أهلا بكم

على هذه الصفحة نثير التساؤلات ،، ونفكر ،، ولا نعرف حدوداً للتوقف

آخر الأخبار

يناير 23، 2026

عن الظاهرة الترامبية

 

هل ترامب مجنون ونرجسي فقط؟ ويتصرف من تلقاء نفسه؟ أم ينفذ إستراتيجية أميركية متأصلة؟

سؤال محير، وأظن أن أي إجابة جاهزة ستكون غير دقيقة، ذلك لأن الظاهرة الترامبية مسألة معقدة ومتداخلة، وللإجابة عليه يتوجب معرفة آليات صنع القرار في الولايات المتحدة.

تسود مقولة أن الرئيس الأميركي (تاريخيا) مجرد واجهة سياسية، وينفذ سياسات وإملاءات الدولة العميقة، ويحمي مصالحها.. وفي هذا القول قدر من الصواب، لكنه يقودنا إلى سؤال آخر: ما هي الدولة العميقة؟

بتعريف مبسط للدولة العميقة؛ هي شبكة غير ظاهرة مكونة من أصحاب النفوذ الاقتصادي والأمني ومراكز القوى داخل البلد، تعمل بشكل موازي للحكومة، وتسعى لتوجيه السياسة الداخلية والخارجية للدولة بما يتوافق مع مصالحها، ولتحقيق أجندتها الخاصة، لها جذور في المجتمع وفي بنية الدولة ومؤسساتها، بحيث لا تتغير بتغير الحكومات والرؤساء. ويصفها البعض بأنها نفوذ خفي للمؤسسات العسكرية والأمنية والاقتصادية على الحكم.

مع أن "الدولة العميقة" ارتبطت بنظريات المؤامرة، لكنها في الحقيقة موجودة لدى أغلب الدول، قد تكون ممثلة بالحزب الحاكم، أو بالقوى الدينية والاجتماعية والاقتصادية، أو بالنخبة البيروقراطية المتحالفة مع الأمن ورأس المال..

في الولايات المتحدة يشترك في صناعة القرار جهات متعددة؛ إداريا: هنالك البيت الأبيض، ووزارة الخارجية، والبنتاغون، والكونغروس، والقضاء.. في المستوى العميق ثمة جهات متعددة تؤثر بقوة، أبرزها: اللوبي اليهودي، رؤساء الأجهزة الأمنية، وقادة الجيش، كبار الأثرياء وأصحاب الصناعات العملاقة خاصة المجمع الصناعي العسكري، والصناعات النفطية، وقطاع المال والبنوك، والصناعات التكنولوجية "وادي السيليكون"، وبقية القطاعات الدوائية والغذائية والصناعات الثقيلة، الإعلام وصناع الرأي العام ما فيهم هوليود، مراكز الأبحاث، التيارات المحافظة واليمينية، مثل المسيحية الصهيونية.

سواء كان اسمها الدولة العميقة، أم الدولة الظاهرة والرسمية في الحالتين تلعب كل تلك الجهات أدواراً مهمة وحاسمة في الإستراتيجيات الأميركية داخليا وخارجيا، ومن السذاجة الاعتقاد أنها "على قلب رجل واحد" ولديها رؤية واضحة، وتسيّر الدولة ضمن مسار مرسوم بدقة.. من المؤكد أن لتلك الجهات مصالح متضاربة، وبينها تناقضات عميقة، وصراعات خفية، وتنافس شرس، كما أنها لا تهتم بكل القضايا بنفس الدرجة، بعضها يهتم بالشأن الداخلي، وبعضها في السياسة الخارجية.. لكنها تعمل وفق مبدأ "وحدة وصراع الأضداد"، أي أنها متفقة على الأهداف العليا، وتختلف على التفاصيل والمواقيت والفرعيات.. تريد أميركا قوية، ومهيمنة، وتريد إدارة وحكومة تحمي مصالحها..

هذا في العموم، لكن في التفاصيل خفايا كثيرة ومثيرة تصل إلى حد التصفيات وكسر العظم أحيانا.. فمثلا يُقال أن جهات معينة من الدولة العميقة هي التي قتلت الرئيس كينيدي، وجهات أخرى هي التي افتعلت هجمات منهاتن (9 سبتمبر)، وتفجير ماراثون بوسطن، وغيرها..

من شبه المؤكد أن للدولة العميقة إستراتيجيات بعيدة المدى، لكن يصعب عليها تنفيذها، وتظل تنتظر رئيس قادر على حملها، فالدولة العميقة لا تفضل رئيس مثقف، أو لديه وجهة نظر مختلفة ومستقلة، فإما تقصيه من الحكم، أو تفشله في الانتخابات كما حدث مع كارتر وبوش الأب، لأنهما عارضا السياسة الإسرائيلية.. وقد تضع العراقيل أمام توجهات الرئيس التي تتعارض مع مصالحها كما حدث مع برنامج أوباما الخاص بالتأمينات الصحية..

الرئيس ترامب شكّل حالة مثالية لمتطرفي الدولة العميقة، ولأصحاب النفوذ الأكثر توحشا؛ فهو لا يهتم بتبعات أفعاله الأخلاقية، ولا يعبأ بسمعته الشخصية، وهو متحرر بقدر ما من ضغوطات أصحاب المال، وغير مبالي بتأثيرات سياساته على العالم، وعلى السلم العالمي، وبنية النظام الدولي القائم على مبادئ حقوق الإنسان وميثاق الأمم المتحدة واحترام سيادة الدول وحقوق الشعوب.. (بغض النظر عن مدى صدقية هذه المبادئ).. وبالتالي هو الأنسب للبدء بتنفيذ سياسات قديمة ظلت مؤجلة..

وهنا تثور أسئلة: هل فعلا الولايات المتحدة مهتمة لهذه الدرجة بالإستيلاء على غرينلاند؟ فإذا كان الجواب نعم؛ فلماذا لم يقدم 45 رئيس سابق حتى على التلميح بذلك؟ هل فعلاً من مصلحة الولايات المتحدة خسارة أهم حليف لها (الاتحاد الأوروبي)، بل التصادم معه؟ هل سياسة العقوبات ورفع التعرفة الجمركية على معظم دول العالم تخدم الولايات المتحدة؟ هل ضم كندا وبنما والمكسيك وغيرها كان على برنامج الدولة العميقة، وظلت تؤجل ذلك حتى مجيئ ترامب؟ هل من مصلحة الولايات المتحدة التحول إلى إمبراطورية توسعية، على شكل دكتاتورية، وإلغاء كل ميراثها الديمقراطي والليبرالي؟

كثر الحديث مؤخرا عن مبدأ "مونرو" (أمريكا للأمريكيين)، مع إنه ظهر عام 1823، لكنه كان بمثابة تحذير للدول الأوروبية من التدخل في شؤون الأمريكتين، مقابل تعهد الولايات المتحدة بعدم التدخل في أوروبا، وما حصل لاحقًا أنه تطور ليشمل حق التدخل الأمريكي في أمريكا اللاتينية، وتحول إلى غطاء للهيمنة، ولم يكن يعنى احتلال تلك الدول.. ما يفعله ترامب تجاوز كبير حتى لذلك المبدأ الإمبريالي. وبالتأكيد يتناقض كليا مع مبادئ ويلسون ال14 التي أقرتها أميركا سنة 1918، ومع مبدأ ترومان 1947، ومع مبدا أيزنهاور 1957، ومع مبدأ كارتر 1980، وغيرها التي أرادت تكريس دور أميركا في العالم، من خلال تقديم المساعدات، والتدخل الإيجابي، ودعم المؤسسات الدولية. والأهم أنه يتناقض مع أهم ما يميز المجتمع والنظام الأميركي: الحرية والتعددية..

ليس دقيقا القول أن الرئيس مجرد واجهة وأنه بلا صلاحيات.. فمثلاً، لو لم يكن بوش مصصما على خوض حرب الخليج لما وقعت، وحينها سيتخذ مسار الأحداث العالمي اتجاهات أخرى مختلفة.. وسنكون أمام واقع مختلف.. وليس دقيقا القول بأن للولايات المتحدة سياسات ومخططات بعيدة المدى معروفة وواضحة وأنها بمثابة قدر.. لقد تغيرت الإستراتيجات الأميركية مرارا وتكرارا.. متأثرة بعوامل عديدة ومستجيبة لتطورات لم يكن شرطا محتما أن تحدث.

يتصرف ترامب كما يحلو له، فهو لا يخضع لمحددات السياسة الأميركية التقليدية، ولا يهتم برقابة القضاء ولا الكونغروس، ولا بالرأي العام الأميركي، بل إنه خاض حملته الانتخابية بشكل معادي وسافر للأقليات، والمهاجرين، وللسود، وللمرأة، ولمجتمع الميم، ومناصري البيئة، والمثقفين.. وهؤلاء يشكلون نصف الناخبين!

ترامب نرجسي ومهووس بالظهور وتصرفاته غير متوقعة، والخبراء النفسيين أكدوا على أنه مختل، لكن سياساته ماضية حتى بعد رحيله.. إلا إذا صحا العالم، واتخذ موقفا موحدا لمجابهة جنونه.. وإذا صحي الشعب الأميركي وانتبه لما سيجره عليهم وعلى الكوكب من مصائب وكوارث.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق