أهلا بكم

على هذه الصفحة نثير التساؤلات ،، ونفكر ،، ولا نعرف حدوداً للتوقف

آخر الأخبار

أبريل 02، 2026

هكذا يكون المؤثرون

 يعجُّ عالم التواصل الاجتماعي بالمئات ممن يعرفون بالمؤثرين، أي أولئك المشاهير الذين يظهرون على منصات يوتيوب وتيكتوك وغيرها، ولديهم ملايين المتابعين.. هل هم مؤثرون حقاً؟ وماذا يقدمون؟ باستثناء قلة قليلة جداً ممن يقدمون محتوى هادف ومفيد، سنجد البقية لا يقدمون سوى خطاب شعبوي تحريضي، ومعلومات مضللة، ومحتوى تافه..

سأقدم لكم ثلة من أوائل المؤثرين، قبل ظهور منصات التواصل الاجتماعي، ممن كانت لهم إسهامات تاريخية إيجابية بالغة الأهمية، وتحديدا من الوسط الرياضي؛ وسنبدأ بلاعب "الكونغ فو" الأشهر "بروس لي".

في طفولته واجه "بروس لي" تمييزا عنصريا من قبل أبناء بلده، بسبب عدم "نقاء دمه"، لأن أمه من أصول ألمانية، وكان الصينيون في ذلك الوقت يعتبرون تعلم فنون القتال شرفٌ خاص لذوي الدم الصيني النقي.

غادر "بروس لي" بلده هونغ كونغ إلى الولايات المتحدة حاملا معه ثقافة موطنه التي خزّنها في عضلات جسده النحيل، وهناك افتتح مدرسة لتعليم فنون الكونغ فو استقطبت محبي اللعبة من مختلف الأعراق والثقافات، فحاربته الجالية الصينية بضراوة بنفس الذريعة التي دفعته للهروب من بلده: أسرار الكونغ فو حكر للصينيين وحسب. فكان رده عليهم أن هذه مجرد رياضة، وثقافة عريقة تقوم على فلسفة التوازن بين القوى المتضادة والمتكاملة، تهذب النفس، وتدعو للبساطة والتواضع والعودة إلى الفطرة النقية.. وهي مُثل إنسانية تسمو فوق كل تصنيف..

كما واجه عنصرية المجتمع الأميركي، حيث رفضته عائلة زوجته لأنه "صيني"، لكن زوجته غلّبت الحب على العنصرية واختارته خلافا لرغبة عائلتها.. معركته التالية كان ضد عنصرية منتجي الأفلام في هوليود، وضد الصورة النمطية للرجل الآسيوي في الوقت الذي كان العالم يعيش تطاحنا إيديولوجيا.

قدمت الأفلام الأميركية الشخصية الآسيوية بصورة خادم، أو مجرم خطير، أو ماكر وهارب من العدالة، ومجرّد من الإنسانية، لكن "بروس لي" غيَّر تلك الصورة كلياً، فكان أول رجل آسيوي يجسّد كل علامات الرجولة التقليدية في الأفلام الأميركية؛ ليس في جسده الرياضي الممشوق وحسب، بل في طريقة قتاله الشجاعة، وانتصاراته المتكررة، وطرحه فكرة القتال النبيل، وفي إبراز إنسانيته بكل معانيها.. فتمكن من هزيمة إرث غربي ثقيل من العنصرية تجاه الآسيويين. كما بنت هوليود صورة نمطية أخرى جعلت الأميركي "الخارق" ممثلاً وحيدا لقيم الخير والعدالة في مواجهة قيم الشر التي يجسدها الآخر (الصيني، الياباني، الفيتنامي، الروسي، الألماني.. باختصار كل أعداء أميركا)، أو تجعل الرجل الأبيض عموما (الأميركي والأوروبي) وحده من يمثل الخير والرقي والتحضر، لكن أفلام بروسلي كسرت تلك الصورة، ولم يعد البطل أميركيا بالضرورة. الأمر الذي دفع بهوليود للانفتاح على تقديم فنون القتال المختلفة الخاصة بالثقافات والأعراق الأخرى.

أشعل فيلمه "عودة التنين" شرارة الشغف تجاه فنون القتال حول العالم، ما أدى إلى إعادة افتتاح معبد الشاولين، أحد المعابد البوذية القديمة، فتدفقت إليه أعداد كبيرة من الشبان، حتى أن الرئيس الأمريكي "نيكسون" زاره في العام 1972، وكانت تلك بداية توجه أميركي نحو فتح قنوات حوار مع الصين.

في فيلمه "قبضة الغضب" أظهر اضطهاد اليابانيين لأبناء بلده مقابل صورة المقاتل الشجاع في مواجهة عنصرية الغزاة، تلك الصورة جعلت الصينيين يفتخرون بأنفسهم.

لم تكن أفلامه مجرد عروض لفنون القتال واستعراضاً لعضلاته ومهاراته؛ بل كانت دروسا في نبذ العنصرية، ونشر أفكارٍ فلسفية من قلب الثقاقة الصينية العريقة، تُعرض لأول مرة أمام جيل متعطش للأفكار والفلسفات الروحية القديمة، مثل الوصول للسلام الداخلي والخارجي بعيدًا عن القيود الاجتماعية الجامدة، والعيش وفقاً للتلقائية الطبيعية والحرية الشخصية، والابتعاد عن الطموح الجشع والتعقيدات الاصطناعية. وفلسلفة عدم معاداة الطبيعة بل الانسجام مع التدفق الطبيعي للأمور بدلاً من مقاومتها.. ظهرت تلك الأفكار في أساليب قتاله، أي التكيف مع الخصم، واستخدام ما ينفع فقط، معتبراً أن المقاتل يجب أن يكون كالماء، يتشكل بمرونة حسب الظروف.

لم يتسنَّ له توضيح كل فلسفاته في أفلامه، إذ باغته القدر في ذروة تألقه، فكانت نهايته تراجيدية، تماما مثل نهايات الأساطير الصينية والإغريقية القديمة، ومثلما عاش حياة أسطورية قُـدّر لموته أن يكون أسطورياً غامضاً، وأن تُحاك حوله القصص ونظريات المؤامرة.

بطلنا الثاني، الأسطورة البرازيلية الأشهر "بيليه".. وصف بيليه كرة القدم باللعبة الجميلة، وظيفتها المتعة والدهشة، لا مجرد منافسة، واعتبرها أداة للحب والسلام وأداة لعلاج مشاكل العالم وتوحيد الشعوب على قيم الإنسانية، وقد استخدم شهرته لتعزيز السلام، ونُسب إليه دور في وقف الحرب الأهلية في نيجيريا، كما أدرك مسؤوليته كنموذج يحتذى به للأطفال، مشدداً على أهمية تربية الأجيال على القيم الإيجابية النبيلة داخل وخارج الملعب.

مثله، كان لاعب المنتخب البرزيلي المثقف الملتزم "سقراط"؛ كان طبيباً ومفكراً ومناضلاً، آمن بأن كرة القدم أداة للتغيير الاجتماعي والسياسي. تمحورت رسالته حول الديمقراطية والعدالة وحرية التعبير، ووظف شهرته للدفاع عن المهمشين ومحاربة الديكتاتورية.

أما الأسطورة الأشهر محمد علي كلاي فكان نموذجا ملهماً للأنفة والثقة بالنفس، وإعلاء قيم الحرية والكرامة الإنسانية، وقد حوّل حلبة الملاكمة إلى رمز للتمرد ضد العنصرية والظلم. خاض نضالا طويلا في الدفاع عن الحقوق المدنية، ومناهضة التمييز العنصري، ضحى بلقبه العالمي في ذروة مسيرته الرياضية برفضه التجنيد في حرب فيتنام، آمن بأن العقل والإرادة أقوى من العضلات، وقد لخصها في مقولته: "حلق كالفراشة، والسع كالنحلة". اعتنق الإسلام ورفض اسم العبودية (كاسيوس كلاي) ليصبح "محمد علي"، بعد اعتزاله واصل نشاطه سفيراً للنوايا الحسنة وداعية للسلام.

وأيضاً، كريستيانو رونالدو أشهر وأغنى لاعبي كرة القدم حالياً، تبرّع بجوائز مالية كبرى، من بينها مكافأة دوري أبطال أوروبا وجائزة الحذاء الذهبي، دعم العديد من المبادرات الإنسانية حول العالم، وتبرع بملايين الدولارات لمساعدة ضحايا الكوارث الطبيعية، وموّل عمليات جراحية منقذة للحياة، ولديه العديد من اللفتات الإنسانية تجاه أطفال، وتجاه أشخاص ذوي إعاقة..

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق