أهلا بكم

على هذه الصفحة نثير التساؤلات ،، ونفكر ،، ولا نعرف حدوداً للتوقف

آخر الأخبار

أغسطس 19، 2026

خطاب الأوهام، وخطاب التشفي

 

قبل أيام اعتقل الجيش الإسرائيلي أفرادا من الشرطة الفلسطينية في بيت لحم أثناء قيامهم بإحدى المهات الأمنية.. على الفور امتلأت الصفحات الصفراء والمنصات المشبوهة بالتعليقات الشامتة والساخرة، وتساءل آخرون بسذاجة: إذا كانت الشرطة غير قادرة على حماية نفسها، فما الجدوى منها؟ إذا السلطة غير قادرة على حماية شعبها عليها الرحيل..

قبل التعليق على الموضوع، لننتقل مباشرة إلى خبر آخر حدث في الأسبوع نفسه.. جيش الاحتلال يعتقل عقيدا من الشرطة التابعة لحماس من داخل منزله في غزة.. قابل الخبر صمتٌ مطبق من تلك الصفحات المشبوهة.. وشماتة رخيصة من بعض الجهات المعادية لحماس..

اقتحام قوة إسرائيلية لأي منطقة في فلسطين أمر لا يدعو إلى الشماتة، وقيامها باعتقال أي فلسطيني (عسكري أو مدني) ليس موضوع مزايدة.. وليست علامة على حالة ضعف الفلسطيني، فالاحتلال يمثل قوة غاشمة جبارة مقتدرة.. وكل فلسطين خاضهة له.. هذه المعلومة البديهية تغيب عن تفكير البعض أو يتجاهلها عمداً حين يريد النيل من خصومه السياسيين.. وهذا أقل ما يُقال عنه: وضاعة وخسة.

في الحروب بين الدول المستقلة والتي لديها جيوش يقع في أسر العدو جنودا وضباطا، وهم بزيهم العسكري وبأسلحتهم.. هذا يحدث منذ أن عرفت البشرية الصراعات والحروب، ولا أحد يقول عمن وقع في الأسر جباناً، ولا يطالب الدولة بالرحيل لأن جنودا لها وقعوا أسرى..

لكن هنا في فلسطين، كل شيء مختلف! مع أن الفلسطينيين شعب أعزل، وليس لديه جيش..

كل من يُعتقل أو يستشهد هو فلسطيني أولاً، بغض النظر عن الفصيل الذي ينتمي إليه، وكل قطرة دم تُسال، وكل ساعة تُهدر في المعتقل، وكل بيت يُهدم، وكل مؤسسة تنهار هي خسارة فلسطينية.. ومكسب للعدو.. والشماتة هنا ما هي إلا نذالة وطريقة تفكير بدائية..

أفراد الأجهزة الأمنية هم أبناؤنا وإخوتنا.. والأجهزة الأمنية لها دور وظيفي محدد: حماية السلم الأهلي، وإنفاذ القانون، وتنظيم شؤون المجتمع، وحمايته من العابثين.. وهذا دور مهم وحيوي وخطير وحاسم في حياة الشعوب، ليس هنا في فلسطين وحسب، بل في كل دول العالم.. أما حماية الشعب من العدو الخارجي ومن التهديدات الأمنية الآتية من قبل طرف خارجي فهي مهمة الجيوش، لا الأجهزة الأمنية.. ونحن ببساطة ليس لدينا جيش، ولم يزعم أحد بامتلاكه.. السلطة كما هو حال الشعب تحت الاحتلال، ولم يقل أحد في يوم ما أننا تحررنا وطردنا المحتل..  

السلطة مسؤولة عن الشعب، إذا عجزت عن حمايته بالقوة العسكرية، فعليها حمايته بتجنب تعرضه للخطر، أي بالسياسية والدبلوماسية والإعلام، ومواصلة النضال والمقاومة الشعبية بالوسائل والأدوات التي لا تعرضه لخطر الفناء والإبادة والتهجير.. إذا قصرت في هذا المجال علينا مساءلتها ومحاسبتها.. أما دعوات المواجهة العسكرية وفتح حرب مع إسرائيل، فهي دعوات إن لم تكن مشبوهة، فهي ساذجة وعاطفية، ولن تجلب لنا سوى الخراب والمزيد من الهزائم.. وآن لنا أن نستفيق من سكرة الشعارات والخطاب الشعبوي غير المسؤول..  

اجتياحات الجيش، وعربدة المستوطنين، والاغتيالات والاعتقالات.. أمر مؤلم ومربك، ويضعنا جميعا في دائرة الخطر المباشر.. وهذا يتطلب منا التصدي والمواجهة.. لكن مع أهمية هذا الموضوع، إلا أن المقال يناقش أمرا آخر.. هو الخطاب والعقلية التي أوصلتنا إلى هذه الحالة.

خطاب فتح (والسلطة)، وطريقة تفكيرها، يفتقر للمنهجية، ويغيب عنه التخطيط الإستراتيجي، دون مراجعات ونقد ذاتي.. كل شيء عندها ارتجالي.. وهذا الموضوع ناقشناه مطولا.. سأتحدث بتخصيص أكثر عن طريقة التفكير في الخطاب التنظيري المنفصل عن الواقع.. خطاب بيع الأوهام.

الخطاب الذي قامت عليه حماس يرتكز على الأيديولوجيا.. وهي منظومة مغلقة لا تسمح بالمراجعة والنقد. حيث جميع المدخلات تؤدي إلى المخرجات ذاتها، المعدة مسبقا. وهذه ليست ممارسة سياسية، بل عقيدة لا تعترف بإمكانية الخطأ.

السياسة تقوم على التصورات الواقعية، وتأخذ بالاعتبار موازين القوى، ومعطيات اللحظة التاريخية والآفاق الممكنة، وهذه جميعها عوامل متحركة ومتغيرة، وعندما يعتمد الحزب على الأيديولوجيا سيواجه المتغيرات بعقلية جامدة ماضوية، وحينها يصطدم بالواقع الجديد، ويفشل. ولتبرير فشله يحتاج إلى خصم آخر يعلق عليه أسباب فشله. وكلما سقط التبرير، يخترع تبريرا آخر وشماعة جديدة، أو يراهن على معطى آخر، المهم عنده إبقاء صورة أيديولوجيته وشعاراته كما هي، وتجنب أي مساءلة، والتهرب من تحمل أي مسؤولية. الكل مخطئ ومتخاذل ومتآمر.. أما شعاراته فهي صائبة دوما وأبداً!!

حماس ظلت تتصرف وتفكر بصفتها ميليشيا مسلحة، حتى عندما حكمت القطاع لم تتصرف بمنطق إدارة الدولة... الميليشيا تستطيع أن تغامر دون تفكير بالعواقب؛ فهي لا تدفع أثمان الانهيار والدمار، والهزيمة. تقامر بكل شي ما عدا خطابها وأيديولوجيتها وشعاراتها، لأنها تستطيع ترميم ما لحق بها من دمار بسهولة: تحميل المسؤولية لطرف آخر، والحديث عن الخذلان والمؤامرة والتنسيق الأمني..

وستجد من يساعدها في ترميم صورتها وإنكار هزيمتها: "المثقف المشتبك"، وهو بحسب الكاتبة هالة حسين: "المثقف الذي يتعامل مع السياسة كما لو كانت امتحانًا للأخلاق، لا إدارةً لموازين القوى. يقيس الدولة بمعيار المثالية المجردة، ويطالبها بأن تتصرف كما لو أنها ميليشيا، وليست مسؤولة عن شعبها، ولا عن استقراره، ولا عن مستقبله. ولهذا يصبح، من حيث يقصد أو لا يقصد، المثقف العضوي للميليشيا؛ لأنه يطالب الدولة بأن تتخلى عن منطق الدولة، وأن تتبنى منطق التنظيم العقائدي".

وتضيف: "الدولة تتصرف بمسؤولية وعقلانية وبخيارات قد لا تعجب الشعب، ليس لأنها أقل أخلاقًا، أو أقل وطنية من الميليشيا، بل لأنها أكثر مسؤولية، وتفكر في المستقبل. فالدول تُحاسَب على النتائج قبل النوايا، وعلى ما تحققه لشعوبها قبل ما ترفعه من شعارات. أما الميليشيا، فلا تحتاج إلى شيء من ذلك، يكفيها أن تحتكر اللغة الأخلاقية، وأن تحول كل فشل إلى تهمة موجهة لغيرها، وكل كارثة إلى دليل جديد على صحة خطابها. وفي هذه اللحظة، لا يعود الشعار أداةً لفهم الواقع، يصبح وسيلة للهروب منه. مشكلة الخطاب الشعبوي أنه يخلط بين ما يُقال للتعبئة والحشد، وبين ما يُطرح باعتباره برنامجًا سياسيًا قابلًا للتفاوض والتنفيذ".

مقولات عديدة طرحها الخطاب الشعبوي لتقريع السلطة وشيطنتها على مدى عقود، مثل: "غزة تحررت بالمقاومة والضفة مقيدة بأوسلو"، "غزة عصيّة على الاجتياح والضفة مستباحة"، "الجيش لن يجرؤ على الاجتياح البري"، "سيغرق في رمال غزة".. لم تكن أكثر من بيع للأوهام، لكنها ساهمت في إيصالنا إلى الهزيمة.

الخيارات الوطنية لا تُقاس بالشعارات، بل بما تتركه للشعب من أرضٍ وحياة وفرص وقدرة على الصمود.. والسؤال الأهم: كيف نصمد فوق أرضنا؟

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق