يتكون سكان
رواندا من قبيلتين؛ الهوتو وهم الأغلبية، والتوتسي وهم الأقلية، خضعت البلاد للاستعمار
الألماني ثم البلجيكي الذي منح التوتسي نفوذًا إداريًا وتعليميًا أكبر، ما عمّق
الشعور بالتمييز لدى الهوتو. وبعد تراكم طويل من التوترات العرقية والسياسية اندلعت
مواجهات عسكرية بين القبيلتين عام 1990 استمرت بشكل متقطع لعدة سنوات، خلالها تصاعد
خطاب الكراهية ضد التوتسي، بدعاية تصفهم بالخطر الداخلي. وفي عام 1993 وُقّعت اتفاقية
بين الطرفين بهدف تقاسم السلطة ودمج القوات المسلحة، لكن المتطرفين من الهوتو
رفضوا الاتفاق. في نيسان 1994 سقطت طائرة الرئيس هابياريمانا وكان بصحبة رئيس بوروندي
وقُتل الإثنان في الحادث. على الفور تم اتهام التوتسي بإغتيال الرئيس، بعد ساعات
فقط بدأت حملات قتل منظمة ضدهم سرعان ما تحولت إلى حملة إبادة جماعية واسعة استمرت
مئة يوم، قُتل فيها 800 ألف إنسان أغلبيتهم الساحقة من التوتسي ومن الهوتو
المعتدلين الذي رفضوا التورط في أعمال القتل.
انتهت الإبادة
بسيطرة قوات الجبهة الوطنية الرواندية بقيادة بول كاغامي على العاصمة كيغالي ثم
معظم البلاد، ما أدى إلى انهيار حكومة الهوتو المتطرفة التي كانت تقود المجازر. بعد ذلك
أعلنت الجبهة تشكيل حكومة جديدة، وتوقف القتل وانتهت الحرب مخلفة آثارًا كارثية، ودمارًا
اجتماعيًا ونفسيًا هائلًا، وأزمة لاجئين كبيرة.
تعد تلك
المذبحة من أبشع المآسي الإنسانية في القرن العشرين. لكنها علمتنا أنَّ خطاب
الكراهية يقود إلى الإبادة؛ فقد بدأت المأساة بحملات تحريض إعلامي مكثفة صوّرت فئة
من المجتمع كأنهم أعداء، وتم وصفهم بالصراصير، وبذلك، أي بتجريدهم من إنسانيتهم
والنظر إليهم كحشرات صار قتلهم أمرا سهلا ومبررا وبضمير مرتاح.
برهنت تلك المأساة
أن التساهل مع العنصرية والطائفية وغض الطرف عن التحريض الإعلامي يشكّل خطرًا
كبيرًا على أي مجتمع. فالحروب الأهلية وحملات الإبادة الجماعية لا تحدث فجأة، بل تأتي
نتيجة التحريض والتعبئة وبث الكراهية ونشر الخوف من الآخر، ونزع صفته الإنسانية.. وهذه
كلها علامات إنذار مبكر إذا تُركت دون مواجهة ستقود حتما إلى الكارثة الكبرى. كما بيّنت
أن حماية الوطن والمجتمع والدولة تبدأ باحترام الإنسان وصون كرامته وحقه في الوجود
والاختلاف.
بمجرد توقف
القتال ركزت السلطة الجديدة على منع عودة خطاب الكراهية، وفرضت قيودًا مشددة على
النقاشات العرقية والسياسية. ولتحقيق العدالة الانتقالية أنشأت محاكم
محلية شعبية تُعرف باسم "غاشاتشا".. كما أُنشئت "المحكمة الجنائية
الدولية الخاصة برواندا" لمحاكمة المتورطين في جرائم الإبادة، وكانت تلك خطوة
مهمة لترسيخ مبدأ عدم الإفلات من العقاب، ما يعني أن المصالحة الوطنية ممكنة رغم
الجراح والثارات، شريطة تحقق العدالة لمنع تكرار الجرائم.
كما حدث في جنوب
إفريقيا عقب تولي مانديلا الحكم والإطاحة بحكومة الفصل العنصري، حيث أنشأت "لجنة
الحقيقة والمصالحة" بقيادة الأسقف ديزموند توتو، واعترف كثير من الجناة
بجرائمهم علنًا مقابل العفو عنهم.
رغم عمق
المأساة، أقامت الحكومة الراوندية متحفا خاصا بالإبادة، وحرصت على تدريس الأجيال
الجديدة حقيقة ما جرى وأهمية التعايش ورفض الكراهية من منطلق أن تجاهل التاريخ أو
تزييفه يسمح بتكرار المآسي. واستطاعت رواندا خلال العقود اللاحقة أن تبني دولة
مستقرة عبر برامج المصالحة والعدالة الانتقالية وإعادة بناء المؤسسات. وهذا يثبت أيضا
أن المجتمعات يمكن أن تتعافى إذا توفرت الإرادة السياسية والعدالة..
شهدت البلاد تحسنا
كبيرا في البنية التحتية والخدمات العامة وفي التعليم والرعاية الصحية، وشهدت نموا
اقتصاديا هو الأعلى على مستوى إفريقيا، مع تركيز على التكنولوجيا والاستثمار
والسياحة والتنظيم الإداري الصارم، وانحفضت فيها معدلات الفساد بشكل ملحوظ، وارتفعت نسبة
مشاركة النساء في البرلمان والإدارة العامة. من ناحية الأمن والنظام العام، فتُعرف
رواندا بأنها من أكثر دول إفريقيا استقرارًا وأمانًا، وأكثرها نظافة.
الرئيس بول
كاغامي يحكم فعليًا منذ عام 2000، وتحت قيادته فاز الحزب الحاكم وهيمن على الحياة
السياسية بشكل شبه كامل. بينما مُنع أو استُبعد عدد من المعارضين البارزين من
الترشح. يرى مؤيدوه أنه زعيم وطني أنقذ البلاد من الانهيار، وبنى دولة فعالة
ومنظمة، وقدّم نموذجًا رياديا ناجحًا في إفريقيا. بينما يرى منتقدوه أنه يحكم
بأسلوب سلطوي شديد المركزية، ويضيّق على المعارضة والإعلام المستقل، ويعتمد على الأجهزة
الأمنية في فرض سلطاته، وأنه جعل الاستقرار مرتبطًا بشخصه أكثر من المؤسسات
الديمقراطية.
البوسنة مثلا،
شهدت محاكمات دولية لبعض قادة الحرب، لكن الانقسامات القومية والدينية بقيت قوية،
وما زالت الذاكرة الجماعية مثقلة بالماضي، ومنقسمة حول تفسير الحرب نفسها. لذا، فإن
البوسنة مثالًا على أن وقف الحرب لا يعني بالضرورة بناء دولة مستقرة ومتطورة. أما في
جنوب إفريقيا فكان معيار النجاح هو الديمقراطية والتعايش والتسامح السياسي وحرية
التعبير.
وتكشف هذه
التجارب أن الخروج من الحروب لا يعتمد فقط على وقف القتال، بل على الاعتراف
بالماضي وبأخطائه أولا، ثم إدارة الذاكرة الجماعية بشكل إيجابي وبروح التسامح، وبناء
المؤسسات، وتحقيق العدالة، ومنع عودة خطاب الكراهية، وإيجاد توازن بين الاستقرار
والحرية السياسية.
في منطقتنا
العربية وقعت مآسي وحروب أهلية مشابهة في لبنان وسورية والعراق والسودان وليبيا
واليمن.. لم يكن الاختلاف العرقي أو الطائفي أو المذهبي سببها، بل استغلال السياسيين لهذه الاختلافات
وتحويلها إلى أداة للسلطة والصراع. فالتنوع لم يكن مشكلة بحد ذاته بل هو عنصر قوة إذا
ما أُدير بالعدالة والمساواة والقانون.
السؤال المطروح:
لماذا لم تتوقف الصراعات والحروب الأهلية والانقسامات المذهبية في البلدان العربية
منذ مئات السنين؟ بينما استطاعت راوندا وجنوب إفريقيا وغيرها تجاوزها، والانتقال إلى
مجتمعات جديدة متعافية، وبنت دولا متطورة !
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق