يردد الرياضيون
المشاهير مقولات تُشيد بكرة القدم، ويقولون إنها توحد الشعوب، ولو كانت دولة لكانت
الأكبر في العالم.. وهذا صحيح، فهي الرياضة الأكثر شعبية على مستوى العالم، وتحتل
بطولة كأس العالم أهمية كبيرة في حياة الناس، ينتظرونها بشغف، ويمضون ساعات طويلة في
متابعة مبارياتها وتشجيع فرقهم الوطنية..
في المنطقة
العربية تحدث مع كل مونديال ظاهرة مهمة ومدهشة؛ صحوة الشعور القومي، حيث تختفي فجأة
كل الخلافات البينية بين الدول والشعوب العربية، ويغدو كل منتخب عربي قصة مشتركة
لكل الجماهير العربية، وستشجعه بحماسة كبيرة، كما لو أنه يمثلها. والسبب كما فسره
صديقي عامر بدران يكمن في سهولة التعبير عن الانتماء للهوية العربية المشتركة،
باعتبار أن هذا الانتماء سهل ولا يكلّف شيئاً طالما أنه يتعلّق بكرة القدم، خلافا للأمور
الأخرى (مثل الطائفة، والقبيلة، والسياسة والأيديولوجيا) التي قد تكلف المواطن
حياته أو مصيره أو سمعته.. بينما كرة القدم، والرياضة عموماً موضع قبول وترحيب
ومصدر فرح ومتعة لأنها تخاطب المشاعر والعواطف ولا تخاطب الأفكار والمصالح.
بمعنى آخر من الطبيعي
والسهل جدا على كل مواطن تشجيع أي منتخب عربي دون الحاجة لأي شروحات أو تبريرات،
بينما يحتاج الإعلان عن الموقف السياسي والفكري للكثير من التوضيح والتفسير وهذا يتم
عادة في أجواء مشحونة بالتوتر مصحوبة بمعارك كلامية وسجالات حامية لا تنتهي على
خير، وإذا كان الأمر متعلقا بمعتقد ديني أو انتماء طائفي فقد تصل الأمور إلى
الاقتتال والسلاح والتفجيرات.
وهذه الظاهرة (مشاعر
التضامن والحماسة تجاه المنتخبات العربية والفرح الجماعي عند كل هدف في مرمى الخصم)
ينبغي دراستها بعناية، والتفكير جديا بأن يتم اعتبارها أحد أهم مكونات الهوية العربية
بمفهومها القومي وصورتها المستقبلية، خاصة وأن المكونات الأخرى بدلا أن تكون جامعة
كانت مشتتة ومرهقة بل وأنهكت الجسد العربي.. وما يعزز هذا الطرح أن الهويات القومية
والوطنية على مستوى العالم تتحرك وتتبدل وتتطور (ليس في عصرنا الراهن، بل ومنذ
قرنين على الأقل)، وفي سياق هذه التحرك تدخل عناصر ومكونات جامعة وتخرج أخرى مفرقة.
الاستثناء ربما الوحيد ظل في التصور الأيديولوجي للهوية العربية!
لو فهمنا "الهوية"
من خلال كأس العالم كوسيلة إيضاح، سنجد الكثير من الأمثلة المعززة، منها مثلا
ظاهرة المشاعر المتضاربة حينا والمحسومة أحيانا التي تنتاب الجاليات العربية في
دول العالم حين تجري مباراة بين بلدهم الأصلي والبلد الذي يقيمون فيه، ستجد البعض
ما زال منحازا بقوة تجاه منتخب بلده الأصلي، وآخرون حسموا خيارهم وانحازوا لمنتخب
الدولة التي يقيمون فيها، حتى لو لعب ضد بلده.. خاصة أبناء الأجيال الجديدة.
خذ مثلا
اللاعب "ياسين العياري"؛ تونسي الأصل ويلعب مع منتخب السويد، في المباراة
الهامة سجل هدفين لصالح السويد في مرمى تونس، واحتفل بحماسة بالفوز القاسي على
بلده الأصلي.. ربما في أعماقه قال أنا آسف يا تونس، لكنه اختار السويد.. تونس
بالنسبة له ماضٍ ربما مثقل بالأحزان والهموم.. السويد هي الأفق الرحب لحياة جديدة تنتظره.
وبدلا من النظر للخلف ركض حراً وفرحاً نحو المستقبل .كل واحد منا لو أتيحت له الفرصة سيفعل ما فعله ياسين.
المفهوم الجديد
والحداثي للهوية يقوم على مبدأ المواطَنة.. وهذا المبدأ تعارضة بشدة الجماعات
العنصرية، فمثلا حين جلب اللاعب التونسي نصرا للسويد شككت الجماعات العنصرية
بسويديته.. وما زالت بعض الجماهير الفرنسية (العنصرية) تنظر بريبة واحتقار تجاه
اللاعبين من أصول إفريقية رغم أنهم يشكلون أغلبية منتخب فرنسا! في المنطقة العربية
مفهوم المواطَنة أكثر التباسا، فمثلا بعض الجماعات العنصرية في الأردن تنظر بريبة
تجاه اللاعب المميز عودة الفاخوري، تراه مسيحيا أكثر مما تراه أردنيا، تراقب
تحركاته خاصة عندما يسجد الفريق فرحا بهدف ويقف عودة متفرجا (علّق البعض على
الصورة: "فسجدوا إلا إبليس").
أتاح مفهومُ
المواطنة للمهاجرين الاندماجَ في المجتمعات الجديدة، بل وتبوُّؤ مناصبَ عليا في
الدولة، والانضمام إلى المنتخب الوطني، وإذا اتخذنا هذا معيارا سنجد أن تشكيل المنتخبات
الكروية يكشف الكثير عن طبيعة المجتمعات والتغيرات التي طرأت حديثا في مفاهيم الهوية
والانتماء.
في دول مثل
كندا وفرنسا وهولندا والولايات المتحدة نلاحظ التنوع والتعددية. بينما في دول مثل
اليابان والأرجنتين لا يوجد أي تنوع أو تعددية، وبدرجة أقل معظم المنتخبات العربية. باستثناء المغرب
الذي ضم منتخبه لاعبين متجنسين بالهويات الأوروبية لكنهم انصهروا معا لتمثيل
المغرب موطنهم الأصلي، وهذا يعكس مرونة مفهوم الهوية والانتماء في المغرب، كما هو
حال مجتمعات الحداثة.
خلال القرن
التاسع عشر قامت الأرجنتين بعملية إخفاء للأقلية السوداء استمرت عقودا، عبر العنف
العرقي، والتسفير، وتضييق الحصار عليهم، وتجويعهم وتهميشهم. مقابل تشجيع الهجرات
للأقليات البيضاء، لذا جاء منتخبها أبيضا بالكامل. اليابان وحتى نهايات القرن
التاسع عشر كانت تحظر دخول الأجانب أراضيها، ومع أنّ شعبها منفتح ومتحضر إلا أن
الدولة ما زالت تفرض قيودا صارمة على دخول أراضيها وتحظر الهجرات كليا.
المسألة لا
تقتصر على سياسات الدولة تجاه المهاجرين والأقليات، بل على مدى تقبّل المجتمع للتعددية
الثقافية، والخروج معاً من حالة الهوية الواحدة إلى الهوية التعددية.. فمثلا في
المجتمعات العربية توجد تعددية كبيرة في الأعراق والثقافات والأديان والطوائف.. لكنها
غير مندمجة كما ينبغي، وكل جماعة تقف بحذر وتوجس عند حدود هويتها الفرعية، دون
تداخل عميق في العلاقات الاجتماعية.
في الدول
الحديثة تُمنح الجنسية للمهاجرين بعد سلسلة إجراءات طويلة تمر عبر مراحل متعددة، بينما
استحدثت قَطر مفهوم "التجنيس الرياضي"، حيث تمنح جنسيتها فوراً لأي لاعب
موهوب بهدف شراء القوة الناعمة الرياضية، وإحراز بطولات وألقاب تفيد الدولة.. وهذا
أبعد ما يكون عن مفهوم التعددية والاندماج.. لذا أصدرت "الفيفا" قانونا
خاصا يحظر "التجنيس الرياضي".
في زمنٍ قادم
ستوحد كرة القدم شعوب العالم بشكل فعّال، ولكن سنحتاج زمنا طويلا قبل أن نبرأ من
عادة الحكم على المنتحب الرياضي استنادا إلى ماضي دولته الاستعماري، أو بحسب سياسة
حكومته الحالية تجاه قضايانا السياسية.. وهذا صعب لأن تلك الدول ما زالت توظف الرياضة
والبطولات والألقاب كقوة ناعمة، لكن في إطارها السياسي.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق