مع تصدع الدولة العثمانية وظهور علامات انهيارها في
النصف الثاني من القرن التاسع عشر ظهر مفهوم "الجامعة الإسلامية" الذي
ارتبط بالخلافة العثمانية بقصد حمايتها والحفاظ على وحدة كيانها بوصفها دولة جامعة
للمسلمين. وبالتركيز
بشكل أساسي على التحدي الخارجي الأوروبي الهادف إلى تفتيت الدولة العثمانية، تمهيدا
لاحتلال المناطق التي كانت تحت حكمها. وقد ارتبط هذا المفهوم بالشيح جمال الدين
الأفغاني.
ومع انهيار الدولة العثمانية ظهر مفهوم آخر ارتبط
بالشيخ محمد عبده، وهو مفهوم "التقريب بين المذاهب"، بالتركيز بشكل
أساسي على التحدي الداخلي، والمتمثل تحديداً في تنامي ظواهر الطائفية والتعصب
والتباعد بين أتباع المذاهب الإسلامية. من الناحية التاريخية، حل مفهوم "التقريب" مكان مفهوم "الجامعة
الإسلامية"، واكتسب شهرة أوسع مع أنه امتداداً له، واستمراراً للنهج الفكري
والإصلاحي نفسه. فطرح
محمد عبده القومية الوطنية المصرية بدلاً من "الجامعة الإسلامية"
الشاملة، مؤكدا على وحدة أهل الوطن الواحد (من كافة الأديان والطوائف) في مواجهة
الاستعمار، مطوّراً فكره نحو الوطنية بعيداً عن الرابطة الدينية العابرة
للحدود، داعياً إلى التوفيق بين الإسلام وقيم الحداثة والعصر.
ما يعنينا من هذه السرد التاريخي الموجز أن تلك التجربة انتهت
بالفشل، فقد خضعت كافة دول المنطقة تقريبا لهيمنة الاستعمار المباشر، ومع انتصاف
القرن العشرين، حلت النكبة بفلسطين، وتم تكريس واقع التجزئة. وتلك كانت أهم الأسباب
الخارجية لفشل أول تجربة إصلاح وتنوير عربية، أو أول محالة نهوض، أما أسباب الفشل
الداخلية فهي كثيرة، ولا مجال لذكرها هنا، لكن نشوء جماعة الإخوان المسلمين كان من
أبرزها، جيث طرحت الجماعة فكرا دينيا سلفيا ماضويا مغايرا لأفكار الإصلاح والتجديد،
وهذه الجماعة اكتسبت شعبية كبيرة، وانتشرت في عموم العالم الإسلامي، مدشنة مرحلة
جديدة من "الإسلام السياسي".
في الحقبة الاستعمارية اندلعت العديد من الثورات العربية لمقاومة
الاستعمار (عبد القادر الجزائري، عمر المختار في ليبيا، عبد الكريم الخطابي في
المغرب، أحمد عرابي في مصر، عز الدين القسام في فلسطين، ثورة العشرين في العراق..)
ومن جهة أخرى تشكلت العديد من الأحزاب سواء لمقاومة الاحتلال، أو لمواجهة مخططات
التجزئة مثل حزب البعث، والأحزاب الشيوعية، والحزب القومي السوري الاجتماعي وغيرها..
أيضا انتهت تلك الحقبة على واقع جديد لم يحقق طموحات الشعوب في
الانعتاق والحرية والتقدم؛ فإن نجحت الأقطار العربية في التحرر ونيل الاستقلال، إلا
أن واقع التجزئة قد تكرس تماما، بكل ما عناه بعد ذلك من تبعية للغرب، وتعثر
محاولات النهوض والتقدم، وتحول تلك النظم إلى نظم استبدادية، تنتهك كرامة الإنسان.
ردا على هذا الواقع المزري والمخيب للآمال ظهرت مع بداية الخمسينيات
ثلاث تيارات سياسية وفكرية.. التيار القومي بشقيه الناصري والبعثي، والذي ازدهر في
تلك الفترة وتولى السلطة في أكثر من قُطر.. التيار الإسلامي الذي بدأ عوده يشتد
ويتوسع مع مطلع السبعينيات.. والتيار اليساري الذي ظل معارضا ومقموعا وعلى الهامش،
مع إنه على المستوى النظري والفكري كان منتشرا بقوة.
تلك التيارات الثلاثة تتناقض فكريا وسياسيا، ما يجمعها أنَّ
تجاربها انتهت بالفشل والإخفاق؛ التيار القومي بدأ بالتراجع بعد النكسة ثم انقلاب
السادات، وتصارع جناحي البعث السوري والعراقي والمآلات الحزينة التي انتهت إليها
الثورة الجزائرية مع العشرية السوداء. التيار اليساري تلقى ضربة قاصمة بتفكك المنظومة
الاشتراكية وانهيار الاتحاد السوفييتي.. التيار الإسلامي بدأ بالتراجع مع ارتدادات
ثورات الربيع العربي، وفشل جميع تجاربه في كافة المناطق التي سيطر عليها، أو حكمها،
وفشل شعاراته الانتخابية عندما وضعت على المحك.. وانتهاء بتراجعه في تونس ومصر
ومحاصرته من قبل دول المنطقة، ثم ظهور داعش ومشتقاتها، ولعل الضربة القاضية تمثلت
في حرب غزة.
باختصار، كل تلك الثورات والأحزاب والتجارب والتيارات هُزمت، وانتهت
بالفشل.. فقد أخفقت في تحقيق أهدافها، وتكشف نزوعها نحو السلطة بمجرد استلامها
الحكم، ولم تقدم أي نموذج ناجح لا في الحكم ولا في إدارة الصراع، وتحولت إلى
دكتاتوريات قمعية، ونظم رجعية، والأهم أنَّ هشاشة شعاراتها تكشفت بمجرد اختبارها على
أرض الواقع..
ما يعنينا في هذه المعالجة السريعة أن تلك القوى انتهت فعليا، أو تراجع
حضورها، أو صار بعضها مجرد ذكرى تاريخية.. لكن شعاراتها بقيت حاضرة.. ومؤثرة، بل
وتشكل عصب الفكر والحراك الاجتماعي والسياسي في المنطقة العربية عموما !!
السؤال: كيف لشعارٍ ثبت فشله، أو تبين خواؤه، ولم ينجح في الاختبارات
العملية.. كيف له أن يظل حاضرا ومؤثرا في الذهنية العربية؟ هل لأن الشعار ساحرا
لدرجة الخديعة؟ أم لأنه اقترن بزعيم كاريزمي؟ أو لأنَّ حركة واعدة مضحية حملته؟
الإجابة تكمن في فهم سيكولوجية الجماهير العربية، وفي طبيعة ثقافتهم، ولا
حاجة هنا لتفكيك تلك الشعارات وتفنيدها؛ فهي شعارات جميلة في الغالب، وبراقة،
ومصاغة بلغة فصيحة، وهي ملائمة تماما للخطابات أمام الحشود.. فالأزمة ليست في
الشعار نفسه، فثمة شعارات طُرحت آنذاك وكانت صائبة وصحيحة تماما.. وهنا تتضح إجابة
أخرى، تتمثل في جمود العقل العربي عند النص أو الشعار، والتعامل معه كصنم وتابو، وأنه
غير قابل للتغير بتغير الأزمان، وبالتالي سلبه حيويته وقدرته على التطور والتكيف مع
المتغيرات.
العقلية العربية عموما "نَصّـية" تقدس النص، وتتبعه حرفيا،
وتعتبره معيارا وبديلا عن النقد والتفكير.. وهي أيضا ذات ثقافة سمعية، وتفكر بعواطفها..
مجروحة في كرامتها، ومهزومة في وجدانها، مقموعة فعليا من قبل الأنظمة البوليسية،
ومن قبل جماهير الغوغاء وربما بدرجة أشد..
مسلسل الهزائم العسكرية والأزمات السياسية والاقتصادية التي عصفت بالعالم
العربي، أوجدت طبقات من الفاسدين، ومن البنى الفوقية المستبدة (سلطات الحكم
وتحالفها الأوليغارشي)، كما أوجدت قوى معارضة فاسدة وفاشلة ومرتبطة بالخارج ومرتهنة
لبرامج وأجندات مغتربة عن الواقع.. مقابل جماهير مغيّبة، محاصَرة، مقموعة، تعاني
البطالة والفقر والتهميش.. جماهير حائرة، وعاجزة عن الرد، وعن الفعل الحقيقي، تكافح
بكل تعب من أجل قوتها اليومي..
لكن هذه
الجماهير تتوق لحريتها، وتحلم بكرامتها المسلوبة، وتعض على جراحها بألم مكبوت.. مشكلتها
أنها عوضا عن التفكير النقدي تعلقت بتلك الصورة الوردية التي خلقتها تلك الشعارات
البراقة.. وظلت محكومة لها، وأسيرة لصداها المحبب على السمع، فخلقت لنفسها عالما
موازيا مثاليا، لكنه منفصل عن الواقع.
ثقافة الشعارات
أوجدت جماهير غير مؤثرة، حتى لو تحركت وصرخت وتظاهرت وملأت الساحات، لأنها مسلحة
بشعار تجاوزه التاريخ، ولم يعد صالحا للاستهلاك. باختصار؛ لأن ثقافة الشعارات حوّلتها
إلى مجرد ظاهرة صوتية.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق