أثناء خطاب نتنياهو أمام الجمعية العامة في أيلول 2023،
رفع خريطة لمنطقة الشرق الأوسط وقال: "سيتغير الشرق الأوسط كله، وسنبني ممرا للسلام
والرخاء يربط آسيا عبر الإمارات والسعودية والأردن وإسرائيل وصولا إلى
أوروبا".
قبل الحرب على غزة كانت تدور في الخفاء حرب عالمية صامتة
بين الأقطاب الدولية المتنافسة، وأهمها الولايات المتحدة في مواجهة الصين، وهي حرب
اقتصادية وتجارية وتكنولوجية وسيبرانية، وحرب أخرى متصلة بين روسيا من جهة، وحلف
الناتو من جهة ثانية، وعنوان هذه الحرب وحيزها أوكرانيا، وتسعى روسيا (والصين) من
خلالهما إعادة بناء النظام الدولي، واستعادة روسيا لدورها ومكانتها، وتبؤ الصين
على قمة النظام بثقلها الصناعي والاقتصادي والتكنولوجي، الأمر الذي تحاربه أميركا
بشدة.
لهذا الصراع الدولي تجليات عديدة، لكن تموضع القوى
الإقليمية والعالمية على جانبي الصراع لا يتخذ أشكالا صارمة ونهائية، بل تتداخل
فيه التحالفات على نحو معقد ومتشابك. فإذا تناولنا إحدى تجليات تلك الحرب، سنجد
صراعا وتنافسا حادا على الممرات المائية والطرق التجارية العالمية، بهدف السيطرة
على مسارات تدفق الطاقة والبضائع والخدمات (عصب الاقتصاد العالمي)؛ والتي باتت
تُعرف بحرب الموانئ.. بموازاتها، وفي السياق ذاته اندلعت قبل عقد من الزمان حرب
الطرق التجارية، حيث أطلقت الصين مشروعها العملاق والأضخم عالميا، المتمثل بطريق
بري يصل الصين بالشرق الأوسط وبأوروبا بأقصر الطرق الممكنة، كلفها مليارات
الدولارات، وجعلها أقرب إلى قلب العالم. وقبل الحرب بفترة وجيزة أُعلن عن طريق بري
بحري عملاق ليكون البديل والمنافس لطريق الحزام الصيني؛ يبدأ (بحريا) من الهند،
ويمر (بريا) بدول الخليج والأردن وينتهي بإسرائيل.
هذا الصراع وكل تلك المشاريع غير منزوعة عن سياق حرب
أخرى سبقتها، دارت رحاها في سورية، وقد تبين أن من بين أهم أسبابها الصراع على
حقول وأنابيب الغاز، وطرق توصيله، وكانت الأطراف اللاعبة في الصراع كلٌ من روسيا،
إيران، أميركا، قطر، وهي أهم مصادر الغاز في العالم، بالإضافة لتركيا (الممر
والناقل)، وأوروبا (المتلقي والمستفيد). وما زاد من حدة صراع الغاز، اكتشاف حقول
غنية من الغاز على شرق المتوسط. وقبل اندلاع الحرب بفترة وجيزة تم الاتفاق بين
إسرائيل ولبنان (بمباركة حزب الله) على ترسيم الحدود بينهما، بما في ذلك حدود
المياه الإقليمية والتي تقع فيها حقول الغاز.
يُعد هذا
المخطط أحد أهم أعمدة مشروع السلام الاقتصادي، فهو ليس مجرد مشروع نقل، بل رؤية
جيوسياسية لإعادة تشكيل المنطقة اقتصاديًا. بحجة تعزيز التجارة الإقليمية، تهدف
الخطة لبناء تعاون عربي إسرائيلي بحيث يغدو فيه الاقتصاد مدخلًا للسلام بدلا من
الاتفاقات السياسية. وتصبح إسرائيل عقدة التجارة الإقليمية، بعد أن
تغدو بديلا عن باب المندب وقناة السويس، ومضيق هرمز، وتغدو موانئها بديلا عن سائر الموانئ
العربية الأخرى.
يمنح المخطط إسرائيل
قوة اقتصادية مضاعفة، ونفوذًا سياسيًا دائمًا، ويمكنها من تجاوز الحل السياسي
للقضية الفلسطينية (التي ستتحول من قضية تحرر وطني إلى قضية تنمية اقتصادية). وفي
المحصلة، بعد التطبيع يتم دمج المنطقة اقتصاديًا، ويخف الضغط الدولي على إسرائيل، التي
سترسخ الاحتلال دون تسوية نهائية.
ولتعبيد الطريق
أمامه تم تفجير خط أنابيب الغاز "نورد ستريم 2" (أيلول 2022)، لمنع
إمدادات الغاز الروسي لأوروبا، وإجبارها على شراء الغاز الأميريكي. وفي آب 2020 تم
تفجير مرفأ بيروت، ومن قبلها تم إخراج ميناء اللاذقية عن الخدمة، وفي أثناء الحرب على
غزة تم استهداف ميناء الحديدة اليمني، وقامت مجموعات متمردة باستهداف ميناء
بورتسودان.. وأثناء الحرب على إيران تم قصف ميناء عُمان، والملفت للانتباه أن
إيران أنكرت مسؤوليتها عن القصف، واتهمت إسرائيل.. من الواضح أن الهدف إبقاء ميناء
حيفا الوحيد القادر على خدمة إمدادات الغاز والبضائع إلى أوروبا. ولا يبدو أن تلك
التفجيرات أتت صدفة.
لكن هذا
المخطط واجه منذ البداية مشكلة كبيرة؛ فهذا الطريق الطويل الواصل بين الهند إلى
حيفا لا يمكن أن يشكل بديلا عن النقل البحري، نظرا لتكلفة النقل البري الإضافية،
ما ينشأ عنها من تأخير أثناء التفريغ والتحميل، وبالتالي تحتاج وقتا أطول لوصول
البضائع إلى الموانئ.. إذا ما الحل؟
المؤسف أن
الحل أتى من جهة العدو! لا أعلم إن كان ذلك مصادفة، أم غباء، أم سوء تخطيط، أم
نتيجة عرضية غير مقصودة، ولا بد منها..
في البداية أعلن
الحوثيين ما يشبه الإغلاق لباب المندب، وتم استهداف السفن المارة، خاصة التي اعتبروها
تتبع جهات معادية، الأمر الذي دفع بتغيير مسارات السفن وتجنب المرور عبر قناة
السويس.. صحيح أن إسرائيل تضررت نسبيا، وجمدت العمل (أو قلصته للحد الأدنى) في
ميناء إيلات.. لكن إسرائيل لديها بدائل أخرى على المتوسط.. أما المتضرر الحقيقي
فكانت مصر، التي شهدت تراجعا حادا في مدخولات القناة. لكن المسألة لم تقتصر على
ذلك؛ الأخطر هو تفكير شركات النقل الكبرى بالبحث عن بدائل، وأولها سيكون طريق
الهند – الإمارات – حيفا، التي تحدثنا عنه سابقاً.
بعد العدوان
على إيران، لم يعلن الحرس الثوري إغلاق مضيق هرمز رسميا، لكنه عمليا أغلقه وفرض
رسوما باهظة (مليوني دولار) على كل ناقلة وسفينة يسمح لها بالعبور، هذا الإغلاق
تسبب بأزمة طاقة عالمية، وأعاق أهم الطرق المائية في العالم.. المتضرر دول شرق آسيا
التي تعتمد على نفط الخليج، والمستفيد الأكبر أميركا، التي ستجبر العالم على شراء
نفطها بأسعار مضاعفة.
بعد باب
المندب، جاء إغلاق هرمز ليجبر السفن على التفكير جديا بالبحث عن بدائل.. وأهمها إسرائيل
التي ستصبح ممرا إجباريا، أو بديلا عن الطرق المائية التقليدية، حتى لو أعيد فتح
المضائق بعد الحرب.. وفي جميع الحالات إسرائيل مستفيدة، ومصر متضررة.
دون التقليل
من أهمية قناة السويس على الاقتصاد العالمي، حيث يمر منها 12% من تجارة العالم، لنتذكر
أن القناة أُغلقت لثماني سنوات متواصلة بعد حرب ال1967، حينها استطاعت الدول
التكيف وإيجاد بدائل، منها الدوران حول رأس الرجاء الصالح.
من أكثر المواضيع
التي طرحها نتنياهو في اجتماعاته ومقابلاته الصحافية سعيه مع واشنطن لتجاوز نقل
النفط من الخليج العربي عبر أنابيب تمر من إسرائيل بدلا من مضيق هرمز، ما يعني أن هذا
أحد أهم أهداف الحرب على غزة وعلى المنطقة، وقد تم التخطيط لها مسبقا..
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق