أهلا بكم

على هذه الصفحة نثير التساؤلات ،، ونفكر ،، ولا نعرف حدوداً للتوقف

آخر الأخبار

حكمة اليوم

اشترك في القائمة البريدية

ادخل بريدك الالكتروني

ابحث

يوليو 20، 2008

الأساطير المؤسسة للدعاية الحمساوية



لو أن إسرائيل قتلت خمسين مواطنا فلسطينياً دفعة واحدة، لما ترددنا لحظة واحدة في وصف هذه الجريمة بالمذبحة البشعة ولأطلقنا عليها تسميةً ما لتخليدها في الذاكرة الشعبية، وهذ أمر طبيعي دون شك، ولكن الأمر اللافت إزاء أحداث غزة هو أن حماس قد قتلت من عناصر الأجهزة الأمنية وأبناء فتح ثلاثة أضعاف هذا الرقم في غضون أيام قليلة، ومع ذلك فأن وسائل الإعلام تجاهلت أو أخفقت في إطلاق وصف مذبحة على الذي حدث بالرغم من إرتفاع عدد الضحايا !! الأمر الثاني المُستغرب هو إقدام مقاتلي القسام على هذه المقتلة ضد من كانوا حتى الأمس القريب أخوة في الدين ورفاق سلاح !!
وما من شك أن تمتع أبناء القسام بهذه الروح القتالية العالية، وتغاضي قطاع معين من الشارعين العربي والإسلامي عن الجرائم المروعة التي رافقت الإنقلاب في غزة وربما تأييدها بشكل أو بآخر، كان نتاجا متوقعاً لسياسة إعلامية دأبت عليها حماس منذ وقت طويل استطاعت أخيرا أن تقطف ثمارها المرة في هذا الحزيران الكئيب.
وبالنظرة المتمحصة في الخطاب الإعلامي لحماس سنجد أنه قد مارس فن التضليل والخداع بشكل مذهل، بل يمكننا القول أن خطاب حماس يرتكز على مجموعة من الأوهام والأساطير نجحت في تسويقها إلى حد كبير ليس بجهودها فقط بل وبمساهمة فضائيات عربية عملت كبوق إعلامي لها !!
الأسطورة الأولى: أن الشعب حجب ثقته عن فتح لأنها فاسدة ومنحها لحماس لأنها نظيفة ..
بعد ظهور نتائج الانتخابات التشريعية التي حققت فيها حماس فوزا كاسحا على فتح، بدأت ماكينة حماس الإعلامية تردد مقولة أن الشعب أراد أن يعاقب فتح على فساد مسلكها واختار حماس بديلا عنها، هذه المقولة وإن كانت لا تخلو من الصواب إلا أنها بكل تأكيد لا تمثل الحقيقة الكاملة، فبنظرة متأنية للأرقام سنجد أن جمهور فتح الذي انتخب " القائمة " يكاد يكون مساوياً للجمهور الذي منح حماس ثقته ( 29 مقعد لحماس مقابل 28 لفتح )، ولفهم هذه النتيجة فهما صحيحا دون أن نقع أسرى رغبات مسبقة أو توصيفات جاهزة، لا بد من تفسير سياسي ورياضي لما حدث، فالعامل السياسي أسهم في إضعاف شعبية فتح، حيث كان إنسداد الأفق السياسي وتعثر مسيرة التسوية وتنكر إسرائيل للقرارات والإتفاقات من ناحية، ومن ناحية ثانية فإن الفساد الذي مارسه نفر غير قليل من المحسوبين على فتح وسوء الإدارة والممارسات غير المقبولة من قبل قياديين في السلطة، وترافقْ ذلك مع نشوء تيار فاسد مدعوم من أمريكا نمى على هامش هذا الفساد واستغل غياب أية آليات للرقابة والردع، وبعد مسيرة أربعين عاما من الكفاح والنضال تراكمت فيها سلسلة من الأخطاء والممارسات التخريبية ذهبت فتح إلى الانتخابات مشتتة ممزقة تتقاذفها تيارات وصراعات يقف ورائها بعض الأبوات التاريخية الرافضة لمسار التطور الطبيعي، وكان الشعب الذي رأى وسمع واكتوى بهذا الفساد وراكم في ذاكرته ينتظر الفرصة لقول كلمته الفصل.
أما التفسير الرياضي فمرتبط بقانون الإنتخابات الذي يعطي الناخب الفرصة مرتين، مرةً للقائمة، ومرةً أخرى للأشخاص في الدوائر، فالتصويت للقائمة يعكس الموقف من فتح أو من حماس ذاتها أما التصويت للأفراد فليس بالضرورة أن يحمل موقفا سياسيا، وقد نجحت حماس في إختيار شخصياتها من الوجوه المقبولة خلافا لفتح، فضلا عن الأصوات التي خسرتها فتح لصالح مرشحين فتحاويين خاضوا الإنتخابات كمستقلين، ومع ذلك فإن نسبة من صوتوا لفتح أو لحماس على أساس سياسي تكاد تكون متساوية ومتطابقة مع نتائج استطلاعات الرأي التي كانت تتوقع فوز حماس بنسبة 40 % فقط.
ومهما كان غضب الجماهير على فتح فإنها لا تنسى أن فتح خاضت معها انتفاضة باسلة قدمت خلالها آلاف الشهداء من قيادتها وكادرها ومنتسبي أجهزتها الأمنية وتحملت المسؤولية السياسية والضغوط الدولية ودفعت استحقاقاتها بشجاعة، وحملت الهم اليومي للشعب وصانت الوحدة الوطنية ولم تنزلق إلى هاوية الاحتراب الداخلي رغم الاستفزازات الكثيرة.
ومع هذا فإن التركيز على فساد فتح فقط وبهذه الصيغة المضخمة يعتبر فسادا من نوع آخر، تُستخدم فيه أبواق أمريكية وإسرائيلية وعربية وتمارسه أقلام حاقدة تجيد اقتناص الفرص ولا ترعوي عن لي ذراع الحقيقة لخدمة مآربها لتجعل فتح هي الفساد والفساد هو فتح، وتصور السلطة على أنها عبارة عن مافيات وحرامية، والغريب أن هذه المنظومة الفاسدة " السلطة " قد نجحت وبامتياز أن تقدم للعالم أرقى نموذج لشفافية الانتخابات وسلاسة تداول السلطة !!
وإذا كانت الجماهير قد عاقبت فتح بقسوة على تجاوزاتها المالية والإدارية، فأنه من المؤكد سيكون عقابها أشد لمن تجرأ على الدم الفلسطيني واستباح الحرمات ومزق وحدة الوطن ... وغدا لناظره قريب ...
الأسطورة الثانية: إن حكومة حماس تستمد شرعيتها من صندوق الانتخاب وأنها تحترم الديموقراطية والنظام الأساسي والقانون ..
فإذا كانت حماس قد نالت فعلا أصوات الشعب الفلسطيني ضمن انتخابات حرة ونزيهة، وهذه حقيقة لا شك فيها، ولكن الشعب انتخب مجلسا تشريعيا ولم ينتخب حكومة .. وإذا كانت الحكومة قد انبثقت عن هذا المجلس إلا أن ذلك لا يعطيها تفويضا أبديا، ولا يعني أنها قد أحاطت بكل جوانب الديموقراطية ،، فالديموقراطية كلٌ لا يتجزأ ولا يصح أن نأخذ منها ما يعجبنا وندع ما لا يعجبنا !! كما أن الديموقراطية ليست فقط صندوق الانتخابات .. وصندوق الانتخابات ليس المعيار الوحيد للشرعية- شارون وهتلر جاءا عبر صندوق الانتخاب !! - والحقيقة أن صندوق الانتخابات يأتي محصلة نظام ديموقراطي وتعبيرا عن نضوج المجتمع وتشربه مفاهيم الديموقراطية، وإذا حدث العكس وجاء صندوق الانتخاب ليدشن عهدا ديموقراطيا فإن نجاح التجربة ليس مضمونا ومثال ذلك ما حدث في الجزائر، فلا بد من وجود مناخ ديموقراطي يسمح بعملية فرز حقيقية لقوى المجتمع ويضمن تعبير الجماهير الحر عن رغبتها الواعية دون أن تقع تحت ضغط وتأثير قوى خارجية، وخلاف ذلك يعني وضع العربة أمام الحصان، أو ظهور نتائج لا تعكس الحقيقة كما هي، بل تكون انعكاسا لوضع معقد متشابك في لحظة تاريخية استثنائية، ورغم ذلك يبقى صندوق الاقتراع مكون رئيسي هام من بنية النظام الديموقراطي، ولكن الديموقراطية تعني أيضا الالتزام بتداول السلطة بشكل سلمي واحترام الرأي الآخر والاعتراف بحق الجميع بالمشاركة السياسية الكاملة واحترام حق المعارضة بممارسة كافة أشكال التعبير التي يكفلها القانون كالتظاهر والإضراب والتعبير بالكلمة والموقف السياسي، وتعني قبل أي شيء الحفاظ على السلم الأهلي وعدم تعريض مصالح الشعب للخطر وعدم الزج به في مغامرات عسكرية ليس له مصلحة حقيقية بها ... والسؤال أين حماس من كل هذا ؟؟ وماذا مارست من الديموقراطية بعد الانتخابات ؟؟ وكيف تستوي الديموقراطية مع سياسة الإقصاء والتخوين ونفي الآخر !؟
أما الحديث عن إحترام القانون ومدى دستورية حكومة الطواريء .. فإنه حديث لا معنى له ولا قيمة له في ظل سيادة الجزمة العسكرية التي داست على كل القوانين، والقذائف التي مزقت الدستور، والإجراءات التي فرضتها حماس بالقوة، والنتائج التي أرادت الوصول إليها فوق أكوام الجماجم، وحين تصبح الطلقات بديلا عن الحوار وحين تجرى الإعدامات والعفو على طريقة الميليشيات وبأسلوب العصابات ،، فإن إدعاءات حماس بتعارض مراسيم الرئاسة مع القانون الأساسي يصبح ترفا فكريا ومحاولات بائسة لقلب الحقائق وتحميل الآخرين نتائج خطيئتهم.
الأسطورة الثالثة: أن حماس تمثل المقاومة وتتمسك بالثوابت الوطنية ..
تأسست جماعة الإخوان المسلمين في فلسطين في العام 1946 ومنذ هذا التاريخ وحتى بداية الانتفاضة الأولى في نهاية العام 1987 مضى أكثر من أربعين عاما لم تكن هذه الجماعة تمارس أي شكل من أشكال المقاومة المسلحة أو تشارك بأية فعاليات شعبية ضد الاحتلال، وكانت تركز طوال هذه الفترة على تربية الفرد وتنشئته على المفاهيم الدينية وتهيئة المجتمع لتقبل أيديولوجية الإخوان، من خلال المساجد والجمعيات الخيرية ولجان الزكاة .. وكانت تعتبر طوال تلك الفترة أن أوان الجهاد لم يحن بعد .
ولكن ما أن جائت الانتفاضة الأولى حتى وجدت الجماعة نفسها أمام امتحان صعب، فإما أن تستمر على نفس النهج أو تأتي بنهج جديد، الخيار الأول ينطوي على خطر حدوث انشقاق أوسع من الذي فعلته الجهاد الإسلامي قبل ذلك بسنوات قليلة، كما سيخرجها من دائرة التأثير الجماهيري ويعزلها تماما، ومن هنا كان لا بد من تبني الخيار الثاني وهكذا تأسست "حماس"، وصاغت ميثاقها بعد ذلك بثمانية شهور.
وقد تميز نضال حماس في الفترة اللاحقة وحتى العام 1992 بالطابع السلمي الجماهيري ولكن خارج نطاق القيادة الوطنية الموحدة ودون الاعتراف بمنظمة التحرير، أي أن حماس لم تلجأ للعمليات الإستشهادية أو للمواجهة العسكرية المباشرة ولم يكن لها أي جناح عسكري، حتى ذلك التاريخ.
تأسست كتائب القسام في العام 1992، مدشنة بذلك عهدا جديدا من الكفاح وأسلوبا مغايرا سيكون له تأثيرات بالغة الأهمية على مجريات الأحداث، وقد تميز هذا الأسلوب بالعمليات التفجيرية " الإستشهادية " داخل الخط الأخضر بداية ثم بإطلاق صواريخ محلية الصنع على المدن الإسرائيلية القريبة من قطاع غزة، مع عدد محدود جدا من العمليات الفدائية المشتركة مع فصائل المقاومة الأخرى كالإشتباكات والتسلل داخل المستوطنات وعمليات الأنفاق، ولكن النوعين الأولين ( العمليات الإنتحارية وصواريخ القسام ) هما اللذان طغيا على مشهد المقاومة، وكان من الملاحظ أن هذه العمليات بسبب استهدافها مدنيين قد مكّنت الدعاية الإسرائيلية من وسم المقاومة الفلسطينية بشكل عام بالإرهاب، فضلا عن نتائجها السياسية الكارثية على مجمل الوضع الفلسطيني، وأثرها السلبي على سمعة القضية الفلسطينية.
عمليات حماس التفجيرية تكثفت بشكل ملحوظ أول مرة مع بدايات مفاوضات أوسلو وتحديدا في منتصف عام 1994، ثم نشطت مرة ثانية بعد تنفيذ أوسلو "ب" شتاء العام 1996، ولم تتوقف حتى استلم الليكود الحكم بزعامة نتنياهو الذي جمد كل شيء، والمرة الثالثة تصاعدت تلك العمليات في السنة الثانية من الانتفاضة الحالية وكانت ذريعةً لإسرائيل لبناء السور وحصار عرفات في المقاطعة وتدمير مقرات الأمن ومقرات السلطة، وكان توقيتها منتظما مع كل وفد أمريكي أو أوروبي يصل المنطقة وتمهيدا لكل تغيير جذري أحدثته الحكومة الإسرائيلية على أرض الواقع، والأمر اللافت أن حماس امتنعت تماما عن هذا النهج من العمليات التفجيرية مباشرة بعد استشهاد الشيخ أحمد ياسين ( آذار 2004 )، رغم كل تهديداتها بالثأر له ثم للشهيد الرنتيسي من بعده.
إذاً الهدف من عمليات حماس كان هدم أركان أي تسوية سياسية ممكنة، وإبقاء الوضع متفجرا ما يتيح المجال لإسرائيل تقويض مؤسسات السلطة وتدمير بنيتها التحتية وتدمير كل مقوماتها ومقدراتها، الأمر الذي استفادت منه حماس في نهاية المطاف وبنت على أنقاض هذا الدمار قوتها الجماهيرية والعسكرية، وحتى لو تم ذلك دون تنسيق مع الإسرائيليين إلا أن النتيجة واحدة.
حماس ومنذ حكومة أبو مازن في صيف 2003 أعطت لإسرائيل هدنة حقيقية، وباستثناء اختراقات محدودة يمكننا القول أن حماس قد التزمت بها تماما بالرغم من كل الإستفزازات الإسرائيلية، وقد كرّست الهدنة أكثر بعد فوزها في الإنتخابات وتوليها مقاليد السلطة، وإذا وضعنا التصريحات الإعلامية جانبا سنجد أن الواقع ينبئ عما هو أكثر من هدنة، أي تحول كامل عن نهج المقاومة لم يُبقي منها إلا ذكرى الضحايا من كلا الجانبين، وإعلام ما زال يصر على أن حماس وحدها من يمثل المقاومة !!
والحقيقة أن كافة الفصائل الفلسطينية بما فيها حماس قد قاومت ببسالة وضحّت وقدمت خيرة شبابها على مذبح الحرية، وإذا كان عدد قتلى الإسرائيليين على يد حماس يمثل النسبة الأعلى من مجمل القتلى، فهذا بسبب طبيعة عمليات حماس التي كانت تركز على التجمعات المكتظة والمزدحمة، ولكن الحقيقة التي دوّنها التاريخ في سجلاته الخالدة هي أن نسبة شهداء منتسبي الأجهزة الأمنية كانت هي الأعلى ومثلت حصة الأسد من مجموع شهداء الإنتفاضة وقد فاقت حصة الفصائل مجتمعة، وأن عمليات فتح البطولية قد صارت غنوة شعبية يرددها الأطفال وتغنيها النسوة في الأعراس والمناسبات الوطنية.
وللحديث عن التمسك بالثوابت الوطنية علينا أن نجري مقاربة بين ثبات القيادة الفلسطينية في كامب ديفيد في تموز 2000 وبين وثيقة أحمد يوسف، وبين التمسك الواعي بنهج المقاومة وبين هدنة قد تمتد لخمسين سنة !!
الأسطورة الرابعة: أن فتح أعاقت عمل الحكومة ولم تمنحها الفرصة لتنفيذ برنامجها ..
إذا كنا نقر ونعترف بأن فتح أثناء توليها السلطة قد اقترفت العديد من الأخطاء والخطايا وأن مسيرتها قد شابها الكثير من الخلل والتشوهات، إلا أننا يجب أن لا ننسى أن فتح هي التي أرست دعائم الديموقراطية الفلسطينية القائمة على التعددية السياسية وهي التي وفرت الملاذ الآمن لفصائل المقاومة كافة، وهي التي في كنفها نمت حماس وتقوّتْ، وهي التي أصرت على إجراء الإنتخابات ونفذتها بنزاهة شهد لها العالم، وبعد فوز حماس سلمتها فتحُ السلطة بسلاسة وسهولة إعترف بها وزراء حماس أنفسهم، رغم الدعاية الباطلة التي أطلقها مشعل في خطبة اليرموك بأن موظفي فتح قد سرقوا الكنابايات والدفاتر والشاي والقهوة ....
ومن البداية كان من الواضح أن لحماس برنامجها الخاص وأجندتها الخاصة المختلفة كليا عن برنامج وأجندة منظمة التحرير الفلسطينية، وأنها أي حماس تسعى للسيطرة على كافة مقاليد السلطة وفرض رؤيتها الأيديولوجية وخطها السياسي بأي شكل وبأسرع طريقة، وكانت فتح تدرك أن هذا من شأنه تقويض أسس المشروع الوطني الفلسطيني الذي حمته طوال أربعين عاما وقدمت في سبيله شلالا من الدماء، وأمام هذا المشهد كان على فتح إما أن تختفي تماما من الساحة وتتنازل عن مشروعها وتنهي مسيرة نضالها الطويلة بصمت واستسلام، وأن تراقب المركبة الفلسطينية وهي تهوي نحو جرف سحيق دون أن تحرك ساكنا، وأن تشهد على تأجير القرار الوطني المستقل الذي خاضت من أجله حروبا ومعارك طاحنة، وأن ترى القضية الفلسطينية تتحول إلى مسألة معونات إنسانية بعد أن فرضتها بقوة السلاح والدم على أجندة العالم كقضية سياسية لشعب يسعى للحرية والإستقلال، وأن ترى كل منجزاتها السياسية التي حققتها على مدى أربعة عقود تُسحق وتُدق بالمعول الحمساوي بدعاوى أيديولوجية وتحت شعارات غيبية ... إما أن تسكت عن كل هذا بحجة إتاحة المجال لحكومة حماس أن تكمل مشروعها وأن تأخذ فرصتها، وإما أن تتحمل فتح مسؤولياتها الوطنية وتمارس حقها الطبيعي وواجبها الوطني في الدفاع عن المشروع الوطني الفلسطيني وحماية منجزاتها.
من المؤكد أن فتح تبنت الخيار الثاني ولكنها مارسته ضمن القانون وضمن التقاليد الديموقراطية، ولكن حماس التي لا تؤمن بالديموقراطية ولم تعْـتَدْ عليها ولا تؤمن بالمشاركة والتعددية، وتقيمُ سياستها على مبدأ "من ليس معي فهو ضدي" وتسعى لإقصاء كل الأطراف الأخرى والتفرد بالحكم ،، فإنها من المتوقع أن تفتعل مشاكل مع الآخر تحت مسميات تنازع الصلاحية والمؤامرة لإسقاط الحكومة وأنها ستعتبر النضال الديموقراطي وحق المعارضة ضربا من الخيانة والتآمر .
وطالما أن لفتح حصتها في المجلس التشريعي ومكانتها الرائدة في تاريخ النضال الفلسطيني، فإنه من حقها بل ومن واجبها أن تمارس معارضة وطنية واعية بكافة الوسائل والطرق الحضارية المتعارف عليها في الأنظمة الديموقراطية.
ومن ناحية ثانية فإن حماس التي مثلت قوة موازية على الأرض عملت جهدها على تعطيل برنامج الرئيس محمود عباس وإفشاله قبل توليها السلطة، ورفضت كل توجهاته بإلغاء المظاهر المسلحة والقضاء على فوضى السلاح وفرض سيادة القانون ومأسسة السلطة، وبدلاً من ذلك نظمت الاستعراضات العسكرية وفرضت بقوة السلاح رؤيتها وبرنامجها في كافة المناطق التي سيطرت عليها، وبعد توليها السلطة دخلت في حرب إعلامية مع الرئاسة تبين الآن أنها كانت ترمي من خلالها إلى تهيئة الرأي العام لما سيحدث لاحقا، ولم يفلح الطرفان ( الحكومة والرئاسة ) بإقامة أي شكل من أشكال التعاون والتكامل، لأن حماس كانت تؤسس لمرحلة ما بعد الطلاق.
الأسطورة الخامسة: أن فتح والرئاسة تتلقى الدعم من أمريكا وإسرائيل ..
المزاج الشعبي العربي عامة والفلسطيني بشكل خاص يمقت كل ما يمت للسياسة الأمريكية بِصلة، وبالطبع يعادي كل من تدعمه إسرائيل، وهذه الحقيقة حاضرة بكل خبث ودهاء لدى صناع القرار في كل من أمريكا وإسرائيل، وطالما استخدمتها إدارة السجون الإسرائيلية لعزل مناضل ما بعد أن تعجز عنه فتدعي رعايته والإهتمام به لتكون ردة فعل بقية المعتقلين تجاه هذا المناضل هي اتهامه بالخيانة والتعاون مع العدو ... وهي إحدى الأسس التي قامت عليها الدعاية الحمساوية " شعار: أمريكا وإسرائيل قالتا لا لحماس .. أنت مع من ؟؟ " لعلمها أن من تدعمه أمريكا يحاربه الشعب، ومن تقاطعه أمريكا تلتف من حوله الجماهير، وهو نفس الأسلوب التي يتبعه حزب الله في صراعه مع السنيورة.
الولايات المتحدة التي عانقت أبا مازن عناق الدب وقتلته حباً ومديحا كما تدعي .. في حقيقة الأمر لم تقدم له شيء على الأرض سوى عبارات التأييد والمديح التي كانت في النهاية وبالاً عليه وسيفا يسلطه خصومه على رقبته كلما حميت وطأة الصراع، ولو أرادت أمريكا أن تدعم عباس وتقوّيه على خصومه لقامت بالضغط على إسرائيل لفتح أفق سياسي حقيقي من شأنه أن يجعل شعبية عباس في القمة، ولو أرادت إسرائيل دعم عباس أيضا لقامت بكل بساطة بتقديم تنازلات معينة قد لا تؤثر على أمنها ولا تضر باستراتيجيتها مثل الإفراج عن سجناء أو إزالة حواجز أو الإفراج عن الأموال المحجوزة ...
ولكن أمريكا وإسرائيل بدلا من ذلك سدّتا أفق أي تسوية سياسية، ولم تقدما للسلطة أية أموال ولا أية أسلحة ولم تسمحا حتى بتعزيز القوة الأمنية النظامية لا بالسلاح ولا بالعتاد ولا بالتدريب، وكل الحديث عن ذلك ما هو إلا دعاية مغرضة استغلتها حماس لتشويه صورة خصمها وإظهاره بمظهر العمالة والتبعية، ومن ناحية أخرى فإن إسرائيل غضّت الطرف تماماً عن كل أعمال تهريب الأسلحة والذخائر التي كانت تجري على قدم وساق وبكميات هائلة جدا عبر الحدود إلى غزة وكذلك إلى الضفة، كما تغاضت عن مصانع أسلحة صواريخ القسام، إلا إذا صدقنا أن إسرائيل فشلت في الكشف عن عمليات تهريب الأسلحة وتصنيعها التي بدأت قبل سنوات عدة، بالرغم من طائرات الإستطلاع التي لم تبرح سماء غزة، وبالرغم من أقمارها التجسسية التي تمخر غمام الفضاء، وبالرغم من جواسيسها المنتشرين في كل شارع وزقاق، وبالرغم من الخرائط الدقيقة لكل المدن والمخيمات، وبالرغم من سجل المعلومات الضخم الذي بنته طوال سنين الاحتلال .. بالرغم من كل هذا نجحت حماس في إخفاء معسكراتها في أدغال غزة الإستوائية وفي إخفاء مصانعها في صحاري رفح الشاسعة !!!
سباق التسلح الذي بدأته حماس أوصل سعر البندقية إلى عشرين ألف دولار، ومن البديهي أن تجار الأسلحة لهم صلاتهم المباشرة مع الموساد ويمدونهم بالمعلومات المفصلة دون تأخير، ورغم ذلك استطاعت حماس أن تبني قوة عسكرية ضخمة استطاعت من خلالها أن تحسم معركتها مع فتح بكل سهولة، وقد تبين لاحقا أن الأجهزة الأمنية ضعيفة التجهيز وكل أربعة جنود يشتركون في بندقية واحدة مع عتاد محدود، فضلا عن الجوع الذي قرص أمعائهم عام ونيف .. بعد تكشف كل هذه الحقائق هل يبقى للحديث عن التسليح الأمريكي والدعم الأمريكي ... أي معنى ؟!
لقد تغاضت إسرائيل عن تنامي قوة حماس العسكرية ليس لأنها تنحاز لها أو تدعمها .. بل لأنها تدرك أولا أن تسليح حماس مهما بلغ لن يؤثر على موازين القوى مع إسرائيل، وثانيا لعلمها أن هذه الأسلحة تصلح فقط وقودا لحرب أهلية، وبالتالي فإن إسرائيل المتربصة بالكل الفلسطيني والمعادية للوجود الوطني ككل والتي تضمر الشر لفتح وحماس بنفس الدرجة، كانت تراقب وتسجل وتخطط تمهيدا لمرحلة قادمة من الإستراتيجية الصهيونية جعلت من حماس - بغرور القوة التي أصابها – أداة لتنفيذها، أي تقسيم الوطن وقبرصته.
التوصيف الذي يطلقه بعض المحللين بأن حماس تمثل خط المقاومة وفتح تمثل خط التسوية الأمريكي هو توصيف ساذج ومضلل، فإذا نجحت أمريكا في إيجاد قوى حليفة لها ومسلوبة الإرادة في مواقع أخرى كالعراق وأفغانستان وبحماية قواعدها العسكرية، فإن هذا لا ينجح في فلسطين نظرا لاختلاف خصوصيات القضية كليا وتعقد المشهد السياسي للحد الذي لا يقبل التسطيح وإطلاق التوصيفات الجاهزة، حماس التي تدعي الممانعة كانت قد وافقت مشروع شامير عام 1989، ثم أطلقت بالون اختبار محمد غزال بإمكانية تعديل ميثاقها ( أيلول 2005 ) وبالون أحمد يوسف للدولة المؤقتة والهدنة الطويلة، فضلا عن التحولات العميقة في مواقفها السياسية تجاه التسوية والدولة الفلسطينية والمشاركة في الانتخابات .. ما يدل على أن لها نهج براغماتي قابل للتطوير تبعا للمصالح والنتائج المتوقعة.
ومن ناحية أخرى فإن فتح التي فجرت الثورة وقادت الكفاح المسلح ربع قرن كامل قبل أن تطلق حماس رصاصة واحدة وما زالت متمسكة ببندقيتها، تحاول أن تزاوج بين نهج المقاومة وبين نهج التسوية، وتؤمن بأن الكفاح المسلح هو وسيلة لتحقيق أهداف سياسية تتمثل في إبراز الهوية الوطنية وتثبيت الحقوق السياسية للشعب الفلسطيني وإقامة الدولة الفلسطينية، وهي أهداف سياسية تناضل لتحقيقها بوسائل سياسية تدعمها بندقية مقاومة مسيَّسة، قد تكون نجحت أو أخفقت في هذا التوجه المعقد إلا أن مقياس النجاح والحكم عليه يحتاج لدراسة متخصصة في سياق منفصل.


الأسطورة السادسة : أن الحصار المفروض على الشعب الفلسطيني يستهدف إسقاط حماس ..
التغير الجذري في الموقف الأمريكي تجاه السلطة الوطنية بدأ مباشرة بعد فشل كامب ديفيد وتحميل عرفات شخصيا مسؤولية فشل المفاوضات، والحصار السياسي فُرض على الشعب الفلسطيني وعلى السلطة الوطنية منذ أن اندلعت الانتفاضة وقد زادت حدة هذا الحصار وضاقت حلقاته أكثر إبان الإجتياح الإسرائيلي الواسع لكافة مدن الضفة في العام 2002، وهو الإجتياح الذي استهدف التدمير الفعلي لكافة مؤسسات ومقرات السلطة وإرغام قيادتها على الإستسلام .. والحصار المالي بدأ عندما تراجعت معظم الدول العربية عن تنفيذ التزاماتها المالية تجاه السلطة الفلسطينية منذ الانقلاب الأمريكي على السلطة مع إعتلاء بوش الصغير سدة البيت الأبيض، وقد جمدت إسرائيل أموال الضرائب الفلسطينية مدة عشرين شهرا متواصلة أيام المرحوم عرفات، ولم تفرج عنها إلا بعد تولي فياض وزارة المالية، هذه المقدمة لتذكير من يعتقدون أن الحصار بدأ فقط بعد استلام حماس السلطة، والحقيقة أن الحصار السياسي قد تمثل في العزلة السياسية التي فرضها المجتمع الدولي بزعامة أمريكا على حكومة حماس ومقاطعة وزرائها، وهذا الأمر أفاد حماس كثيرا من ناحية التأييد والتعاطف الشعبي داخل فلسطين وخارجها، وطالما أنه لا توجد نافذة سياسية مفتوحة ولا يوجد تفكير جدي لدى أمريكا وإسرائيل بفتح أفق سياسي أو البدء بمفاوضات من أي نوع فإن هذه العزلة لن تضر حكومة حماس كما تخيل البعض إذ أنه ليست ثمة ما تفعله سياسيا سوى الحديث عن الممانعة والصمود.
أما الحصار المالي والذي تمثل بشكل رئيسي بحجز أموال الضرائب الفلسطينية التي تشكل نسبة هامة من مصادر دخل الحكومة، فقد مارسته إسرائيل من قبل كما أسلفنا، في حين أن الدعم الأوروبي لم ينقطع بل زاد ما يقرب الضعف عن الدعم الذي قدم لحكومة قريع من قبل حسب ما صرح سولانا بنفسه، كما أن حماس استطاعت أن تدخل أموالا طائلة قدرت بمئات الملايين من الدولارات منها ما هو بشكل شرعي ومكشوف للجميع ومنها ما تم عن طريق التهريب، وقد مثلت الأموال التي دخلت سواء التي سجلت في وثائق خزينة المالية أم التي بقيت طي الكتمان أكثر بكثير من الأموال التي دخلت خزينة سلام فياض في المرحلة السابقة، وقد تبين أن حماس كانت تصرف هذه الأموال للإنفاق على سباق التسلح وتجهيز القوة التنفيذية التي تكلف يوميا أكثر من مائة وخمسون ألف دولار، وعلى نفقات الحركة نفسها وأعضائها وأنصارها.
موظفي السلطة المدنيين والعسكريين الذين يزيد عددهم عن مائة وستون ألف موظف ومعظمهم من أنصار فتح لم يتلقوا رواتبهم بشكل منتظم طوال سنة ونصف، هم الذين تضرّروا فعلاً من الحصار وهم الذين دفعوا الثمن من معاناتهم وجوعهم وصبرهم، في حين أن أعضاء القوة التنفيذية كانوا يتلقون رواتبهم بشكل منتظم فضلا عن المكافئات والتشجيعات المالية والعينية والتجهيز العالي بكل ما يلزم.
الحصار السياسي على حكومة حماس كان الهدف منه إبتزاز الحركة ودفعها لتقديم تنازلات، وهذا أمر بديهي في عالم السياسة الذي يحكمه منطق القوة وموازين القوى والمصالح .. وطالما أن حماس مدركة أنه لن تحصل على ثمن مناسب لهذا التنازل فلن تقدم عليه وستطالب الشعب بالصبر والتحمل وأكل الزعتر، وهكذا ستبقى الأمور على ما هي عليه: أمريكا غارقة في وحل العراق، وإسرائيل غير جاهزة لأي حل ومن مصلحتها كسب الوقت وتجميد كل شيء والتذرع بغياب الشريك لبناء وقائع سياسية على أرض الواقع، وحماس التي تعد العدة للإنقلاب وبناء قوتها العسكرية تريد أن تظهر كضحية مؤامرات خارجية وداخلية لا تكف عن محاولات الإطاحة بها، وفي المحصلة فإن الشعب وحده من يكتوي بسياط هذا الحصار الظالم، وهو المتضرر الحقيقي من هذا الجمود وهذا الإنهيار .
الأسطورة السابعة: إن ما جرى من أحداث دموية في غزة كانت إقتتالاً داخليا بين الأخوة ..
الإقتتال الداخلي يعني أن طرفي القتال يشتركان بنفس الدرجة بالتخطيط والتنفيذ وتحمل النتائج، فهل هذا ينطبق على الصراع الدائر بين فتح وحماس ؟؟
الواقع أن فتح ومنذ انطلاقتها وهي تؤمن بالتعددية والمشاركة لأنها حركة تؤمن بالحرية ولا تحجب رأياً مهما كان، وتعمل بالهواء المفتوح لا توجد لديها أدبيات خاصة سرية ولا خطاب مزدوج، لأنها حركة إنسانية تحررية تؤمن بالإنسان ولا يوجد في قاموسها قتل الإنسان المخالف ولا مصطلحات التخوين والتكفير، وقد حمت ديموقراطية غابة البنادق وأرست دعائم الشراكة ضمن إطار منظمة التحرير دون هيمنة إلا بالقدر الذي يمنحها إياه حجمها الفعلي على الأرض مقارنة مع بقية الفصائل، وهنا قد يقول البعض أن فتح سعت إلى خلق الإنشقاقات داخل الفصائل الأخرى لإضعافها، ولكن الحقيقة أنها حمت التعددية وأتاحت لكل الأزهار أن تتفتح في بستان الثورة، لأن فتح ذات الفكر الليبرالي المنفتح لا يوجد لديها أي منطق عصبوي ضيق ولا يوجد لديها مبدأ الطاعة العمياء وليس في سجلها التاريخي أية محاولات لشطب خصومها السياسيين، ولم تلطخ أيديها بالدم الفلسطيني، ولم يكن قتالها في البداوي وطرابلس عام 1983 إلا دفاعا عن القرار المستقل ومنع سرقة منظمة التحرير وبيعها لسوريا.
وبعد استلامها السلطة لم تسعى لإقصاء خصمها القوي حماس رغم الضغوطات الدولية عليها من أجل ذلك، بل وفرت لها أجواء من الحرية لم تنلها أي حركة إسلامية أخرى في كل العالم، وخلال إثنا عشر عاما من الحكم لم تعرف الساحة الفلسطينية الإغتيالات السياسية ولم يلحْ بالأفق شبح حربٍ أهلية، إلا بعد أن بدأت حماس تستشعر بقوتها وتهدد وتتوعد بالويل والثبور وعظائم الأمور كل من يحاول النيل منها أو تعطيل برنامجها.
والمتابع لمسيرة حماس قبل إنطلاقتها وبعدها يدرك أنها كانت تسعى دوما لضرب الحركة الوطنية وتشويه صورتها والتشويش عليها، في الثمانينات كانت تستعمل السلاسل والهراوات وبشكل خاص في الجامعات، اليوم استبدلتها بالرشاشات وقذائف الياسين !!
واليوم بعد أن سقط القناع وبانت النوايا التي ظلت مخفية لأمد طويل، إذا ما قمنا بقراءة متمعنة لتسلسل الأحداث بأثر رجعي وعلى ضوء ما حصل سنكتشف بما لا يدع مجالا للشك أن مخططات حماس للإستيلاء على السلطة وبعد أن ظلت حلما يراودها بانت ملامح تنفيذها والإعداد لها منذ وقت مبكر جدا، فبمجرد أن أعلن الرئيس محمود عباس نيته بتأجيل الإنتخابات حتى خرج علينا القيادي البارز محمود الزهار بتهديداته وتصريحاته النارية متوعدا السلطة بأن ما يفعلونه هو اللعب بالنار وخطر ونحن نحذر ... ثم توالت التصريحات والتهديدات " وصفة لحرب الأهلية، قراءة ما بين السطور، فقدنا الثقة بالرئاسة، نفذ صبرنا ... إلخ
وكانت حماس في كل مرة تفتعل الأحداث وتصعد من وتيرة حملتها ضد السلطة وأجهزتها، وقد بدى ذلك جليّاً بعد الإنسحاب الإسرائيلي من غزة صيف العام 2005، وكانت تهدف للظفر بغنيمة غزة دون أن تضطر للتعامل مع الحكومة الإسرائيلية أو التنسيق معها، فرفعت شعار "الأرض لمن يحررها" مع أدعاء أنها هي من يمثل المقاومة وبالتالي فهي الأحق بالحكم، وفي سبيل ذلك دأبت على إضعاف السلطة وفتح إلى الدرجة التي لا تستطيعان فيها تعطيل برامجها ومخططاتها وفرضت سلطة موازية، وبهذا يظهر أن ما أقدمت عليه حماس طوال جولات " الإقتتال الداخلي " لا يندرج في إطار ردود الأفعال على إجراءات السلطة، بل هو تخطيط واعي ودقيق لما تريده حماس .
وقد بدأت حماس باستهداف الأمن الوقائي ( حملة إعلامية شرسة ترافقها حملة إغتيالات وقصف للمقرات ) ثم شنت حملة مشابهة ضد المخابرات ثم أمن الرئاسة وقوات أل 17 واختتمتها باستهداف الأمن الوطني ومقرات الرئاسة والمنتدى.
ويتضح أن جولات الصراع الدموي بين فتح وحماس بدأت صغيرة ثم تدحرجت ككرة الثلج، إلا أن قادة كبار ومخططين محنكين كانوا يعملون على دحرجتها بالشكل الذي يوصلهم لما يسعون إليه، وقد نجحوا في ذلك دون ريب، وما ساعدهم لتحقيق هذا النجاح ووفر لهم الغطاءً الأخلاقي والتبريرات المختلفة هو مصطلح " الإقتتال الداخلي " ، حيث تحت هذا المسمى تضيع الحقيقة وتختلط الأوراق ويبيت الناس في حيرة من أمرهم، وحيث يندس القتلة والخارجين عن القانون والساعين للثأر وموقدي الفتنة وأمراء الحرب وتجار السلاح، وحيث يتساوى القاتل مع القتيل والجلاد مع الضحية، وحيث يفقد الشعب بوصلته ويفقد ثقته بقيادته ويهتز إيمانه بكل شيء .. إذ أن الصورة تُظهر طرفي الصراع على خطأ وبنفس الدرجة، وأن من يسعى ويخطط لتدمير المشروع الوطني وهدم كل المنجزات يتساوى مع من يدافع عنها، وأن من يُقتل لمجرد أنه عنصر في جهاز أمني يتساوى مع قاتل تشرب كل مفاهيم التكفير والتخوين، وأن من يُقتل وهو في سيارته أو داخل بيته أو في مكان عمله يتساوى مع من خطط ونفذ وقتل بدم بارد، لقد كان مصطلح الإقتتال الداخلي تجنيا على الحقيقة وإعتداءً على دم الشهداء، وقد إستسهل ترديده المحللين السياسيين وأنصاف المثقفين، لأنه يريحهم من عناء التفكير ويظهرهم محايدين أبرياء وينجيهم من بطش الرافضين لأي نقد، ما حصل لم يكن أبداً إقتتالا داخليا بل كان قتلاً متعمدا ومخططا جرى تنفيذه على مهل، وإعتداءٌ من طرف على آخر، وإذا ما عرفنا أن عدد ضحايا هذا " الإقتتال " قد جاوز الألف وأن الأغلبية الساحقة منهم من منتسبي الأجهزة الأمنية وأبناء فتح سنعرف من كان المعتدي ومن كان الضحية، وإنه قبل الإقتتال وفي ذروته برزت فتاوى التكفير وعبارات " وأقتلوهم حيث ثقفتموهم " وجولة الحق على الباطل، وسأدخل بك الجنة ...
الأسطورة الثامنة : أن ما جرى ليس انقلابا بل هو خطوة إضطرارية إستباقية ...
زعمت قيادة حماس بأن ما جرى في غزة لم يكن مخططا له، وأنه لم يكن في حساباتها الإستيلاء على غزة، وأنهالم تسعى للإنقلاب على الشرعية ... غير أن الأمور خرجت عن السيطرة ولم يعد أمامها خيار إلا الحسم العسكري، وفي هذا الطرح التبسيطي الساذج محاولات للتبرير وتبرئة الحركة من تبعات هذا الإنقلاب وإلقاء اللوم على الآخرين كما جرت العادة.
وما يفند هذا الزعم التبريري الهابط هو تصريحات قادة حماس أنفسهم بعد الإنقلاب بأن ما جرى كان خطوة اضطرارية أو إستباقية، والخطوة بالضرورة تعني التخطيط المسبق ثم التنفيذ، أما الإضطرار فيعني إفلات الأمر من اليد وهو يتناقض مع التخطيط المسبق، وهذا القول يعني أن القيادة الحمساوية فقدت زمام المبادرة ولم تعد لديها القدرة على صناعة الحدث أو حتى التحكم به وأن القيادة الفعلية هي بيد القيادة الميدانية ( التنفيذية والقسام ) وما المكتب السياسي لحماس وحكومة هنية وبقية الأطر القيادية إلا صورة ووهم وإطار تابع للعسكر مهمتهم تنحصر فقط في تبرير ما يحدث والإقرار به والتعامل مع نتائجه حتى لو تفاجئوا به !!! وعلى ضوء معرفتنا بأن حماس لديها تماسك تنظيمي حديدي وإلتزام يقوم على الطاعة العمياء، فإننا نجزم بأن الإنقلاب كان قرارا سياسيا تم أخذه على أعلى المستويات القيادية ( المكتب السياسي ومجلس الشورى ) وقد جرى الإعداد له منذ زمن طويل، وهذا ما يؤكده تحليل ما قاله خالد مشعل في مؤتمره الصحافي بعيد الإنقلاب، وتؤكده أيضا مجريات الأحداث والسياقات التي مرت بها ونتائجها قبل وبعد الإنقلاب، بما لا يدع مجالا للشك أن الخطوة لم تكن إضطرارية بالمطلق بل كانت عن سبق الإصرار والترصد.
تدرك حماس قبل غيرها أن أي تغيير جذري في قواعد اللعبة في المنطقة وتحديدا في قطاع غزة يعني أنه سيؤثر بشكل مباشر على صميم أمن إسرائيل، وأن خطوة ضخمة كهذه تحتاج لضمان نجاحها أن لا تتدخل إسرائيل وتقلب موازين القوى، كما تحتاج لدعم قوى إقليمية تمكنّها من أسباب القوة أولاً ثم من فرض نتائج الحسم على دول الجوار، وهذان الأمران لا يتمان في يوم وليلة بل يحتاجان شهورا طويلة من الإعداد والتنسيق والتخطيط، وتحتاج لحملة إعلامية مدروسة تستغرق زمنا طويلا.
الحملة الإعلامية بدأت قبل أن تستلم حماس الحكم، والقوة العسكرية ( كتائب القسام ) جرى تعزيزها بالقوة التنفيذية، وجولات المفاوضات والإجتماعات السرية والعلنية مع إيران وسوريا لم تنقطع، كذلك المفاوضات مع إسرائيل عبر قطر، عمليات تهريب الأسلحة وتصنيع القذائف لم تتوقف وكذلك حفر الأنفاق وإعداد الخطط العسكرية التفصيلية، وكذلك فتاوى التكفير والتخوين، كل هذا وغيره جرى الإعداد له تحت جنح الظلام وما كان ينقص فقط هو تحديد لحظة الصفر.
قد لا تكون قيادة حماس قد أخذت بالحسبان كل ما يمكن أن ينجم عن هذه الخطوة من آثار تدميرية على الوطن والقضية، أو أنها لم تدرس كافة التداعيات المحتملة على المستوى الوطني والإقليمي والدولي، ولكنها من المؤكد قد أخذت بالحسبان مصالحها الحزبية ووضعتها في المقام الأول، وإذا كان في ذهنها تصورات معينة لمعالجة الآثار الجانبية الناجمة عن الإنقلاب أو حلول معينة للخروج من الأزمة، فمن المرجح أنها ستكون شبيهة بالتصورات السطحية الطفولية التي اقترحتها إبان فوزها في الانتخابات وخاصة بشأن الملف الإقتصادي، ثم اكتشفت هي وكل من صدّقها أنها لم تكن أكثر من أحلام طوباوية، وهذا يؤكد على وجود سمات التفكير الطفولي لدى القيادة الحمساوية، وهو التفكير الذي يعوزه المنطق ويتوهم أصحابه أن تحقيق النتائج يحتاج فقط للرغبة والإرادة، وأن لهذه الإرادة سلطان مطلق كفيل بتذليل أية صعوبات، ويعتقد أيضاً أصحاب هذا النمط من التفكير أن تعقيدات الساحة الدولية هي طوع بنانهم، ولكنهم سرعان ما يُصدمون بهذه التعقيدات ويكتشفون أن الأمور ليست بهذه البساطة، فيبدأون بإلقاء اللوم على الظروف وتحميل الآخرين مسؤولية فشلهم ويحقدون على المجتمع بكل مكوناته لأنه خذلهم وتآمر عليهم !! هذا ما حصل مع حكومة حماس طوال أكثر من عام وهو ما سيحصل معها في غزة بعد أن تواجه أسئلة مصيرية حول كيفية تدبير أمور الناس .
الأسطورة التاسعة: أن المستهدف من الإجتياح الحمساوي هو تيار عميل داخل فتح مع بعض قادة الأجهزة الأمنية ..
تقول قيادة حماس أن لديها معلومات عن إنقلاب ضدها يدبره تيار داخل فتح لدية سطوة ونفوذ على بعض الأجهزة الأمنية، وتقول في موقع آخر أن قادة الأجهزة الأمنية فاسدون ويتآمرون على المقاومة، وتقول أيضا أن الجنرال الأمريكي دايتون يجهز لإنقلاب على حماس بالتعاون مع عصابات دحلان، وتقول أيضا أن تيارا داخل فتح يعمل على إفشال تجربة حماس وإسقاط الحكومة ... ولو افترضنا أن هذه الإدعاءات صحيحة فهل هذا يبرر الإنقلاب ؟ وهل يجوز حرق البيت لنتدفأ بناره سويعات !! وهل إنحدرت أخلاق العمل السياسي لتصبح مقولة لنتغدى على فتح قبل أن يتعشوا بنا هي القاعدة الأخلاقية الجديدة !! وهل يكون علاج الصداع قطع الرأس ؟ ومن الذي أعطى الحق لمشايخ حماس وقادتها بتكفير الآخرين وتجريمهم دون محكمة ؟
صحيح أن بعض قادة الأجهزة الأمنية قد عاثوا في الأرض فسادا، وأنها أجهزة لم تبنى على أسس مهنية راقية، وأنها ارتكبت الكثير من الأخطاء والتجاوزات، وإنها بحاجة ماسة للإصلاح، وأنها تتحمل جزء من المسؤولية عن الفلتان الأمني وعن الفوضى، وصحيح أيضا أن بعض القيادات داخل فتح تسعى لإسقاط حكومة حماس عبر وسائل عديدة، ولكن هذا كله لا يبرر الإنقلاب ولا يبرر الجرائم الدموية التي رافقته، ولا يبرر اللجوء لخيار القوة وبهذا الشكل الفاجر لحسم الأمر.
تستطيع حماس لو أرادت تقديم الوثائق والأدلة على هذا الإنقلاب المزعوم إلى المجلس التشريعي والحكومة والرئاسة والرأي العام والدول التي كانت ترعى الحوار تمهيدا لاتخاذ الخطوات اللازمة، وليس اللجوء إلى حرب دعائية تحريضية مستخدمة أسلوب الشتائم والتخوين وإطلاق الشعارات الرنانة، وتستطيع حماس لو أرادت اللجوء للنائب العام وتوجيه أصابع الاتهام مباشرة للأشخاص الذين تشتبه بتورطهم بأية مخططات تآمرية، ولكنها آثرت أسلوب الحسم العسكري لأنه يتناسب مع مخططاتها السياسية .
ولو كان إدعاء حماس صحيحا فهذا لا يعني أن كل فتح مشتركة بهذا المخطط ولا يعني أن الرئاسة وبقية السلطة موافقة عليه، إذ لو كان الأمر كذلك لما تم لحماس هذا الإنتصار السريع والسهل على الأجهزة الأمنية، ولو كانت قيادة الأجهزة لديها مخططات من هذا القبيل لجرت معارك طاحنة واستبسلت في الدفاع عنها، خاصة وأن عدد أفراد هذه الأجهزة يزيد عن ثلاثين ألف مسلح نظامي كانوا على رأس عملهم، وقد تبين أن هؤلاء الجنود لم يكن لديهم أية تعليمات بإطلاق النار أو بالرد على الهجمات أو المبادرة بالهجوم على مواقع حماس العسكرية.
أما تبرير حماس بأن قيادة الأجهزة الأمنية كانت هي العائق أمام تنفيذ الخطة الأمنية، وبالتالي على الحكومة المبادرة بشن حرب إستباقية لبسط نفوذها على القطاع والتخلص من مراكز القوى المعيقة المتآمرة المرتبطة بالخارج ... فهو تبرير لا يقنع ألا من له مواقف مسبقة منحازة لحماس، لأن الحكومة التي كانت قائمة عشية الإنقلاب هي حكومة وحدة وطنية، وبالتالي إذا استشعرت هذه الحكومة أي خطر فعليها أن تعلن عن ذلك داخل الحكومة نفسها وأن يتم إتخاذ الخطوات اللازمة بموافقة الحكومة وأن يعلن ذلك أمام الملأ، ولكن حماس مرة ثانية دبرت أمرها في الظلام من وراء ظهر الحكومة وبإجراءات أحادية الجانب.
لقد سعت حماس للسيطرة على الوزارات من خلال توظيف ما يزيد عن أحد عشر ألف موظف في غضون سنة، جلهم حمساويون وبمواقع إدارية متقدمة، ثم سعت لأخذ حصتها من المحافظين والسفراء عبر ما أسمتها لجنة الشراكة، ثم سعت لبسط سيطرتها على الأجهزة الأمنية من خلال فرض تفريغات أعضاء القوة التنفيذية وبرتب عالية بحيث تتمكن من الإمساك بها في اللحظة المناسبة، وهذا كله مقدمة للإمساك بالسلطة الوطنية كخطوة ضرورية للظفر بالغنيمة الكبرى: منظمة التحرير الفلسطينية، الذي يعني السيطرة على القرار الوطني الفلسطيني والإمساك بواحدة من أهم أوراق اللعب في معادلة الشرق الأوسط، وبالطبع تقديمها لمن شجعها على هذا الإنقلاب، لأن من يمسك بالورقة الفلسطينية يستطيع تحسين شروط تفاوضه لأنه سيمتلك أوراق ضغط بالغة الأهمية، نظرا للخصوصية الدولية للقضية الفلسطينية التي عندها تتشابك كل الخيوط العالمية وتتقاطع مصالح الدول الكبرى.
لقد سعت حماس للسيطرة على غزة محملةً بشعارات أيديولوجية ومدفوعة برغبة جامحة في السيطرة على المجتمع وفرض رؤيتها وفلسفتها عليه، ومدعومة بتحالفات إقليمية بحيث تجعل منها كيانا مواليا مزروعا في واحدة من أهم مناطق العالم الحيوية، وهي بذلك تزاوج بصورة معقدة بين مكونات شديدة الخصوصية تضفي الملامح الغزية المحلية على خطابها، وبين مكونات أممية تتجاوز الحدود والقارات بحيث يجعلها تجربة للإسلام السياسي وأمتداد للنفوذ الأخواني القادم من مصر والأردن ودول الخليج، وتزاوج بصورة متعثرة بين الخطاب الأصولي المتشدد والشعارات الكبيرة التي صارت عبئا عليها، وبين مقتضيات دخول الحلبة الدولية وما سيفرضه عليها الكبار من التزامات سياسية وتغييرات جوهرية على خطابها.
وفي هذا السياق لم تكن حكومة الوحدة الوطنية من وجهة نظر حماس إلا استراحة محارب ولم تشذ عن أسلوب تكتيكات حماس التي حاولت من خلالها تحقيق نتائج هذا الإنقلاب بطرق سلمية عبر حوار يتخلله جولات من الصراع الدموي ضد فتح، ولكن بعد إدراكها استحالة ذلك لجأت لخيار الحسم بالقوة.
السياقات التي تم فيها الإنقلاب ونتائجه لم تكشف فقط عن تخطيط مسبق وعن أمر دُبر بليل، بل كشفت أيضا عن الهدف الأساسي من وراء هذه الخطوة: أي حركة فتح بكل ما تعنيه من ثقل جماهيري وسياسي وتاريخي وعسكري، وكل مبررات حماس هوت أمام الحقيقة التي شاهدها العالم عبر شاشات التلفزيون، ولم يكن استهداف التيار الإنقلابي وعصابات الدحلان وقادة الأجهزة الفاسدين إلا شعارا ديماغوجيا للتستر على الهدف الحقيقي المتمثل بالمشروع الوطني الفلسطيني الذي تشكل فتح عموده الفقري ومنظمة التحرير بكل فصائلها التي تقودها فتح.
فاستهداف المقرات الأمنية يعني استهداف فتح، واستهداف الرموز الوطنية وإهانتها يعني استهداف المشروع الوطني، وما يدل على ذلك اقتحام ونهب منزل الرئيس الراحل ياسر عرفات ومنزل أبو جهاد وأبو مازن والمنتدى وإنزال العلم الفلسطيني واستبداله براية حماس وتحطيم الجندي المجهول وتدمير مبنى التلفزيون والإذاعات المحلية واقتحام بيوت المناضلين والطلب منهم تسليم أسلحتهم والحديث عن التحرير الثاني والنصر المؤزر وتحرير غزة من العلمانية والزندقة، كل هذا يفند مبرراتهم الواهية ويقودنا لنتيجة مفادها أن مشاركة حماس في الإنتخابات لم تعكس إيمانها بالديموقراطية ولا إيمانها بالحوار والإحتكام للشعب وسيادة القانون وإنما إيمانها بأن الإنتخابات سلم للوصول ينبغي حرقه بعد ذلك حتى لا يصعد آخرون للحكم من بعدهم، ويكشف عن مدى التناقض بين هوية حماس الأيديولوجية مع شروط الوطنية الفلسطينية، ومن الجدير بالذكر أن حماس لم تعترف بصورة جلية بمنظمة التحرير ولم يتضمن ميثاقها ضرورة إبراز الهوية الوطنية الفلسطينية وقد خلى خطابها تقريبا من الحديث عن الحقوق السياسية.. ليس لأن برنامجها لا ينسجم مع هذه التوجهات السياسية وحسب، بل لأنها كانت ترى فيها خصما يتوجب القضاء عليه، وكان هذا التناقض على مستويين: ما تراه حماس من تناقض بين العلمانية والقومية مع فهمها الخاص للإسلام السياسي والمستوى الثاني ما تراه من رموز للدولة الوطنية وللكيانية السياسية بالمعنى الذي يتنافى مع منطلقاتها الفكرية وامتدادتها الإقليمية، وهنا نفهم أسباب محاربة حماس لأية تسوية سياسية تقوم على الشرعية الدولية، حيث أن نجاح مشروع من هذا النوع سيحمل في طياته تقويض أسس الخطاب الإعلامي الحمساوي ونسف أسس الأيديولوجية التي يقوم عليها برنامج حماس.
الأسطورة العاشرة: أن الدم الفلسطيني خط أحمر ..
تتحمل كل من فتح وحماس مسؤولياتهما عما حدث في غزة، ولكن بدرجات متفاوتة، سيكون القول الفصل في هذا الشأن من حق الشعب وسيبقى الحكم في النهاية للتاريخ ولو بعد حين، ولكن تورط البعض من فتح في هذه المقتلة سواء كانوا أفرادا أم قيادات لها وزنها، يبقى تورطا مدانا ومرفوضا على كافة المستويات القيادية والقاعدية في الحركة، وهو لا يعدو عن كونه ردة فعل وإنجرار نحو المربع الذي استدرجتهم إليه حماس، ولكن العنف الذي مارسته حماس كان مخططا له وقد تم تدعيمه بفتاوى دينية تبيح القتل وبتبرير بل وبتشجيع من قبل القيادة السياسية.
ولم يكن الحديث عن الوحدة الوطنية إلا إبتزاز عاطفي، والحديث عن الحوار إلا كسبا للوقت، والحديث عن الشراكة السياسية إلا تمهيدا لطعنة نجلاء في الظهر، أما الحديث عن حرمة الدم الفلسطيني وأنه خط أحمر ... فهو الوهم الأكبر الذي سرعان ما تبدد وسقط وبانت الحقيقة بكل بشاعتها، حينما تم تبرير قتل ما يزيد عن الألف فلسطيني في زحمة الصراع وبحجة التطهير والقضاء على الفساد .. وحينما صلى الفاتحون بجانب الجثث ورفعوا أعلامهم الفصائلية على أشلاء الضحايا.
هل كانت الأجهزة الأمنية بقضها وقضيضها تساوي قطرة دم فلسطينية، وهي التي تُلغى كافة صلاحياتها بمجرد ظهور دبابة الاحتلال !! وهل كان اتفاق مكة وهم ؟ وقسم اليمين أمام الكعبة كذبة ؟ وهل كانت تعهدات السيد اسماعيل هنية بأن حماس لن تحمل السلاح في وجه الفلسطيني مجرد خداع ؟؟ هل أصبح حياة الفلسطيني رخيصة لهذا الحد ؟ ومقتل العشرات من الشبان تقابله بعض النسوة بالأهازيج والتصفيق !!
ما تبين لنا في وقت متأخر أن الدم الفلسطيني لم يكن خطا أحمر ، والشيء الوحيد الأحمر هو لونه الذي سال وصبغ أرصفة الشوارع وغطى جدران البيوت الكئيبة !!!
هل هذه هي نهاية القاع ؟ أم أن مقبل الأيام ستحمل في طياتها مفاجئات ما ،، نبتهل إلى الله سبحانه بأن تكون سعيدة ........


تموز – 2007

1 التعليقات:

غير معرف يقول...

كم يؤسفني ان انتقد بشدة هذا الكلآم والله انه كلآم ساذج وبعيد عن اي حقيقة والحقيقة واضحة وضوح الشمس ان بعض المنتميين الى فتح في قطاع غزة والضفة الغربيةوالسلطة الفلسطينية وهم المستفيدين ماديا من الوضع على حساب ابناء الشعب الفلسطيني ولآ يهمهم ان يقتل الشعب الفلسطيني كاملآ من اجل مصالحهم وهم ليسو مستفيدين فقط بل ينفذون مخططا اسرائيليا امريكيا للقضاء على القضية الفلسطينية وهم من قتل ابو عمار من اجل هذا الغرض واللذي لآ يرى هذه الحقيقة فهو ليس باعمى سياسيا بل هو اعمى القلب ففال اللهخ تعالى "انها لآ تعمى الآبصار بل تعمى القلوب اللتي في الصدور"

إرسال تعليق

الكاتب

م. عبد الغني سلامه

فلسطين

أحدث الادراجات

كاريكاتير اليوم

احصاءات العالم

احصاءات العالم

عدد الزوار