أهلا بكم

على هذه الصفحة نثير التساؤلات ،، ونفكر ،، ولا نعرف حدوداً للتوقف

آخر الأخبار

أغسطس 19، 2026

خطاب الأوهام، وخطاب التشفي

 

قبل أيام اعتقل الجيش الإسرائيلي أفرادا من الشرطة الفلسطينية في بيت لحم أثناء قيامهم بإحدى المهات الأمنية.. على الفور امتلأت الصفحات الصفراء والمنصات المشبوهة بالتعليقات الشامتة والساخرة، وتساءل آخرون بسذاجة: إذا كانت الشرطة غير قادرة على حماية نفسها، فما الجدوى منها؟ إذا السلطة غير قادرة على حماية شعبها عليها الرحيل..

قبل التعليق على الموضوع، لننتقل مباشرة إلى خبر آخر حدث في الأسبوع نفسه.. جيش الاحتلال يعتقل عقيدا من الشرطة التابعة لحماس من داخل منزله في غزة.. قابل الخبر صمتٌ مطبق من تلك الصفحات المشبوهة.. وشماتة رخيصة من بعض الجهات المعادية لحماس..

اقتحام قوة إسرائيلية لأي منطقة في فلسطين أمر لا يدعو إلى الشماتة، وقيامها باعتقال أي فلسطيني (عسكري أو مدني) ليس موضوع مزايدة.. وليست علامة على حالة ضعف الفلسطيني، فالاحتلال يمثل قوة غاشمة جبارة مقتدرة.. وكل فلسطين خاضهة له.. هذه المعلومة البديهية تغيب عن تفكير البعض أو يتجاهلها عمداً حين يريد النيل من خصومه السياسيين.. وهذا أقل ما يُقال عنه: وضاعة وخسة.

في الحروب بين الدول المستقلة والتي لديها جيوش يقع في أسر العدو جنودا وضباطا، وهم بزيهم العسكري وبأسلحتهم.. هذا يحدث منذ أن عرفت البشرية الصراعات والحروب، ولا أحد يقول عمن وقع في الأسر جباناً، ولا يطالب الدولة بالرحيل لأن جنودا لها وقعوا أسرى..

لكن هنا في فلسطين، كل شيء مختلف! مع أن الفلسطينيين شعب أعزل، وليس لديه جيش..

كل من يُعتقل أو يستشهد هو فلسطيني أولاً، بغض النظر عن الفصيل الذي ينتمي إليه، وكل قطرة دم تُسال، وكل ساعة تُهدر في المعتقل، وكل بيت يُهدم، وكل مؤسسة تنهار هي خسارة فلسطينية.. ومكسب للعدو.. والشماتة هنا ما هي إلا نذالة وطريقة تفكير بدائية..

أفراد الأجهزة الأمنية هم أبناؤنا وإخوتنا.. والأجهزة الأمنية لها دور وظيفي محدد: حماية السلم الأهلي، وإنفاذ القانون، وتنظيم شؤون المجتمع، وحمايته من العابثين.. وهذا دور مهم وحيوي وخطير وحاسم في حياة الشعوب، ليس هنا في فلسطين وحسب، بل في كل دول العالم.. أما حماية الشعب من العدو الخارجي ومن التهديدات الأمنية الآتية من قبل طرف خارجي فهي مهمة الجيوش، لا الأجهزة الأمنية.. ونحن ببساطة ليس لدينا جيش، ولم يزعم أحد بامتلاكه.. السلطة كما هو حال الشعب تحت الاحتلال، ولم يقل أحد في يوم ما أننا تحررنا وطردنا المحتل..  

السلطة مسؤولة عن الشعب، إذا عجزت عن حمايته بالقوة العسكرية، فعليها حمايته بتجنب تعرضه للخطر، أي بالسياسية والدبلوماسية والإعلام، ومواصلة النضال والمقاومة الشعبية بالوسائل والأدوات التي لا تعرضه لخطر الفناء والإبادة والتهجير.. إذا قصرت في هذا المجال علينا مساءلتها ومحاسبتها.. أما دعوات المواجهة العسكرية وفتح حرب مع إسرائيل، فهي دعوات إن لم تكن مشبوهة، فهي ساذجة وعاطفية، ولن تجلب لنا سوى الخراب والمزيد من الهزائم.. وآن لنا أن نستفيق من سكرة الشعارات والخطاب الشعبوي غير المسؤول..  

اجتياحات الجيش، وعربدة المستوطنين، والاغتيالات والاعتقالات.. أمر مؤلم ومربك، ويضعنا جميعا في دائرة الخطر المباشر.. وهذا يتطلب منا التصدي والمواجهة.. لكن مع أهمية هذا الموضوع، إلا أن المقال يناقش أمرا آخر.. هو الخطاب والعقلية التي أوصلتنا إلى هذه الحالة.

خطاب فتح (والسلطة)، وطريقة تفكيرها، يفتقر للمنهجية، ويغيب عنه التخطيط الإستراتيجي، دون مراجعات ونقد ذاتي.. كل شيء عندها ارتجالي.. وهذا الموضوع ناقشناه مطولا.. سأتحدث بتخصيص أكثر عن طريقة التفكير في الخطاب التنظيري المنفصل عن الواقع.. خطاب بيع الأوهام.

الخطاب الذي قامت عليه حماس يرتكز على الأيديولوجيا.. وهي منظومة مغلقة لا تسمح بالمراجعة والنقد. حيث جميع المدخلات تؤدي إلى المخرجات ذاتها، المعدة مسبقا. وهذه ليست ممارسة سياسية، بل عقيدة لا تعترف بإمكانية الخطأ.

السياسة تقوم على التصورات الواقعية، وتأخذ بالاعتبار موازين القوى، ومعطيات اللحظة التاريخية والآفاق الممكنة، وهذه جميعها عوامل متحركة ومتغيرة، وعندما يعتمد الحزب على الأيديولوجيا سيواجه المتغيرات بعقلية جامدة ماضوية، وحينها يصطدم بالواقع الجديد، ويفشل. ولتبرير فشله يحتاج إلى خصم آخر يعلق عليه أسباب فشله. وكلما سقط التبرير، يخترع تبريرا آخر وشماعة جديدة، أو يراهن على معطى آخر، المهم عنده إبقاء صورة أيديولوجيته وشعاراته كما هي، وتجنب أي مساءلة، والتهرب من تحمل أي مسؤولية. الكل مخطئ ومتخاذل ومتآمر.. أما شعاراته فهي صائبة دوما وأبداً!!

حماس ظلت تتصرف وتفكر بصفتها ميليشيا مسلحة، حتى عندما حكمت القطاع لم تتصرف بمنطق إدارة الدولة... الميليشيا تستطيع أن تغامر دون تفكير بالعواقب؛ فهي لا تدفع أثمان الانهيار والدمار، والهزيمة. تقامر بكل شي ما عدا خطابها وأيديولوجيتها وشعاراتها، لأنها تستطيع ترميم ما لحق بها من دمار بسهولة: تحميل المسؤولية لطرف آخر، والحديث عن الخذلان والمؤامرة والتنسيق الأمني..

وستجد من يساعدها في ترميم صورتها وإنكار هزيمتها: "المثقف المشتبك"، وهو بحسب الكاتبة هالة حسين: "المثقف الذي يتعامل مع السياسة كما لو كانت امتحانًا للأخلاق، لا إدارةً لموازين القوى. يقيس الدولة بمعيار المثالية المجردة، ويطالبها بأن تتصرف كما لو أنها ميليشيا، وليست مسؤولة عن شعبها، ولا عن استقراره، ولا عن مستقبله. ولهذا يصبح، من حيث يقصد أو لا يقصد، المثقف العضوي للميليشيا؛ لأنه يطالب الدولة بأن تتخلى عن منطق الدولة، وأن تتبنى منطق التنظيم العقائدي".

وتضيف: "الدولة تتصرف بمسؤولية وعقلانية وبخيارات قد لا تعجب الشعب، ليس لأنها أقل أخلاقًا، أو أقل وطنية من الميليشيا، بل لأنها أكثر مسؤولية، وتفكر في المستقبل. فالدول تُحاسَب على النتائج قبل النوايا، وعلى ما تحققه لشعوبها قبل ما ترفعه من شعارات. أما الميليشيا، فلا تحتاج إلى شيء من ذلك، يكفيها أن تحتكر اللغة الأخلاقية، وأن تحول كل فشل إلى تهمة موجهة لغيرها، وكل كارثة إلى دليل جديد على صحة خطابها. وفي هذه اللحظة، لا يعود الشعار أداةً لفهم الواقع، يصبح وسيلة للهروب منه. مشكلة الخطاب الشعبوي أنه يخلط بين ما يُقال للتعبئة والحشد، وبين ما يُطرح باعتباره برنامجًا سياسيًا قابلًا للتفاوض والتنفيذ".

مقولات عديدة طرحها الخطاب الشعبوي لتقريع السلطة وشيطنتها على مدى عقود، مثل: "غزة تحررت بالمقاومة والضفة مقيدة بأوسلو"، "غزة عصيّة على الاجتياح والضفة مستباحة"، "الجيش لن يجرؤ على الاجتياح البري"، "سيغرق في رمال غزة".. لم تكن أكثر من بيع للأوهام، لكنها ساهمت في إيصالنا إلى الهزيمة.

الخيارات الوطنية لا تُقاس بالشعارات، بل بما تتركه للشعب من أرضٍ وحياة وفرص وقدرة على الصمود.. والسؤال الأهم: كيف نصمد فوق أرضنا؟

أغسطس 15، 2026

استطلاعات رأي

 

كلما اطلعت على استطلاع رأي جديد في الساحة الفلسطينية ازددت قناعة بأنها استطلاعات غير دقيقة، ولا تعكس توجهات الشارع الحقيقية، ليس بسبب ما يُقال عن مراكز الأبحاث التي تصدرها؛ بأنها مراكز غير مهنية، وذات توجهات أيديولوجية، ولها أجندات، وبعضها مدفوعة الأجر، وتستطيع توجيه نتائج الاستطلاع بحسب ما تريد، من خلال عينات غير ممثلة، ومن خلال التلاعب بطريقة صياغة الأسئلة، وبعض الاستطلاعات كانت معدة بنتائجها مسبقا.. ربما كل ما ذكر صحيحا، وربما فيه بعض المبالغة وبعض التجني.. لكن السبب في عدم الثقة بنتائج الاستطلاعات هو الجمهور المستَطلَع نفسه..

في البلدان المتقدمة وذات التراث الديمقراطي تكون استطلاعات الرأي دقيقة بنسبة خطأ بحدود 5% وربما أكثر أو أقل قليلا، ذلك لأن تلك المجتمعات مستقرة سياسيا واقتصاديا وأمنيا، وفيها فرز طبقي وسياسي واضح، وفيها حرية تعبير، وتجربة ديمقراطية طويلة وممتدة، والناس معتادون على استطلاعات الرأي.. ومع ذلك فإن استطلاعات الرأي تعبر عن فترة محددة، وتتغير مؤشراتها من يوم إلى آخر.

 في فلسطين (وأغلب المجتعات العربية) الصورة مختلفة كليا، المجتمع غير مستقر، وغير آمن، وتحت الاحتلال، وتحت وطأة أزمة اقتصادية خانقة، مع انسداد الآفاق السياسية، وليس لدينا تراث ديمقراطي ثري وتجربة متراكمة، والجماهير غير معتادة على الممارسات الديمقراطية كالانتخابات، واستطلاعات الرأي، وغيرها،، الناس تحكمها توجهاتها العاطفية والمزاجية، وتؤثر فيها مجموعة كبيرة من العوامل الداخلية والخارجية الضاغطة، وهذه العوامل أغلبها متناقض ومتعارض فيما بينها؛ لذا من الطبيعي أن تكون إجابات المستطلعين لا تعبر حتى عن ذواتهم، لأن طريقة التفكير رغائبية وموجهة (سياسيا وأيديولوجيا)، ومتأثرة البروبوغاندا الإعلامية التي تضخ في رؤوسهم بقوة وكثافة.. حتى الطبقة المثقفة حين يتم استطلاع رأيها تفكر وتجيب تحت تأثير نفس العوامل، بل إنها تعطي نتائح مضللة وغير دقيقة أكثر من الطبقات الشعبية البسيطة وغير المثقفة!!  

استطلاعات الرأي جزء مهم من أي تجربة ديمقراطية، لكنها شأنها شأن الديمقراطية نفسها لا تنضج إلا بالممارسة ومراكمة التجربة والتقييم والاستفادة من الأخطاء..

هذا بشكل عام، وبالتأكيد هناك استثناءات.. لكن الاستطلاع الأخير مهزلة بكل المقاييس.. وأخطر ما فيه أنه أُريد منه التعبير عن الموقف الفلسطيني تجاه الانتخابات التشريعية المزمع عقدها في تشرين ثاني المقبل. المركز الذي نفذ الاستطلاع نشر بوست ملون يظهر خمس نتائج: 79% يرون السلطة عبء، 70% يطالبون عباس بالاستقالة، 40% لن يشاركوا في الانتخابات، 70% يرون أن الانتخابات لن تكون نزيهة، 44% يتوقعون تأجيل الانتخابات.

 المعارضون للسلطة وخصومها تداولوا البوست فرحين به، لأنه استهواهم وجاءت نتائجه داعمة لانتقاداتهم للسلطة.. وهذا حقهم دون تردد. وهنا لدي بعض الملاحظات:

معظم الاستطلاعات تستثني صوت الغزيين، إما عن قصد، أو بسبب صعوبة الأمر، وحتى لو أجريت في داخل القطاع، فإن النتائج لن تكون دقيقة ولا تعكس حقيقة الأوضاع، لأن الظروف المعيشية هناك غاية في الصعوبة، وكل شخص يعاني من أزمات نفسية وعاطفية وضغوطات من كل اتجاه، وفي حيرة من أمره، والمستقبل لديه غامض ومخيف، وفي ذهنه عشرات الأسئلة، وهذا سيؤثر على توجهاته، ومع ذلك يجب الاستماع لأصوات الغزيين وإتاحة الفرصة لهم للتعبير عن آرائهم.. والصعوبة الأهم في اختيار العينات المستطلعة من داخل القطاع، خاصة مع المخاطر الأمنية على جانبي الخط الأصفر.

الجهات التي تنفذ استطلاعات الرأي تمارس ثلاث أخطاء منهجية، الأول: اختيار أسئلة معينة واستبعاد أخرى لا تقل أهمية، الثاني: في تصميم الأسئلة بحيث تكون موجهة بهدف حصر الإجابات باتجاه معين، وكأنها تستخلص الإجابة التي تريدها، والشخص المستطَلع حتى لو تنبه للأمر ليس أمامه سوى خانات محددة مسبقا وعليه الاختيار. الثالث: عند عرض النتائج تركز على ما تريده وتتجاهل ما لا يتوافق مع توجهاتها. أو تعرض النتيجة بطريقة مضللة موجهة، مثلا في الاستطلاع الأخير 40% لن يشاركوا في الانتخابات، وهذا يوحي للقارئ بأن الناس ستقاطع الانتخابات، لأنها غير راضية ومحبطة.. مع أن النتيجة نفسها تقول 60%  سيشاركون في الانتخابات، وهذه نسبة جيدة جدا حتى في مقياس الدول الديمقراطية.

كما تم تجاهل مقياس شعبيه حماس في قطاع غزة، وانخفاضها بشكل كبير، للتمويه على حقيقه غضب الشارع الفلسطيني من توريطه في السابع من أكتوبر والنتائج الكارثية التي نتجت عنه.

الاستطلاع يقول 70% يطالبون عباس بالاستقالة.. المفترض أن الاستطلاع مخصص للانتخابات التشريعية، بالتالي يجب أن تتركز الأسئلة عليها، مثل هذا الخطأ لا نجده في استطلاعات الرأي في الدول المتقدمة، لكن هنا ولأن الاستطلاع موجه جرى إقحام عباس في الأسئلة لإعطاء إيحاءات معينة للجمهور؛ فعباس يمثل السلطة ومنظمة التحرير وحركة فتح، ولديه سياسات وتوجهات معينة، وبالتالي الاستفتاء ليس على شخص عباس، بل على كل ما يمثله، وهنا المغالطة.. مثلا أنا شخصيا لن أنتخب عباس حتى لو ترشح لرئاسة جمعية خيرية، لسبب واحد وبسيط؛ أنه أخذ فرصته كاملة، وآن له أن يستريح، وصار لزاما علينا أن نقدم الفرصة لغيره.. وربما هذا الموقف ينسحب على كثيرين غيري، فالموضوع ليس استفتاء على فتح أو على التوجهات السياسية بقدر ما يتعلق الأمر برئيس بلغ التسعين من عمره..

المقصود هنا أن خطورة الاستطلاعات ليس في أخطائها المنهجية وأنها قد تظهر أرقام ونتائج غير صحيحة، الخطورة هنا في الرسائل الضمنية المشفرة التي يوحي بها الاستطلاع، وطريقة عرضه، وبالتالي تأثيراته على سير الانتخابات المقبلة، وتوظيف النتائج الظاهرة إعلاميا ودعائيا من قِبل الأطراف المتنافسة.

مغالطة أخرى: 79% يرون السلطة عبء، و70% يعتقدون أن الانتخابات لن تكون نزيهة، وفي الوقت نفسه 60% سيشاركون في الانتخابات! هذا دليل على ارتباك المستطَلعين، أو على طريقة تصميم الأسئلة. وهنا لا يظهر للجمهور الفرق بين من يرى السلطة عبء، وبالتالي يجب إسقاطها (وهذا توجه سياسي لليمين الإسرائيلي بالمناسبة)، وبين من يرى وجود أخطاء وفساد وترهل وضعف ومحسوبيات... وبالتالي سيطالب بإصلاح الأخطاء ومكافحة الفساد.. والفرق هنا كبير جدا. لكن من لديه أهدافا سياسية مخفية ويمارس دعاية ديماغوجية سيتعمد إخفاء هذا الفرق.

أغسطس 13، 2026

حول مشاركة حماس في الانتخابات

 

أصدرت حماس بيانا أكدت فيه أنها ستشارك في الانتخابات القادمة (نوفمبر) ودعت جمهورها لتجديد بياناتهم في السجل الانتخابي.. وهنا انقسم الشارع بين من يقول: هذا حقها، ومن واجب السلطة إتاحة المجال لها، وأن الديقراطية تقتضي مشاركة الجميع، والوحدة الوطنية تتطلب عدم إقصاء أي طرف.. مقابل من يقول إن حماس جلبت نكبة للشعب الفلسطيني، وتسببت مغامرتها في دمار غزة واحتلالها، ومن الواجب محاكمة قادتها، ومن أوجد الانقسام، وتسبب بكل هذا الخراب، لا مكافأتهم وإعادتهم للسلطة مرة ثانية ليجلبوا نكبة جديدة..

وهنا أود تسجيل الملاحظات التالية:

أولاً: من وجهة نظري الشخصية سأنحاز للرأي الثاني، وما زلت مقتنعا بأن حماس ليست حركة وطنية فلسطينية، بقدر ما هي امتداد تنظيمي لجماعة الإخوان المسلمين، تسيطر على بقعة جغرافية تمثل آخر تطبيق لأيديولوجية الإخوان، وهي منخرطة في لعبة المحاور الإقليمية بما يتعارض مع المصلحة الوطنية، متقلبة بين ولائها لإيران، أو لتركيا أو لقطر، بل إنها قدمت أوراق اعتمادها مرة لواشنطن (تصريحات خالد مشعل)، ومرة لحماية المستوطنات (تصريحات أبو مرزوق)، وأنها رفضت تسليم القطاع للسلطة الوطنية، وقبلت بتسليمه للوصاية الدولية ولمشروع ترامب.. فضلا عن خطابها المتعالي فوق جراح الغزيين، والمنفصل عن الواقع.. هذا موقفي الشخصي الذي عبرت عنه بالتفصيل والأدلة في كتابين: "بوتوريه لحماس 2017"، و"طوفان الأقصى 2026"، ولا ألزم برأيي أحداً، ولا أنزع الوطنية عن أحد.. من هو مقتنع بغير ذلك فليتفضل وينتخب حماس أو حلفائها.

ثانياً: في أول انتخابات رئاسية وتشريعية 1996 أصدرت حماس بيانا دعت فيه لمقاطعة الانتخابات، واعتبرتها من مخرجات أوسلو السيئة التي تكرس الاحتلال.. بعد عشر سنوات وبعد انسحاب إسرائيل من القطاع واستشعار حماس قوتها الجماهيرية دخلت الانتخابات، وما كان محرماً صار واجباً وطنياً! ثم حكمت قطاع غزة منذ 2007، وطوال هذه الفترة لم تجرِ أية انتخابات، ومنعت انتخابات البلديات والجامعات والنقابات، وظلت تماطل وتضع الشروط في موضوع السجل الانتخابي لتعطيل تنظيم الانتخابات التشريعية.. اليوم، وعلى ضوء النتائج الكارثية للحرب، هل تنبهت لأهمية الانتخابات؟ أم ستتخذ منها وسيلة للعودة إلى الميدان؟  

ثالثاً: وضعت السلطة شرطاً للترشح: الاعتراف بمنظمة التحرير والقبول بقرارات الشرعية الدولية.. معتقدة أنها بذلك ستتجنب معضلة صعود قوى سياسية غير مقبولة دوليا، لتفادي إعادة الحصار وتكرار ما حصل في انتخابات 2006.. وطالما أن حماس ستشارك في الانتخابات فهذا يعني قبولها هذه الشروط، وبالتالي هل نحن أمام حماس التي عرفناها ببرنامجها وشعاراتها وسياساتها؟ أم أمام حماس جديدة بنسخة مطورة متكيفة مع قواعد اللعبة الدولية، ومتخلية عن معظم أيديولوجيتها السابقة؟ سنحصل على إجابات واضحة عندما تعلن عن قائمتها وبرنامجها.

رابعاً: دستوريا لا يحق للسلطة منع أي جهة من الترشح للانتخابات طالما استوفت الشروط القانونية، وبالتالي إذا تكيفت حماس مع هذه الشروط من حقها المشاركة في الانتخابات والانخراط في الحياة السياسية.. وطالما ارتضينا الديمقراطية.. وهنا تثور عدة أسئلة: هل شعبنا جاهز للديمقراطية، ومتفهم لها؟ الديمقراطية ليس باختزالها في صندوق الانتخابات، بل بوصفها برنامجا متكاملا يشمل المعارضة والتعددية والاختلاف وتقبل الآخر.. هل اتعظنا من تجربة 2006؟ هل منا من يرغب بنسخ تجربة غزة، وتدمير الضفة؟ هل ما زالت شعارات "الإسلام هو الحل"، و"التغيير والإصلاح" التي وعدت بها حماس في 2006 هل ما زالت صالحة للاستهلاك؟ هل تقنع أحدا بعد كل ما جري ويجري؟ هل من الضروري تجربة ما هو مجرب؟

خامساً: عماد برنامج حماس ومبرر وجودها وأهم شعاراتها التي بناء عليها حظيت بهذه الجماهيرية: "المقاومة"، أي مقارعة الاحتلال بالمواجهات العسكرية والكفاح المسلح (صواريخ، أنفاق، قاذفات، كتائب وألوية عسكرية..).. على ضوء السنوات الثلاث الأخيرة هل يمكن الاستمرار بهذا النهج؟ الإجابة القاطعة لا.. ليس رفضا للعنف المسلح، بل لأن خيار المواجهة المسلحة وصل خاتمته بطريق مسدود بحيث صار متعذرا (لأسباب سياسية وجغرافية ولوجستية عديدة)، ولأن هذا الخيار ثبت فشله في حرب الإبادة، وتأكيدا على ذلك منذ سنة كاملة الاحتلال متواجد مباشرة في القطاع، وقد قتل نحو 1200 فلسطيني منهم قادة بارزون في القسام، ومع ذلك لم تطلق حماس طلقة واحدة، لم تنفذ أي عملية، بل إنها وافقت على تسليم سلاحها.. ليس هذا وحسب فقد كانت النتيجة الأخطر من حرب الإبادة أن خيار المقاومة بحد ذاته (خاصة في غزة) صار مستبعدا ومتعذرا أكثر من أي وقت سابق، صار عبئا لا يمكن تحمله.. السؤال هنا: طالما أن حماس لم تعد قادرة على ممارسة المقاومة، وستسلم سلاحها، ماذا سيكون عماد أيديولوجيتها القادمة؟ وكيف ستواصل المقاومة المسلحة؟ أم ستعتمد المقاومة السلمية (التي طالما سخرت منها)؟ أم ستجرب حظها في أكتوبر جديد ومغامرة جديدة؟

سأنهي باقتباس من بعض ما كتبه د. تيسر عبد الله المقيم في غزة: "البعض يقول على الرغم من كل الذي جرى في غزة، إسرائيل تعاني من عزلة. والمقاومة انتصرت..

أنا ليس لدي مشكلة إن كنت ترى الاحتلال يعاني من عزلة وأن المقاومة انتصرت.. ولكن لدي ألف اعتراض، وسأصنفك مباشرة ضمن أعدائي حين تقول: "على الرغم من كل الذي حدث في غزة.."، وكأنّ ملف غزة انتهى.. في هذا الطرح اختزال فاضح وإهانة شديدة لدماء الغزيين...

الذي جرى في غزة لم يكن طبخة فاصوليا انحرقت وتخلصنا منها.. ما جرى في غزة لم ينته بعد. ولا يزال جرحا مفتوحا، ينزف دما إلى الآن دون توقف..

ما جرى في غزة يحتاج محاسبات ومراجعات..

ما جرى في غزة أمهات ما زلن يبحثن عن أبنائهن.. أطفال بُترت أطرافهم يبحثون عن أمل أو علاج، شبان ضائعون في الشوارع، يتامى، ثكالى، أرامل، جوعى، مرضى، مفقودون تحت الردم، معتقلون يموتون جوعا وذلاً، بقايا جثث مجهولة الهوية. مئات الآلاف يشوون في لهيب الخيام، حياة مشلولة، مدن كاملة مسحت عن وجه الأرض، آلاف القصص التي لم تروَ بعد.

ما جرى في غزة ليست صفحة وطويت. ما جرى هو نقطة البداية التي لا يمكن تجاوزها في أي تحليل، أو برنامج انتخابي.

من يرى أن ما جرى ويجري في غزة يمكن اختصاره بكلمتين في بودكاست أو دعاية انتخابية فهو مجرم متطفل على دمائنا، لم يشعر يوماً بنا. ولم يكن يوماً منا".

أغسطس 09، 2026

الإعـلام الإرهـابي

 

بين الإعلام والإرهاب علاقة تبادلية المنفعة والحاجة؛ فأي جماعة تمارس الإرهاب لا بد وأن تعتمد على الإعلام، خاصة إذا أرادت توصيل رسالتها بأسرع وأكفأ طريقة، وحتى  تعمم الخوف وتنشر الذعر، لتثبيت سيطرتها في أماكن تواجدها، وردع خصومها وأعدائها.. أما وسائل الإعلام فتسعى للاستفادة من أجواء القلق والاضطراب التي تنشأ عن الهجمات الإرهابية. وفي لعبة تبادل المصالح يحصل الإرهابيون على دعاية مجانية، والإعلام يستفيد مالياً..

التداخل بين ما هو سياسي وما هو إعلامي ليس بالأمر الجديد، لكنه في قطر أشد وضوحا، وقد بات سمة الجزيرة والظروف التي أنجبتها ومصادر تمويلها ودورها الوظيفي. حيث منح التوظيف الذكي والمدروس للإعلام دولة قطر قوة فعالة مكّنها من لعب أدوار أكبر بكثير من حجمها الطبيعي، وحققت عبر قناتها أهدافا إستراتيجية لم تكن لتقدر على تحقيقها بالسياسة.

ومع تولى وضاح خنفر إدارة الجزيرة توضح وجهها الإخواني أكثر، فكرياً وثقافياً وتحريرياً، حتى أن أغلب كوادرها ينتمون إلى جماعة الإخوان.

ومن الأمور المثيرة للانتباه علاقة الجزيرة المريبة مع تنظيم القاعدة، وقدرة مراسليها على الوصول إلى أماكن التنظيم والتحدث مع قياداته، الأمر الذي استعصى على بقية القنوات الإعلامية، وبثها تسجيلات للظواهري وبن لادن، الأمر الذي جعل البعض يتهمونها أنها تقدم دعما خفيا للإرهاب.

حاولت الجزيرة إظهار بن لادن بطلا، ودأبت على ترويج مقتطفات من خطاباته وهو يردد "أخرجوا المشركين من جزيرة العرب"، وظلت تضخم أخبار "تنظيم القاعدة في جزيرة العرب"، وتغطي عملياتهم التفجيرية في السعودية، وتصف بن لادن بالمجاهد العالمي، وقد استضاف ياسر أبو هلاله منظر القاعدة أبو محمد المقدسي ملهم تفجيرات الرياض لمنحه الفرصة لتبرير ما حدث، وقدمه على أنه صاحب فكر معتدل! واستمرت كذلك حتى انتقال القوات الأمريكية من السعودية إلى قاعدة العيديد في قطر، بعد ذلك لم نعد نسمع أخبار "تنظيم القاعدة في جزيرة العرب"، ولا المطالبة بخروج القوات الأمريكية، بل إن الجزيرة أنتجت فيلم اسمه اللعب بالنار، قالت فيه أن بن لادن والقاعدة صناعة أمريكية سعودية مشتركة.

وظلت الجزيرة تلمع القيادات الإخوانية أو المرتبطة بالجماعات الجهادية كما حدث في وصفها للزرقاوي كبطلٍ للمقاومة، وحامي للسُنّة، وفي تغطيتها لمقتله (2006) خصصت موجة مفتوحة تصاحبها موسيقى حزينة، كما لو أن الأمة فقدت حينها قائدا عظيما!

وحينما استولت حماس على قطاع غزة (2007)، تحولت الجزيرة إلى بوق لسلطة حماس تغطى وتعظّم كل ما تقوم به. وفي (2013) عرضت فيديو ليوسف القرضاوى، يحرض فيه على قتل المصريين بعد خروجهم على محمد مرسى لعزله.

من اللافت لأي مراقب أن الجزيرة تتجنب استخدام مصطلح إرهابي، في تغطيتها للعمليات التفجيرية الموجهة ضد مدنيين، وتستخدم وصف عناصر مسلحة، أو معارضة، أو ثوار.. كما حدث مثلا في هجوم داعش على معسكر للجيش المصري في سيناء، وعندما تقدم شخصيات متهمة بالإرهاب فإنها تعرف عليهم بأوصاف مثل ناشط، قيادي..

ولمراسلي الجزيرة أدوارا أخرى تتجاوز كونهم صحافيين، فهم ينشطون في مناطق الصراع ويتحركون بحرية في معاقل طالبان وداعش والقاعدة والنصرة، واللافت أن تلك الجماعات لا تعتبرهم أشخاصا خطرين عليها، بل على العكس، تختارهم لبث بياناتها وتسريب المشاهد الحصرية معهم.

وقد واجه بعض مراسلي الجزيرة تهم دعم الإرهاب، منهم تيسير علوني، وسامي الحاج، ومحمود حسين، وأحمد زيداني.

وأكد مدير الجزيرة الإنجليزية السابق محمد فهمي، أنَّ مسئول الإعلام لحركة طالبان كان المسئول الفعلي عن مكتب الجزيرة في كابول.  

مراسل الجزيرة الأشهر أحمد منصور لا يخفِ علاقته بالإخوان، فقد بدأ مشواره الصحفي في مجلة المجتمع، الناطقة باسم الإخوان في الكويت، وعمل مراسلا للمجلة في أفغانستان أثناء الحرب الأهلية، ومراسلا لمجلة الجهاد، المتحدثة باسم "مكتب خدمات المجاهدين" الذي أسسه في الثمانينات كل من عبد الله عزام وبن لادن. وفي كتبه يصف المسلحين الأفغان بالمجاهدين، ويبدي إعجابه بهم.

حين التقى أحمد منصور مع الجولاني (أحمد الشرع) في أيار 2015، وصفه بالقيادي، وامتدح انتصارات جبهة النصرة، واستنكر تصنيفها على أنها إرهابية، ولم ينسَ شكر الجولاني لأنه رفض مقابلة عشرات الصحافيين، وقبِل فقط بمقابلته. لم يحاول منصور تفنيد أخطاء الجبهة، أو طرح الأسئلة التي يتناقلها الناس. بل ظهر موافقاً على كل ما يقوله الجولاني، ولم يعترض على النزعة الطائفية في كلامه، فبينما كان الجولاني يتحدّث عن "ضرورة اعتراف الدروز بأخطائهم العقائدية، وإشراكهم بالله، وأن عليهم التوبة وإصلاح عقيدتهم"، كان منصور يتحدّث عن حماية جبهة النصرة للدروز والمسيحيين، قائلاً: "تفاجأت وأنا أمشي في بعض المناطق المحررة عن وجود قرى درزية ومسيحية أنتم من يحميها".

كان همّ منصور ردّ التهم الموجهة ضد الجبهة، حتى قبل أن يتكلم الجولاني، قائلا: "أنتم في جبهة النصرة لم تفرضوا شيئاً على النصارى، ولم تأخذوا النساء سبايا كما يروّج الإعلام الغربي"، متجاهلاً ما قاله الجولاني عن إجبار النصارى المقتدرين على دفع الجزية عند إقامة حكم إسلامي في المنطقة.

لم تكن أسئلة منصور كما اعتاد طرحها على ضيوفه، فجاءت سلسة ناعمة، بل إنه كان يملي على الجولاني ما يقول، مثلا يسأل منصور: أنتم في جبهة النصرة لم تعتدوا على الكنائس ولا على القرى النصرانية؟ فيجيبه نعم، ويسترسل دون مقاطعة، ثم يسأله: أنتم لم تعتدوا على القرى الشيعية؟ فيجيبه نعم، وهكذا، وبشكل واضح كان يعطيه مساحة كافية لتبييض صفحته وتلميع صورته والترويج لأفكاره.

وعندما كان يتباكى على ضحايا القصف الأمريكي في الفالوجة تناسى أن الطائرات القاصفة إنما كانت تقلع بالقرب من مكتبه في الدوحة وبتسهيلات من رب عمله!!

يمكن تفهم حاجة الصحافي في الاهتمام بالعمليات الإرهابية، باعتبارها سبقاً صحفياً، ومادة تستحق الاهتمام، وأنّ مقابلة القيادات لمنحهم الحق في التعبير عن آرائهم، وحق الجمهور في معرفة أفكارهم، المشكلة في عدم خلق توازن بين هذه العناصر. ومشكلة الجزيرة انحيازها المكشوف للإخوان، وفي غياب الموضوعية، وفي نوعية الرسالة السياسية التي تريد إيصالها للناس، وفي الترويج لأفكار التطرف، وعمل دعاية للجماعات الإرهابية.

أغسطس 08، 2026

الدور العربي في الثورة الفلسطينية، بين الإسناد والصدام


لم تكن الثورة الفلسطينية شأنًا فلسطينيًا محضًا؛ بل كانت واحدة من أكثر تجارب التحرر الوطني التي تجاوزت حدود الجغرافيا، ونظرًا إلى البعد القومي للقضية الفلسطينية، ومكانتها العميقة في الوجدان والعقل العربي فقد تشكلت الثورة في فضاء عربي واسع، احتضنها سياسياً وشعبياً وثقافياً، وشارك فيها آلاف العرب، بعضهم بالدعم والإسناد، وبعضهم بالانخراط المباشر في صفوفها مقاتلين وكوادر ومثقفين وفنانين وإعلاميين.

ولهذا فإن تاريخ الثورة لا يخص الشعب الفلسطيني وحده، بل هو جزء من تاريخ عربي مشترك؛ تاريخ شارك في صنعه مقاتلون عرب ضحوا بحياتهم، ومثقفون حملوا الفكرة، وأدباء منحوا الثورة لغتها، وفنانون قدموا أغنيتها وصورتها، وجماهير عربية رأت في فلسطين قضيتها ومرآة أحلامها في التحرر والكرامة والاستقلال.

حفظت الكتب والمراجع أسماء القيادات المشهورة، وبقيت أسماء آلاف المتطوعين العرب مجهولة، أو محفوظة في ذاكرة التنظيمات التي انتموا إليها، تنتظر من يجمعها ويوثقها.

لم يكن دور الأشقاء العرب مقتصراً على التعاطف أو الإسناد السياسي والدعم المالي، بل تجاوز ذلك إلى توفير بيئة كاملة لنمو الثورة الفلسطينية وتطورها. ففي الخمسينيات والستينيات، وفرت الكويت وسائر دول الخليج بيئة آمنة احتضنت الجاليات الفلسطينية، وأتاحت لها التحرك السياسي والتنظيمي وعقد الاجتماعات وبناء العلاقات التي أسهمت في تهيئة الظروف التي سبقت الانطلاقة.

في بيروت، صدرت نشرة "فلسطيننا"، وهي من المنابر المبكرة التي نشرت فكر الثورة ومضامينها وأهدافها، وحثت الشبان على الالتحاق بها. وفي سورية، وجد الفدائيون مساحة واسعة للعمل والتنظيم. وكان معسكر الهامة من أبرز مواقع التدريب التي ارتبطت بتاريخ الثورة، كما فتحت المدن السورية أبوابها أمام الفصائل الفلسطينية لإقامة المكاتب والمقرات، وتحولت سورية، في مرحلة معينة، إلى إحدى أهم ساحات احتضان العمل الفلسطيني.

أما الأردن، فله خصوصية استثنائية بحكم الجغرافيا والديموغرافيا والتداخل العميق بين الشعبين الفلسطيني والأردني. كانت الأغوار قاعدة مهمة للعمل الفدائي، واحتضن أهلها المقاتلين، وعندما اندلعت معركة الكرامة أسند الجيش الأردني الفدائيين بسلاح المدفعية والدبابات، بقيادة الفريق مشهور حديثة.

أما لبنان، فكان من أكثر البلدان التصاقاً بالثورة الفلسطينية. مثّل الجنوب الحاضنة الشعبية للمقاومة ودفع أهله الثمن من أمنهم واقتصادهم ودماء أبنائهم. هناك، نشأت مناطق ارتبط اسمها بالوجود الفدائي، مثل "فتح لاند، و"الفاكهاني"، وكانت بيروت مركزاً سياسياً وإعلامياً وثقافيًا للثورة، ومكانًا احتضن فصائل المقاومة والصحافة والثقافة والفكر والفن. وفي سنوات الحرب الأهلية وقفت القوى الوطنية اللبنانية إلى جانب القوات الفلسطينية في مواجهة القوى الانعزالية والاجتياحات الإسرائيلية. تكفي الإشارة إلى قيادات وطنية مثل كمال جنبلاط، ومحسن إبراهيم، ومعروف سعد، وغيرهم من الشخصيات والقوى التي رأت في القضية الفلسطينية جزءاً من معركة التحرر العربي، كما كان حضور شخصيات دينية وفكرية لبنانية، مثل هاني فحص، تعبيراً عن اتساع التأييد الشعبي والفكري للمقاومة الفلسطينية.

وعندما خرجت الثورة الفلسطينية من بيروت عام 1982، لم ينتهِ حضورها العربي، ولم تجد نفسها بلا مكان. انتقلت قيادة منظمة التحرير إلى تونس، التي تحولت إلى وطن ثانٍ وملاذاً للقيادة الفلسطينية ومؤسسات المنظمة في مرحلة شديدة التعقيد. فيما واصلت دول عربية أخرى تقديم الدعم السياسي والدبلوماسي والمالي، واستضافت مصر والجزائر دورات للمجلس الوطني الفلسطيني.

منذ بدايات الثورة، التحق بها أشقاء عرب من لبنان وسورية والأردن والعراق واليمن والكويت ومصر وغيرها. بعضهم حمل السلاح، وبعضهم شارك في العمليات الفدائية، وبعضهم عمل في التنظيم والإعلام والخدمات اللوجستية، ومنهم من استشهد أو وقع في الأسر. من الكويت التحق الشيخ فهد الأحمد الصباح بصفوف حركة فتح وشارك في العمل الفدائي، ومن الأردن نايف حواتمة، أحد أبرز قادة اليسار الفلسطيني وأمين عام الجبهة الديمقراطية، إلى جانب مئات من أبناء الكرك والطفيلة والسلط وإربد ومعان الذين التحقوا بمختلف فصائل منظمة التحرير.

من مصر الدكتور رؤوف نظمي ميخائيل (محجوب عمر)، وسمير غطاس (محمد حمزة)، ومن العراق قيس السامرائي، أبرز القيادات العربية في صفوف اليسار الفلسطيني والجبهة الديمقراطية، الذي ارتبط اسمه بالبرنامج المرحلي.

لم تكن البندقية وحدها سلاح الثورة، فقد دخلت فلسطين إلى الأغنية العربية، وحضرت الثورة في الشعر والموسيقى والمسرح والملصق واللوحة. وأسهم فنانون عرب في تحويل الثورة من حدث سياسي وعسكري إلى حالة وجدانية وثقافية عابرة للحدود.

أجمل الأغاني الوطنية والثورية التي ألهمت الثوار والمقاتلين وحرضت الجماهير قدمها فنانون عرب؛ من لبنان مارسيل خليفة وأحمد قعبور وجوليا بطرس، من مصر الشيخ إمام، ومن سورية سميح شقير..

على الجبهة الثقافية والفكرية والأدبية والإعلامية كان الحضور العربي مميزاً ووازناً؛ فقد تحولت الثورة الفلسطينية إلى قضية كبرى في الأدب العربي الحديث، ووجد فيها كتاب وشعراء ومفكرون مجالًا للتعبير عن أسئلتهم حول الحرية والمنفى والاحتلال والمقاومة والهزيمة والنصر. من الأردن برز مثقفون وكتّاب وشعراء منهم غالب هلسه، ونزيه أبو نضال، وأمجد الناصر، وميشيل النمري، وتيسير سبول، ومؤنس الرزاز.. من لبنان المفكر أنيس النقاش والشعراء خليل حاوي وشوقي بزيغ، من سورية كتب نزار قباني أجمل قصائده في مديح فتح، وفي وصف حصار بيروت والخروج منها، كما  قدم مخرجون سوريون أعمالا درامية مهمة عن الكفاح الفلسطيني حولت القضية من حدث سياسي إلى دراما إنسانية وفنية؛ المخرج هيثم حقي قدم مسلسل "عز الدين القسام"، وحاتم علي أخرج "التغريبة الفلسطينية"، وكان الفنان التشكيلي السوري نذير نبعة هو من صمّم شعار "العاصفة". كما برز ممدوح عدوان وسعد الله ونوس ممن كتبوا للمقاومة الفلسطينية وأسهموا في إعلامها الثقافي.

في المدارس والجامعات، وفي النقابات والأحزاب، وفي الصحافة والسينما والمسرح والأغنية، وفي المظاهرات والمهرجانات والكتب والمقالات، ظلت فلسطين حاضرة، وجزءاً من الحياة اليومية للمواطن العربي.

عند الحديث عن الدور العربي في الثورة، تبدو العلاقة معقدة ومتداخلة، حكمتها ظروف سياسية وعسكرية وإقليمية متغيرة، ولا يمكن اختزال الدور العربي في مواقف الحكومات وحدها؛ فعلاقة الثورة الفلسطينية بالأنظمة العربية مرت بمراحل من الدعم والاحتضان، لكنها عرفت أيضًا الخلاف والصدام والضغط والملاحقة، ووقعت صدامات دامية في بعض المراحل. وتلك كانت من أبرز عوامل ضعف الثورة وتراجعها وحالت دون انتصارها، وهذه التناقضات تجعل هذا التاريخ أكثر تعقيدًا  ولا يمكن حصره في رواية أحادية بخط مستقيم.