يمكن رصد
أربعة تحولات في الإستراتيجية الإسرائيلية تجاه الشعب الفلسطيني ورؤيتها لحل
الصراع؛ بدأت الإستراتيجية الأولى بعد النكبة، فتعاملت مع من بقي من الفلسطينيين
بنوع من الإهمال، باعتبارهم مجرد قوى عاملة رخيصة، ومجرد أقلية هامشية أقل تحضرا
من اليهود، وكان عددهم نحو 180 ألف نسمة، لكنها شددت القيود على تحركاتهم
ومعيشتهم، وتعاملت معهم بعنصرية.. ومع ذلك يعتبر اليمين الصهيوني أن تلك الإستراتيجيةكانت أكبر غلطة اقترفها جيل
المؤسسين، حيث عجزوا عن طردهم كليا. اليوم بلغ عددهم قرابة2.1 مليون
نسمة، ويمثلون حوالي 21% من إجمالي السكان، ومنهم نخبة مثقفة ونشطة، وعلى درجة
عالية من التعليم والكفاءة المهنية، ولديهم كتلة مهمة في الكنيست. وصاروا أهم
معضلة ديموغرافية تهدد مستقبل إسرائيل.
كانت الضفة
الغربية وقطاع غزة خارجة كليا عن نطاق الاحتلال، ولولا سلسلة أخطاء كارثية
اقترفتها الأنظمة العربية لما حصلت النكسة.. بعد النكسة وجدت إسرائيل نفسها أمام
معضلة ديموغرافية أكبر وأخطر من سابقتها، فقد انتهت الحرب بسرعة، ولم تتمكن
إسرائيل من القيام بعمليات تهجير كما حصل في النكبة. وهنا بدأت الإستراتيجية
الثانية.
تمثلت الإستراتيجية
الثانية بمحاولات دمج وتوطين الفلسطينيين على جانبي الخط الأخضر، ففتحت الحدود
وسهلت التنقلات والوصول إلى مناطق الداخل، في إطار سعيها لتدجين العقل الفلسطيني
وتطويعه وكيّه لتكريس حالة التطبيع والتعايش مع الاحتلال بإعادة الحياة الطبيعية
في الأراضي المحتلة، والإيحاء للعالم بليبرالية الاحتلال وديمقراطيته. الأمر الذي
تطلب تنظيم انتخابات بلدية بهدف إقامة سلطة احتلال تتستر بالعمل من خلف البلديات
التي ستُمنح صلاحيات إدارية واسعة، وستتعاون مع الحكم العسكري بشكل أوثق، وتفويض
تلك القيادات سلطة تمثيل الفلسطينيين، ليكونوا بديلا عن منظمة التحرير الفلسطينية؛
فيتحول الاحتلال إلى ظاهرة غير مرئية، مع تحسين الظروف الاقتصادية للسكان. إضافة
إلى الهدف الأمني الذي سيحققه الحكم العسكري آنذاك من خلال فلسفة قائمة على عدم
دفع المواطنين إلى العمل السري، وإبقائهم تحت المراقبة بحيث يمكن ضبطهم والسيطرة
عليهم.
وهذا الهدف
مرتبط بفكرة استعمارية مفادها أن القوى المحلية يمكن ترويضها والسيطرة عليها
واستخدامها والتعامل معها باعتبارها جزءا من المنظومة الاستعمارية الاحتلالية،
خلافا للقوى الخارجية (منظمة التحرير) التي يصعب تحقيق أو ضمان النقاط السابقة في
التعامل معها. في هذه الحالة فإن حصر القضية مع القوى المحلية يعني إبقاء القضية
الفلسطينية في إطارها المحلي الضيق، باعتبارها مشكلة سكانية، بينما التعامل مع
منظمة التحرير سيعطي للقضية الفلسطينية بُعداً دولياً، باعتبارها قضية سياسية
وطنية تستوجب حلولا سياسية جذرية، مثل قضية حق العودة، وحق تقرير المصير، وإقامة
دولة مستقلة.
فشلت تجربة
الانتخابات البلدية بعد أن أفضت إلى فوز الكتل المؤيدة لمنظمة التحرير، وسقوط
القوى التقليدية التي كانت متقبلة للاحتلال، ترافق ذلك مع استلام الليكود للسلطة،
الذي حمل رؤية وسياسة مختلفة عن سلفه حزب العمل، وتقوم على التضييق والقمع
والاستيطان، وبشكل أكثر سفورا، فقامت السلطات بحل البلديات واعتقال رؤسائها، وإبعاد
العديد من القيادات الميدانية.
التطور الأهم
الذي فرض على إسرائيل تغيير إستراتيجيتها تمثل في الانتفاضة الأولى، بعد الفشل في فرض
صيغة حكم ذاتي (لا يفضي إلى دولة)، ومع ذلك دامت محاولات الدمج حتى العام 1991، فبعد
حرب الخليج الأولى مباشرة بدأت الإستراتيجية الثالثة والتي تمثلت بالفصل بين "إسرائيل"
و"الأراضي المحتلة"، أي الفصل بين الشعبين. فشددت الحراسة على الخط الأخضر،
وأقامت الحواجز وصار التنقل بحاجة إلى تصاريح..
بعودة حزب العمل للحكم عادت إسرائيل لصيغة
الانفصال ولكن عبر حكم ذاتى موسع مع السيطرة على الأمن والموارد.. فجاء اتفاق أوسلو
الذي مثّل لإسرائيل حلا معقولا (أو مؤجلا) للمعضلة الديموغرافية في الأرض المحتلة،
وبالنسبة للفلسطينيين خطوة (أو مغامرة) نحو التحرر والاحتلال. لكن هذا الحل لم
ينجح، وبدأت معالم انهياره بفشل مفاوضات كامب ديفيد 2000، والتي أدت إلى الانتفاضة
الثانية..
اليوم، بصعود وهيمنة اليمين الصهيوني وبعد
حرب الإبادة على غزة، ومع استشعار إسرائيل أنها في كامل عنفها وجبروتها أخذت تتبع إستراتيجية
جديدة لحل الصراع جذريا؛ وهي تغيير معالم غزة جغرافيا وديموغرافيا وسياسيا وبالقوة
العسكرية المباشرة، في الضفة الغربية تسريع التغلغل الاستيطاني وتفكيك الكيانية
السياسية الممثلة للقضية (السلطة الوطنية)، وإعادة تجريب ما فشلت به سابقا: القضاء
على المجتمع الفلسطينى، ومصادرة أكبر جزء ممكن من الأرض بصورة متسارعة عن كل
المراحل السابقة، وممارسة التهجير البطيء للفلسطينيين، تمهيدا لاستيطانها بلا سكان
أو بالحد الأدنى منهم، الذين سيكونوا مجرد أقلية "سكانية" بلا مؤسسات ودون
قيادة وطنية وبلا تمثيل سياسي.
كل السياسات السابقة (الدمج، وكي
الوعي، والحكم الذاتي، والانفصال، والضم، والتغلغل، والقوة الغاشمة، والحلول الأمنية..)
فشلت، والسبب الأهم لفشلها هو بقاء الشعب الفلسطيني فوق أرضه، وهذا أقوى وأهم عامل
قوة بيد الفلسطينيين، إضافة للعامل الثاني الذي لا يقل أهمية: وجود تمثيل سياسي
جامع للفلسطينيين يحظى بشرعية شعبية ودولية، وطالما أنّ إسرائيل عاجزة عن طرد
الفلسطينيين وإلغاء كيانيتهم السياسية ستظل تحصد الفشل.
فى هذه اللحظة إسرائيل فى ذروة قوتها
وجبروتها وغطرستها، وتعتقد أنها أمام فرصة تاريخية لن تتكرر، بالتالي هي متجندة تماما
لانجاز إستراتيجية سحق وتحطيم الكيانية الفلسطينية، لكنها حتما ستفشل، فالفلسطينيون
أكثرا وعياً وأكثر تجذرا في الأرض، والعالم لن يقبل بهذه الغطرسة الإسرائيلية، وثمة
تحولات كبيرة وعميقة في المنطقة وفي بنية النظام الدولي، ستسحب البساط من تحت أقدامهم.
وحركة التاريخ تمشي للأمام.
ما يفعله اليمين الإسرائيلي أنه يلعب
في الوقت الضائع، في محاولات يائسة لتصعيب الموقف، وتعقيد المشهد، وتثبيت حقائق
ومنجزات على الأرض، بالقوة الغاشمة، لجعل حياة الفلسطينيين أصعب، وأشبه بالجحيم،
ودفعهم للهجرة..
منطق القوة والعربدة والظلم يدوم
لفترة، لكنه يسقط دائما.. ويرتد على صاحبه، حتى يخنقه ببطء.. لذلك ليس أمام إسرائيل
سوى إنهاء الاحتلال والاعتراف بحقوق الشعب الفلسطيني.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق