أهلا بكم

على هذه الصفحة نثير التساؤلات ،، ونفكر ،، ولا نعرف حدوداً للتوقف

آخر الأخبار

أبريل 05، 2026

قانون إعدام الأسرى، فرصة تاريخية لعزل إسرائيل

 

استغلت إسرائيل أحداث السابع من أكتوبر لتنفيذ كل ما كانت تخطط له ضد الحركة الأسيرة، ولم تسعفها الظروف سابقاً للقيام بذلك، فإعلان حالة الحرب والطوارئ مكّنها من التجرّد من كل الاعتبارات والالتزامات المترتبة على الدول، والتحرر من المواثيق الدولية ذات الصلة، فأعلنت الحرب على الأسرى بالمعنى الحرفي للكلمة. وتتويجا لهذا المسار التصعيدي بحقهم، أقر الكنيست بتاريخ 30 آذار 2026 بالقراءتين الثانية والثالثة قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين؛ بأغلبية 62 نائبا مقابل معارضة 48 نائبا وامتناع نائب واحد، وسط حالة من الابتهاج في أحزاب اليمين الإسرائيلي.

ينص القانون على فرض عقوبة الإعدام بحق الأسرى الفلسطينيين، وتنفيذ العقوبة عبر الشنق، على يد ضابط سجون ملثم، لضمان مجهولية القاتل وحمايته، مع  منحه حصانة جنائية ومدنية كاملة. ويحظر أي تخفيف أو إلغاء للحكم بعد صدوره، ويمكن إصدار حكم الإعدام دون طلب من المدعي العام، كما لا يشترط الإجماع في القرار، مع منح وزير الدفاع حق إبداء الرأي أمام هيئة المحكمة. وبعد صدور الحكم يتوجب التنفيذ خلال 90 يوما. ويتم احتجاز المحكومين في زنازين انفرادية تحت الأرض، ومنع الزيارات عنهم حتى لحظة الصعود لحبل المشنقة.

ينطبق القانون على المواطنين الفلسطينيين المقيمين فقط في المناطق الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية. وعلى غير الإسرائيليين من سكان الضفة الغربية، المدانين بالقتل العمد في "أعمال إرهابية"، ويُحصر خيار السجن المؤبد في حالات استثنائية للغاية.

الجديد في القانون أنه يشرعن القتل علانية، علماً أن الاحتلال دأب على إعدام الأسرى بصور متعددة: لديه دوما قائمة مطلوبين للاغتيال (ليس للاعتقال)، ويتعمد قتل كل من يشتبه به، وإذا أطلق عليه الرصاص يمنع إسعافه حتى ينزف كل دمه، إضافة إلى من أعدم تحت التعذيب، أو بسبب الإهمال الطبي.

في الواقع، لم تكن إسرائيل بحاجة لمثل هذا القانون، كان بوسعها المضي قدما في سياسة الخداع التي مارستها عقودا طويلة، والزعم بأنها تمتنع عن تنفيذ عقوبة الإعدام، لأنها دولة ديمقراطية، وليبرالية، وتقدر قيمة الحياة.. إلخ من هذه الديباجة.. وفي الوقت ذاته تواصل قتل كل من تعتبره خطرا على أمنها، سواء كان مدنيا آمنا في بيته، أو طالبا في مدرسته، أو مطلوبا أمنيا تهم باعتقاله، لكنها بدلا من سجنه وتقديمه للمحكمة تقوم باغتياله ميدانيا، بقرار مسبق.. أو تواصل عمليات تصفية الأسرى والمعتلقين في سجونها إما تحت التعذيب، أو بمواصلة سياسة الإهمال الطبي، وجعل السجن بيئة محفزة لكل الأمراض العضوية والنفسية.

لكن إسرائيل، وكنتيجة متوقعة لمسار صعود وهيمنة اليمين المتطرف والعنصري، وسيطرته على الدولة والجيش والإعلام، وصولا للقضاء رأت أن بوسعها الاستغناء عن العالم، والمجاهرة بضرب الأعراف والقيم الدولية، والتباهي بكشف حقيقة إسرائيل العنصرية والمتوحشة ودون أي قناع.. تجاهلت الحكومة اليمينية أنها تمثل دولة، وينبغي عليها أن تحتكم إلى ما نصّت عليه الاتفاقات والقوانين والشرائع الدولية، مثل اتفاقيات جنيف الرابعة، وتصرفت كما لو أنها عصابة تحركها نزعة الشر والانتقام وإيقاع أكبر قدر من الأذى بالشعب الفلسطيني وبرموزه من الأسيرات والأسرى.

قانون إعدام الأسرى بحد ذاته جريمة، تضاف إلى جريمة الاحتلال نفسه؛ جريمة احتلال شعب وحكمه بالبطش والقمع، ونهب أراضيه، وهدم بيوته.. تضاف إليها جرائم القوانين والممارسات العنصرية، وجرائم حروب الإبادة والقصف والتهجير.. فضلا عن جريمة الاعتقال نفسه وسياسات القتل البطيء في سجون الاحتلال.

بعد إقرار قانون القومية (2017)، إلى جانب عشرات القرارات والقوانين العنصرية التي تؤكد عنصرية هذا الكيان. يأتي قانون إعدام الأسرى ليمثل الحلقة الواضحة التي بددت كل غموض، وفضحت كل إدعاء حاولت إسرائيل إخفاء وجهها الحقيقي خلفه، وبذلك، تكون إسرائيل قد سارت على نفس خطوات "الحزب الوطني اليميني" الذي قاد جنوب إفريقيا في حقبة الفصل العنصري؛ فقد كان صعود هذا الحزب وتسلمه مقاليد السلطة عام 1948، ثم تبنيه جملة قرارات وقوانين عنصرية، كانت الحكومات التي سبقته تمارسها فعليا ولكن دون التباهي بها، فجاء الحزب الوطني وشرعنها وجعلها سياسة رسمية معلنة ومعتمدة للبلاد، وكان هذا إيذانا ببدء التحول الذي انتهى بسقوط الحزب وسرديته، وانهيار نظام الفصل العنصري للأبد..

لقد كشفت حرب الإبادة للعالم أن إسرائيل تمارس التطهير العرقي والتمييز العنصري وتقتل الأطفال والمدنيين.. وانهارت سرديتها المزعومة بأنها ضحية ومظلومة وتدافع عن نفسها.. بالتالي صار العالم مهيأ أكثر لعزل إسرائيل ومعاقبتها، فمثلا أدان الاتحاد الأوروبي القانون الإسرائيلي بهذا الشأن لكونه  قانون تمييزي يطبق حصراً على الفلسطينيين،  ولأن أوروبا ترفض عقوية الإعدام، وهدد الاتحاد بتعليق اتفاقية الشراكة مع إسرائيل، بما في ذلك الاتفاقيات التجارية والتعاون الاقتصادي.

كما أعربت العديد من دول العالم عن رفضها واستنكارها للقانون، مع إجماع على وصفه بالخطير، والعنصري، وأصدرت بيانات منفصلة اعتبرته تصعيدا خطيرا وخرقا جسيما للمواثيق الدولية، ويمثل صورة مشينة من صور الفصل العنصري.

أما الموقف الأميركي فلم يكن مستغربا، رغم أنه يفضح ازدواجية معايير الإدارة الأميركية، ويؤكد انحيازها السافر والأعمى لصالح إسرائيل، حتى في المواقف التي تستنكرها وترفضها بشدة إذا أتت من دول وكيانات أخرى..إذ امتنعت واشنطن عن إدانة القانون، وجاء في بيان الخارجية الأميركية: "تحترم الولايات المتحدة حق إسرائيل السيادي في تحديد قوانينها والعقوبات المفروضة على المدانين بالإرهاب".

صحيح أن الموقف العربي والأوروبي والعالمي، لم يرقَ للمستوى المطلوب، لكن هذا القانون سيء الصيت يوفر حافزا وفرصة لنجعل منه عنواناً لحملة وطنية شاملة ومتواصلة، ووسيلة لكشف الوجه العنصري لمنظومة القضاء الاحتلالية وفاشية الاحتلال.

مثل هكذا حملة يتوجب عليها أن تتجاوز الخطابية والشعارات، وعدم الاكتفاء ببيانات الإدانة والاستنكار، بأن تبني تحالفات جادة مع المؤسسات الحقوقية العربية والدولية، و"منظمة العفو الدولية" و"هيومان رايتس ووتش"، وأن تستهدف الأمم المتحدة، ومجلس حقوق الإنسان، والرأي العام العالمي، وسائر القوى والفعاليات وحركات المقاطعة حول العالم. وأن تستثمر اللحظة التاريخية التي بات فيها العالم مهيؤ أكثر لرفض وإدانة الاحتلال الإسرائيلي ورفض كافة أشكال التمييز والعنصرية.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق