أن ذلك سيوفر البيئة الخصبة لإنتاج الفكر الطائفي، فمشاعر الإيمان الديني وأواصر القربى هي تعبير عن وضع سليم وطبيعي في كل المجتمعات، فالمجتمع مكون من أفراد موزعين بين جماعات عديدة، ومن الطبيعي أن يشعر كل فرد بتعاطف أكبر مع الأفراد الذين يشاركونه المصلحة أو العقيدة أو الثقافة أو حتى المستوى الاجتماعي، ومن دون هذا التضامن وتلك الألفة الخاصة اللذان يجمعان بين أفراد الجماعة الواحدة لن يكون هناك أي معنى ولا مضمون للحياة الاجتماعية، بل أن تعزيز التكافل والتضامن داخل الجماعات التي تنتمي للمذهب أو القبيلة أو للمؤسسة الاقتصادية أو للحزب وجميع هياكل المجتمع المدني هو في الحقيقة غاية هذه الجماعات وهدفها 6، كما أن الغاية من وجود الأحزاب هو تلمّس مصالح الطبقات والفئات الاجتماعية، وهذا أمرٌ طبيعي ومشروع، ولكن الطائفية تنشأ عندما تنقل إحدى هذه الجماعات هذا التضامن والتكافل إلى مستوى الدولة وتستأثر به على حساب الآخرين، وعندما يبدأ أصحاب المصالح بتحويل هذه المشاعر إلى وسيلة لتحقيق أهدافهم والدفاع عن إمتيازاتهم الجديدة، ونقطة استقطاب لتكتل قوامه الفكر الطائفي المغلق والمصلحة الذاتية الأنانية، فتصبح مشاعر القربى محفزا لكره الآخرين، وتكتسب المشاعر الدينية صفات سلبية بحيث تضع نفسها فوق الآخرين، وقد يتعدى الأمر ذلك فتبدأ بتكفيرهم ومن ثم محاربتهم، وبتعبير آخر فإن الطائفية تحتاج إلى شرطين: قيادات شعبية انتهازية تضع مصلحتها الخاصة فوق المصلحة العامة وجمهور من الغوغاء والمتعصبين.

وكما أن المشاعر الدينية والقومية ليست سببا أكيدا في نشوء الطائفية، فإنها عاجزة تماما عن منع ولادتها، فإسلاميّة بعض الأحزاب وعروبة البعض الآخر لم تكوناْ إلا تكريساً لنـزعة طائفية أو شوفينية، وفي هذا الصدد يتسائل الكاتب العراقي أحمد عبد الحسين عما أضافته كلمةُ الإسلام في اسم (حزب الدعوة الاسلاميّ أو المجلس الأعلى للثورة الإسلاميّة الشيعيين، أو الحزب لإسلاميّ أو هيئة علماء المسلمين السنية) إلى هوّية الحزبِ، وإلى أيّ حدٍّ كان اسمُ الإسلام مخفِّفاً من نزعة الحزب الطائفية ؟ هل استطاع هذا الاسم (الإسلام) أن يوحد خطاب الأحزاب الإسلاموية على اختلاف مذاهبها وتوجهاتها ؟ وهل إسلام تنظيم القاعدة هو نفس إسلام جيش المهدي ؟ وهل هنالك حزب إسلامي يقبل في صفوفه من هم من خارج الطائفة ؟

يقول د. علي الوردي في "مهزلة العقل البشري" إن طبيعة البشر واحدة في كل زمان ومكان والاختلاف فيما بينهم يرجع في الغالب إلى اختلاف في تكوين المجتمع الذي ينشأون فيه9، وأن الصدفة وحدها هي من يحدد للفرد ذويه أو طائفته، ومن النادر جدا أن تجد شخصا لا يعتبر طائفته أنها الأفضل وأنها تمثل الخيار الصحيح، ولهذا فمن البديهي أن ينحاز كل فرد لطائفته، وهذه الحقيقة تشكل اللبنة الأساسية التي يقيم بها الطائفيون بنيانهم، ويؤكد د. الوردي أن الدين لا يردع الإنسان عن عمل يشتهي أن يقوم به إلا بمقدار ضئيل، فتعاليم الدين يفسرها الإنسان حسب ما تشتهي نفسه، وقد رأينا كيف كان القرآن أو الحديث مرجعاً وحجة لكثير من الأعمال المتناقضة، خاصة حينما تنازع المسلمون في صدر الإسلام، فلقد وجدناهم يقتل بعضهم بعضا ويكفر بعضهم بعضاً ثم يستندون في ذلك على نفس الآية والحديث.

يعتقد البعض أنه بمجرد اعتناق الماركسية أو الدعوة إلى العلمانية أو التبشير بالحداثة أو رفع راية الإسلام أو المسيحية أو التنويه بالعروبة يعني ذلك أنهم سيحوزون على شهادة براءة من الطائفية، والحقيقة أن كثير من الأيديولوجيات والأحزاب تمارس الطائفية المقنعة ثم تموه على الجماهير بهذا النوع من التحرر الزائف منها، وإذا كانت بعض الحركات والأحزاب تولد عقائدية ) إسلامية أو مسيحية أو أممية)، سواء على مستوى الشعار أم بطهر ثوري لدى البعض فإنها سرعان ما تتحول إلى طائفية، أو بعبارة أدق يتكشف وجهها الطائفي، فهي لن تحتمل كتمان حملها الطائفي طويلا، فتحت اسم الاسلاميُّ (والقوميُّ أيضاً) تحاول الأحزاب التكتم على الفوارق الطائفية ( والعرقية أيضا ) لكنها لا تطمسها نهائياً، تظلّ تحتفظ بها مركونةً تحت الطلب لأنها سلاحها الأمضى، وستبدأ بتصنيف الآخر على مسطرتها الطائفية العنصرية، ولأن معيارها هو درجة الإيمان سيكون هنالك في نظرها من هم عروبيون ومن هم أقلّ عروبة من سواهم، ومن هم وطنيون ومن هم عملاء، كما كان على الدوام من هم أكثر إسلاماً من سواهم، مع ان الإسلام بجوهره ومضمونه هو الإيمان بالله وعمل الخير وحسب، وهذا كافي ليحفظ على المسلم نفسه وماله وعرضه، أما تصنيف المراتب والدرجات فهو تبعٌ للإيمان لا للإسلام وهو من اختصاص الله سبحانه، بمعنى آخر فإن الجانب العقائدي التطهري في تكوين الحزب أو في برنامجه لن يصمد طويلا أمام نزعات الأفراد والقيادات وميولهم ومصالحهم والتي تنتهي عادة بجر الحزب إلى مستنقع الطائفية وإنزاله من عليائه في فضاء الفكرة المثالية إلى الواقع الدنيوي بتفاصيله الدقيقة.

فالطائفية موجودة فعلا ونكرانها أو التنصل منها أو التنـزه عن التلفظ بها والتبرؤ منها لا يعني أبداً أنها قد اختفت أو أنها لم توجد أصلا، ففي خطاب المثقفين مثلا نجد تقديس الكلمات "كالوطنية والأسلامية" تقديساً مانعاً من رؤية الخصوصيات المذهبية أو العرقيّة التي تفعل فعلها بعيداً عن ساحة عمل المثقف وضدّ توقعاته أو أمانيه 2، وهذه القداسة لم تمنع جميعَ الأطراف المتناحرة أن ترددها معاً في الآن ذاته، دون أن تكون قادرةً على إطفاء نار كراهيتهم، ذلك لأن توصيفات الطائفيين وتصنيفاتهم تُدخل من تشاء في رحمة الله وتُخرج من تشاء منها بنفس السهولة، فالشعار هنا إسكاتيّ بامتياز، بمعنى أن كل ما يردده الطائفيون وهم يتناحرون لا يغدو عن كونه مجرد شعارات دوغمائية يتم توظيفها لتعبئة أبناء الطائفة وشخذ هممهم على القتل وزيادة منسوب الكراهية وتأجيج مشاعر الحقد لتسهيل مهمتها في القضاء على الآخر وتبرير ذلك بمسوغات دينية وبنصوص مقدسة، ومجرد رؤية مشاهد القتل العشوائي في المناطق التي أبتليت بالطائفية تؤكد دون شكّ أن جميع هذه الشعارات ( المقاومة والانتماء الوطني والاسلاميّ ) ما هي إلا عناصر مشتركة يتم تبادلها بين القاتل والقتيل وأنها لم تكنْ ذاتَ موضوع وبلا أهمية، وكل العناوين الكبيرة التي يختفي خلفها الطائفيون كالإسلامية والقومية لم تشكل في أي يوم حاجزا أمام تفشي النعرات العنصرية ولم تكن كافية للجم شهوة القتل، هذا إذا لم تكن حافزا لمزيد من القتل مدفوعة بشعارات الجهاد وقتل الكفار والمارقين، الأمر الذي جعل من الطائفية هياجاً مقدساً باسم اسلام يدعي أنه صحيح أو حديث مدسوس يبشّر فرقة ناجية دون غيرها بالجنة ويتوعّد كل ما سواها بالويل والثبور وعظائم الأمور.

العـامل الخارجي في تأجـيج الطائفيـة

العامل الخارجي لا يقل أهمية عن العوامل الداخلية حيث يكمل كل منهما الآخر، وطالما لعب العامل الخارجي دورا حاسما في معارك السيطرة الاستعمارية وتفتيت الأمة، فحتى يكتمل المشروع الاستعماري ويضمن لنفسه النجاح والاستمرار، كان لا بد له أن يقيم ركائز موضوعية تمده بأسباب البقاء وتقلل من خسائره وأعبائه اليومية وتعيق الجماهير من ممارسة المقاومة أو تحرفها عن مسارها وأهدافها الكبرى وتشغلها في حروب جانبية وقضايا هامشية، وركائز هذا المشروع هي ركائز القوى المضادة للثورة أو ما يطلق عليها الثورة المضادة، وهي في الأساس موجودة في بنية المجتمع إلا أن القوى الاستعمارية دعمتها ومن ثم استقوت بها، وتأتي الطائفية كركيزة هامة في هذا المضمار، لتلعب دورا خطيرا من خلال إشعال الحروب الأهلية وصرف الأنظار عن القضايا القومية، لذلك فإن القوى الطائفية لن تتورع عن التحالف مع الأعداء ضد أبناء الوطن في سبيل تحقيق أغراضها الطائفية المنغلقة الضيقة.
وقد رأينا كيف لعبت الطائفية دورا خطيرا في إشعال حرب أهلية في الهند إبان استقلالها أدت إلى أكبر موجة نزوح جماعي في التاريخ تخللتها موجات من القتل الجماعي أودت بحياة الآلاف من الأبرياء من الطرفين، وانتهت بتقسيم الهند وانسلاخ باكستان عنها، ولو استعرضنا دور الفتنة الطائفية في خدمة القوى الخارجية على مر التاريخ لوجدنا العديد من الأمثلة الأخرى، والتي كانت في كل مرة تبرهن على مدى خطورة هذا العامل وكيف كان يشكل أداة اختراق للقوى الخارجية تنفذ من خلالها إلى قلعة الوطن.

وعندما برزت المسألة الشرقية أواخر القرن التاسع عشر وأرادت القوى الكبرى إيجاد موطئ قدم لها في المنطقة، لم تجد مدخلا أفضل من الطائفية، فتحت حجة حماية الكاثوليك دخلت فرنسا، وبحجة حماية الأرثوذكس حاولت روسيا التدخل، أما بريطانيا فلم تجد رعايا بروتستانت في المنطقة فتذرعت بحماية الدروز، الأمر الذي تسبب بمذابح الجبل عام 1860، واليوم تحاول أمريكا التدخل في شؤون الدول ولضغط على الحكومات واحتلال البلدان بذريعة حماية الأقليات الدينية.

وقد ركز المخطط الصهيوني ومنذ مرحلة مبكرة على تفتيت مجتمعات الأمة العربية وتجزئتها، بالإعتماد على القوى الطائفية، إلا أن خطورة وأهمية هذا العامل قد إزدادت كثيرا بدخول الولايات المتحدة في هذه الحلبة كلاعب مباشر يستعمل كل مكونات الطائفية في لعبة الهيمنة على ثروات وشعوب المنطقة العربية.

في خمسينات القرن الماضي أشار بن غوريون إلى ضرورة ضرب وتفتيت المجتمع العربي من خلال خلق الفوضى البناءة في الحلقة الأضعف منه والتي كانت من وجهة نظره متمثلة في لبنان، وقد أختير لبنان كبداية نظرا لهشاشة تركيبته الطائفي 1، وكانت المارونية السياسية ( يقابلها الإسلام السياسي ) هي بداية الحلقة من خلال إيجاد دولة مسيحية داخل لبنان نفسه، ومع أنهم ليسوا أكثرية في لبنان وبالرغم من أن إرهاصات القومية العربية تدين لمفكرين مسيحيين لبنانيين أكثر من غيرهم، إلا أن الاختراق الأمني الإسرائيلي قد نجح في التحالف مع البرجوازية المسيحية من خلال بعض القيادات المغامرة، وكان من الواضح أن هذه الدويلة لن ترى النور دون العون الإسرائيلي ودون إغراق لبنان كله في حرب طائفية.

وقد أعد المستشرق الإنكليزي اليهودي برنارد لويس دراسة في عام 1979 لتقسيم المنطقة الإسلامية الممتدة من باكستان إلى المغرب العربي إلى دويلات طائفية ومذهبية 1، والتصور العام كان تقسيم مصر بين المسلمين والأقباط، والعراق بين السنة والشيعة والأكراد، ودول المغرب العربي بين الأمازيغ والعرب، وسورية بين السنة والعلويين، والسعودية إلى دولتين، ولبنان إلى عدة دويلات والسودان إلى أربعة وهكذا .. ومن نافل القول أن وجود هذا المخطط لا يعني نجاحه بالضرورة، ولكن تنفيذه هو ما يجري الآن، ولكي يتم تدعيم وبناء هذا المشروع الطائفي ينبغي استخدام كافة الوسائل دون النظر إلى المستوى الأخلاقي المنحط بتنفيذ القتل الجماعي بالتفجيرات أو فرق الموت كما يحدث في العراق والاغتيالات كما في لبنان والإبادة الجماعية كما في دار فور.

الطائفيـة في لبنان والعـراق

لا شك أن بعض البلدان العربية قد أبتليت بالطائفية أكثر من سواها - نخشى أن نقول في المستقبل قبل سواها - أي بعد أن تعم الطائفية في كل المنطقة العربية، لبنان والعراق حاليا يتعرضان لخطر الغول الطائفي أكثر من سواهما، لذا لا بد من دراسة وتحليل أسباب الأزمة في هذين البلدين، دون أن يعني ذلك أن بقية البلدان في منأى من هذا الخطر، ولعل لبنان مثّل الحالة الأولى لخطر الطائفية والسبب أن الاستعمار الفرنسي حينما غادر المنطقة خلف ورائه ما يُعرف بالصيغة اللبنانية القائمة على إبقاء حالة من التوازن بين كافة الطوائف وتقاسم السلطة على الطريقة اللبنانية، وهذه الصيغة وغيرها من الحالات الطائفية تجعل الأوضاع الداخلية قابلة للتفجير في أي لحظة، ومن ناحية أخرى فهي تستدعي طلب الحماية الخارجية بل وتعتمد عليها، وفي هذه الحالة تكون الطائفية سلاحا ذو حدين فهي تخدم الفئات الحاكمة المستبدة ولكنها من الممكن أن ترتد إلى نحورهم على يد الفئات التي قمعتها7، ويرى الكاتب العراقي حسين الموزاني أن الحرب الأهلية في لبنان والتي دامت خمسة عشر عاما وأكلت من لحم اللبنانيين ودمائهم الكثير، كانت حرباً سياسيّة أيديولوجية بالمفهوم الحرفي للعبارة، أي أنها كانت حرباً بين اليسار واليمين في لبنان، تماماً مثلما كانت الحرب الأهلية الأسبانية بين الجمهوريين والفاشيين، ويفسر ذلك بحالة الاصطفاف والاستقطاب بين القوى المتحاربة، حيث كان المسيحي والشيعي والسني والشيوعي والاشتراكي ( والفلسطينيين ) يقفون معا في معسكر اليسار في بيروت الغربية وموسكو من ورائهم، مقابل معسكر بيروت الشرقية حيث معقل الميلشيات اليمينية والفاشية، المدعومة من واشنطن وحلفائها، والتحالفات الإقليمية التي كانت كل من سوريا وإسرائيل تشكلان محورها الأهم كانت متغيرة تبعا للظروف السياسية، الآن تغيّر كل شيء، معسكر اليسار العالمي قد اندحر، والمعادلة السياسية الكونية تغيرت بصورة جذرية، والقوى الطائفية حلت محل اليسار في لبنان.

على أية حال مهما كان توصيف الحرب اللبنانية وتحليل مسبباتها، وسواء كانت حرب اليمين ضد اليسار، أم حرب الطبقات المسحوقة ضد البرجوازية، أم حربا بالوكالة بين القطبين الدوليين، أم حرب المخابرات العالمية والإقليمية على الأرض اللبنانية، أم حرب التغيير التي تقودها الفئات الاجتماعية المتناقضة، أم حرب التحرير التي يقودها الفلسطينيون بالتحالف مع القوى الوطنية اللبنانية ... فأن الحرب في لبنان بقدر ما كانت سياسية بامتياز، كانت في عديد من جوانبها حربا أهلية حطبها الطوائف ووقودها الطائفية، ولولا الشحن الطائفي لما استمرت كل هذه السنين ولما خلفت ورائها هذا الحجم المرعب من الدمار والتخريب والقتل والتشويه، والأهم من هذا كله، أن عوامل التفجير ما زالت كامنة وأسباب الفتنة متحفزة وتلعب بها الآن أيدي خفية تريد للبنان الخراب والدمار مرة أخرى، فقط من أجل بعض المكاسب الطائفية أو لتمرير مخططات إقليمية.

أما في الحالة العراقية فيعتقد الموزاني أن الأزمة التي يشهدها العراق حاليا تعود إلى "الدين" الذي كان دوما عامل تجزئة في البلاد، وأن الهوية الجامعة للشرائح العراقية المختلفة هي هوية ثقافية محضة، ويؤكد بأن الهوية الحقيقية للعراق لم تكن يوماً هوية دينية إسلامية، بل هويةً ثقافيةً بالدرجة الأولى وكانت على الدوام مرنة وجامعةً ومتنوعة، فبالرغم من أن العراق ومنذ أيام السومريين لم يكن متجانساً إثنيا أو ومذهبياً أو لغويا، فقد كان تنوعه الثقافي هذا مصدر قوته وديموته.

اليوم في العراق لم يعد العراقي يصلّي في مسجد شيعي أو سنّي إلا لكي ينتقم من أخيه وليفجر المسجد أو الحسينية على رأس من فيها، وبات الانتقام السمة الأخلاقية البارزة التي توحد العراقيين الذين أصبحوا "إخوةً" في القتل، ولم يعد أحد منهم قادراً على أن يحفظ طائفته ويذود عن حماها إلا بقتل الشقيق، ليس على الشبهة بل عمداً بسبب البيانات الشخصية، بمعنى أنه إذا كان الضحية عراقياً أولاً ثم إذا كان سنيّاً أو شيعياً ثانياً، فسيُذبح، وليس هناك أيّ سبب آخر 5، ففي العراق لا يوجد أي إستقطاب أو إصطفاف سياسي، وكل ما هو موجود عبارة عن عمائم سوداء وأخرى بيضاء، سنيّة وشيعية، ومن ورائها يصطف طابور من القتلة.

ويصف الموزاني الحرب بأنها الأشد قذارة في تاريخ العراق، لأنها باتت وسيلةً لإحكام السيطرة "السياسية" والجغرافية والاقتصادية على العراق، لأنها جعلت من المواطن العراقي كائنا طائفيا لا يرى في العراق هويته الوطنية، وهو يتنفس الهواء المشبع بالطائفية الذي تهب نسماته فقط من وراء الحدود، فالشيعي الطائفي لا يعمل إلا بما تقتضيه الإدارة الإيرانية حصراً، والسنّي الطائفي لا ينفذ إلا ما تراه الوهابية السعودية، وهذا بالضبط ما فعلته إيران في لبنان بواسطة حزب الله الذي ورطته في حرب غير متكافئة أدّت إلى تدمير بنيته التحتية، وهو ما تفعله أنظمة عربية عديدة من خلال دعمها هيئة علماء المسلمين والحزب الإسلامي، وبالتالي فقد تخلى الطائفيون عن هويتهم العراقية أو اللبنانية من أجل هويتهم الطائفية.

وخلاصة منتهى هذا التسعير الطائفي هو الوصول إلى ما يسمى بمشروع الفيدرالية، أي تقسيم العراق على أسس طائفية، لتسهيل عمليه ابتلاعه وتوزيعه بين دول الجوار؛ ولابد قبل ذلك من التمهيد لهذا التقسيم من خلال التطهير العرقي، ولسوء حظّ العراق فإن دول الجوار هذه التي تستحم في دم أبنائه هي من الدول القوية سياسيّاً واقتصادياً وتعد نفسها مراكز دينية، وأنها للأسف قبلت بأن يغرق العراق في حرب طويلة الأمد لتتيح لنفسها أن تزدهر اقتصاديا ولتصدر أكبر قدر ممكن من النفط، تحت شعار "دم العراقيين من أجل نفط الجيران وثراء سلطتهم الحاكمة"

الطائفيـة والصراع العربي الصهيـوني

تحاول الدوائر الصهيونية ومنذ نشأتها تصوير الصراع العربي الصهيوني على أنه صراع ديني طائفي كغيره من الصراعات الطائفية الإثنية في المنطقة والتي عادة ما تنتهي بتقاسم الأرض وتثبيت حدود سياسية بين الطوائف المتنازعة، ومن ناحية ثانية فإن المشروع الصهيوني سيتوقع من خلال هذا الطرح أن يجد الدعم من اليمين المسيحي، فضلا على أنها ستدخل العالم في متاهة الجدل الديني والتاريخي بحيث تضيف مزيدا من الغموض والأكاذيب على حيثيات الرواية الصهيوينة، الأمر الذي سيؤدي إلى زعزعة ثقة العالم بعدالة القضية الفلسطينية، إذ أن العالم المتحضر بات يرفض فكرة الحرب الدينية وينبذها على الأقل على المستوى العلني، وبالتالي ستبدو إسرائيل بمظهر الضحية المغلوب على أمرها، أي دولة الأقلية اليهودية التي يتربص بها العالم الإسلامي ويريد أن يرميها في البحر، وبالطبع ستعيد إنتاج قصة الهولوكوست والمحرقة ومذابح النازية وتبتز العالم وتحصل على المزيد من الدعم والتأييد.

ومن أجل ذلك، فقد عملت إسرائيل على إغراق المنطقة في دوامة الحروب الطائفية والإقتتال الطائفي لتفريغ الصراع العربي الصهيوني من مضامينه السياسية والقانونية، وتقويض الأركان الحقيقية التي يقوم عليها من حيث كونه صراعا تاريخيا حضاريا سياسيا بين مشروع الأمة العربية في الإنعتاق والتحرر ضد مشروع الهيمنة الإمبريالية على حاضرها ومستقبلها ومقدراتها، ومن أجل إخفاء طبيعة الحركة الصهيونية العنصرية، والتمويه على دورها الوظيفي في خدمة المشروع الإمبريالي.

كما أن الدوائر الصهيونية أدركت ومنذ البداية أن الوجود الفلسطيني هو النقيض المركزي لمشروعها، بمعنى أن بلورة هوية وطنية سياسية للفلسطينيين تعني الاعتراف بهم كشعب وأن من حقهم المطالبة بحقوقهم الوطنية والسياسية التي يقرها القانون الدولي، وبالتالي سبقى المشروع الإسرائيلي في خطر، ومن هذا المنطلق عملت على تجزئة وتفتيت الهوية الوطنية الفلسطينية وإظهارها على شكل مجموعات إثنية وطائفية ( عرب، دروز، بدو، مسيحيين، مسلمين ) وهي محاولات لم تلقى أي نجاح يُذكر، لأن الهوية الوطنية الفلسطينية جامعة لكل هذا الخليط المتجانس أصلا، فلحسن الحظ فإن المجتمع الفلسطيني مكون بصورة رئيسة من مسلمين وهم الأكثرية ومن مسيحيين وهم الأقلية، وهي تركيبة غير طائفية، وفي هذا الصدد يؤكد زياد أبو عمرو أنه بالرغم من وجود ولاءات دينية موروثة ونعرات جهوية وقبلية إلا أن الولاء الوطني يظل طاغيا لدى أغلبية المسلمين والمسيحيين، وأنه ثمة نزوع قوي نحو العلمانية في المجتمع الفلسطيني بصورة عامة8، وأن تأييد الحركات الإسلامية يأتي في سياق تأييدها للكفاح الوطني الذي تخوضه هذه الحركات ضد الاحتلال وليس للفكر الديني نفسه بالدرجة الأولى، وأن مقتضيات النضال الوطني قد طغت على كافة التناقضات الأخرى الدينية والطائفية والطبقية والفكرية.

وهذا لا يعني أن الإسلام السياسي في فلسطين محصن ضد الطائفية، فمن المعروف أن الجماعات الإسلاموية تتعاطى مع الصراع العربي الصهيوني على أنه حربا دينية بين المسلمين واليهود، وفي هذا الطرح بذور للطائفية لأنه يستثني المسيحيين ويخرجهم من دائرة الكفاح الوطني، وهو أيضاً طرحٌ لا يفرق بين اليهودية كدين والصهيونية كحركة سياسية عنصرية، ويخدم التوجه الإسرائيلي الهادف إلى جعل الصراع العربي الصهيوني كغيره من الصراعات الطائفية في المنطقة، وفي النهاية سيكون إنشاء دولة يهودية أمرا عاديا متناغما مع الدول الطائفية المزمع إنشائها في المنطقة العربية.

عندما انفجر الصراع الداخلي الفلسطيني بين حركتي فتح وحماس، كان الخوف لدى الأوساط الشعبية أن يتحول هذا الصراع إلى حرب أهلية، لكن هذه المخاوف وإن كانت مبررة إلا أنها تفتقر لسند موضوعي، فالحرب الأهلية تستوجب وجود طوائف تضطهد بعضها البعض، أو وجود تكوينات عرقية وإثنية متحاربة، أو تشكيلات اجتماعية طبقية ينتج عنها صراعا بين قوى اقتصادية كبرى، وهذه العوامل لم تكن موجودة، فالمسيحيون لم ينخرطوا في الصراع بتاتا، والعائلة الواحدة كانت تضم عناصر من نفس الفصائل المتصارعة، والتركيبة الاقتصادية للمجتمع الفلسطيني لا تسمح بوجود فرز طبقي فضلا عن حرب طبقية، ومع أنه في الأساس صراعٌ سياسي أيديولوجي بين برنامجين متناقضين، إلا أن الفتنة الطائفية كانت مستعدة للدخول على الخط وأن تطل برأسها، لولا طبيعة وتركيبة المجتمع الفلسطيني وطبيعة ومقتضيات الصراع وطبيعة المرحلة التاريخية، والتي عملت جميعها على تسليح الشعب بحالة من الوعي الشعبي والوطني حالت دون انتقال الصراع إلى مستويات أعلى تكون الطائفية وقودها وعنوانها.

وهو نفس الوعي الشعبي الوطني الذي أحاط بحركة فتح وفصائل الثورة الفلسطينية بمشاعر الدفء والتضامن وشكل لها الحاضنة الطبيعية التي من خلالها انطلقت وخاضت الكفاح الوطني، وهو نفس الوعي الذي احتضن حماس وأيدها عندما قررت أن تغير من استراتيجيتها وتخوض النضال الوطني وتمارس الكفاح المسلح، ذلك لأن الاحتلال الإسرائيلي وحد الشعب بكافة فئاته وطوائفه خلف برنامج التحرر الوطني وجعل من الاحتلال تناقضه الرئيسي المركزي، لذلك عندما إنحرفت حركة حماس عن الخط الوطني وجعلت مصلحتها الحزبية فوق مصلحة الوطن وتورطت في مشاريع سياسية تخدم أطراف خارجية ولا تصب في مصلحة القضية الفلسطينية ابتعد عنها الجمهور وعزلها ونبذها في ضميره، رغم أنها تتسربل بمسوح الدين وتدعي العلاقة المباشرة مع الله سبحانه وتدعي الإسلام الصحيح، ورغم أن حركة فتح اقترفت العديد من الأخطاء والخطايا وفشلت في بناء نموذج حضاري للسلطة الوطنية، إلا أنها ما زالت تمثل المشروع الوطني، وتشكل صمام الأمان بأن لا ينحرف النضال عن البوصلة الوطنية وأن لا ينزلق المجتمع في مستنقع الطائفية، لأنها ببساطة حركة الشعب الفلسطيني التاريخية القادرة على استيعاب كافة طوائفه طبقاته وتناقضاته وصهرها في بوتقة الكفاح الوطني ضد العدو المركزي.

نافـذة على الحــل

بما أن الجميع يلعن الطائفية، والجميعُ متورط بها فلا مخرج من هذه الدوامة بالإعتماد فقط على النوايا الحسنة والضمير الحي والخطابات والمواعظ، لأن كلّ ما يكون قانونه الأوحد هو الضمير، هو عبارة عن حربٌ مؤجلة، فالضمير كلمة مطاطة ومفهوم نسبي متغير، وضمير الطائفي يكون مشبعا بالكراهية ولكنه بالنسبة إليه هو "ضمير" مؤسس على قناعة، لذلك يبقى الضمير أضعف من أن يبني نظاما أو يؤسس دولة، ولهذا فبدون إجراءات رادعة وقوانين مانعة من شأنها إحداث تغيير جذري في المفاهيم وأساليب التربية والحياة السياسية لن نتخلص من هذه الظاهرة، وحتى لا نعطي لأحد الحق في تصنيف الآخر والحكم عليه، يجب النظر للإنسان باعتباره إنسان أولا ومواطن له حقوق وعليه واجبات، والنظر للوطنية بوصفها ليست سوى المواطنة، وهي الاشتراك في الوطن دون النظر إليه باعتباره فعلاً يمليه الضميرُ بل القانون، والفارق هنا بالغ الأهمية، لأنه في الوطنية يوجد دائماً من هو أكثر وطنية من سواه وهو ما قد يعطيه الحقّ في الإستعلاء عليه، أما المواطنة فلا يمكن لأحد أن يستأثر عليها بنسبة أعلى من غيره، إذْ هي مقرّرة بحقوق وواجباتٍ مفروضة ومعطاة للجميع بالمقدار ذاته وفق نصوص واضحة، ثم تخليص العروبة من أدران الشوفينية والعنصرية ليكون معيارها هو التكلم باللغة العربية والتعاطي معها كهوية ثقافية لا أكثر ولا أقلّ، والأهم من كل هذا هو تخليص الإسلام السياسي من الطائفية التي طالما علقت به وشوهته أيما تشويه، وبالتالي يجب النظر للإسلام باعتباره النطقٌ بالشهادتين وعمل الخير وليس مباراة في تحديد مَنْ هو أشدّ إسلاماً من سواه، وهو ما سيجعل الإسلام ديناً قابلاً لأن يكون مادة التقاءٍ لا تنافر وتطاحن، أما الإيمان فهو جهد فردي حصاده يوم الحساب.

وإذا صحّحْنا نظرة المجتمع تجاه هذه الأقانيم الأربعة وجففنا منابع الطائفية وأسباب ظهورها، نكون قد وضعنا أنفسنا على بداية الطريق لتأسيس نظام مجتمعي حداثي يتجاوز الطائفية وكافة النعرات العنصرية، وبداية الحل تكمن بأن لا يسمح المجتمع باضطهاد أي طائفة مهما صغر شأنها ومهما إزدادت حدة التناقضات الفكرية والثقافية معها، فوجود طائفة مضطهدة أو سكوت المجتمع على هذا الاضطهاد هو أول وأهم منابع الطائفية والتي مجرد أن تُفتح حتى تفتح معها أبواب جهنم، وحينها لا تنفع المواعظ ولا الدعوات وستفلت غيلان الطائفية من كل صوب وحدب، لأن التهميش السياسي أو الإقصاء الثقافي لأية طائفة سيكوّن مشاعر طائفية مضادة تكون هنا عبارة عن رد فعل المظلوم تجاه الظالم وعملية احتماء للفرد بجماعته الفرعية «طائفته» لمقاومة هذا الظلم، وللحيلولة دون ذلك يجب إقامة نظام سياسي ديمقراطي تعددي قائم على العدل والمساواة والمواطنة المحكومة بالقانون، من هنا فان الطريق الأقصر لمنع الطائفية ليس التفنن في إطفاء حرائقها المشتعلة هنا وهناك، والتي لا تلبث بعد حين حتى تلتهب من جديد، وإنما هو الطريق المستقيم المجرّب 3، طريق الانتقال إلى الديمقراطية والعدالة الاجتماعية، وهذا شرط أساسي لتنظيف المجتمع من الطائفية لأنه لن يكون ثمة دافع لدى أي طائفة لأن تتخلى عن هويتها الفرعية، لمصلحة هوية أعلى، إلا إذا كانت هذه الهوية الأعلى قادرة على أن تستوعب هذه الطائفة وتتيح لها مستوى أعلى من الانفتاح والشراكة الحرة مع الهويات الأخرى.

ويرى الكاتب ياسين الحاج صالح أنه من أجل إبطال مفعول الطائفية لا بد من نقل الشعور الطائفي من المكبوت إلى الوعي، وهو ما يقتضي إحداث تغيير جذري في نظرتنا للطوائف من حيث أنها فئات اجتماعية موجودة تاريخيا، ثم ننـزع صفات العار والأحكام المسبقة عليها ونقر لها بالشرعية وبحقها في الوجود، وهذا من شأنه فك الالتباس القائم بين الطائفية ووجود الطوائف الذي طالما تغذت عليه الطائفية واختفت من خلفه، أي لا بد من منح الشرعية للطوائف من أجل تعرية الطائفية وسحب البساط من تحت أقدامها، لذلك يتعين علينا أن نغير إستراتيجية مواجهة الطائفية من التكتم على الطوائف وتحريم الإشارة إليها، إلى إشهارها وعرضها والإقرار بذاتياتها غير القابلة للاختزال 4، وهذا يدعو إلى تغيير مفهومنا للوطنية التي حكمت بعض البلدان العربية، وكانت في حقيقتها مجرد هيمنة هوية جزئية طائفية أو قبلية على بقية الطوائف بعد أن نجحت في شق طريقها نحو السلطة السياسية، بحيث تتطور هذه الوطنية لتنتقل إلى فضاءات الحرية والمساواة والانفتاح على العالمية، لأن الوطنية التي ترتد إلى إلغاء للهويات الدينية والإثنية والمذهبية الموجودة في المجتمع هي ذاتها عبارة عن هيمنة طائفية، وهي وطنية استعبادية، بوليسية حتى لو كان ذلك يتم باسم الوحدة الوطنية.

كما أنه من الأهمية بمكان أن يحرم النظام السياسي الديموقراطي تكوين الأحزاب والجمعيات والنشاطات السياسية على أسس دينية أو طائفية أو مذهبية، مهما بلغت جمالية النصوص وبلاغتها في الإدعاء بعدم الطائفية، فقد رأينا كيف تبدأ الأحزاب والحركات الأيديولوجية بشعارات الأممية والوطنية والمقاومة وكيف تنتهي بطائفية مقنّعة، وقد لا تخجل عن الإفصاح عنها حينما تستشعر قوتها، وأي نظرة لأحزاب الإسلام السياسي وتحليل لمواقفها في المنطقة تؤكد هذه المقولة بما لا يدع مجالا للشك.

عبد الغني سلامه
آب – 2008











المراجع:
1. وليد رجا الكردي، الطائفية، مدونات امين.
2. أحمد عبد الحسين، من هو الطائفي وما هي الطائفية،
3. علي محمد فخرو، رئيس مجلس أمناء مركز البحرين للدراسات والبحوث، منتدى القرآن الكريم.
4. ياسين الحاج صالح، هل من سبيل لإبطال المخاتلة الطائفية، الحياة ، 2006/11/05
5. حسين الموزاني، عن الحرب الطائفية في العراق، كاتب عراقي مقيم في ألمانيا، 2006
6. برهان غليون، نقد مفهوم الطائفية، مجلة الآداب البيروتية كانون الثاني 2007.
7. خالد الحسن، الأزمة اللبنانية – محاولات للفهم، منشورات دار الكرمل، ط1، 1987 – عمان.
8. زياد أبو عمرو، المجتمع المدني والتحول الديموقراطي في فلسطين، المؤسسة الفلسطينية لدراسة الديموقراطية، ط1، 1995، رام الله.
9. د. علي الوردي، مهزلة العقل البشري، ط1 ( 1996 ) دار كوفان ، لندن.

1 التعليقات:

غير معرف يقول...

جزاك الله خير على التوضيح يا مهندس عبد الغني والسلام عليكم

إرسال تعليق

الكاتب

م. عبد الغني سلامه

فلسطين

أحدث الادراجات

كاريكاتير اليوم

احصاءات العالم

احصاءات العالم

عدد الزوار