أهلا بكم

على هذه الصفحة نثير التساؤلات ،، ونفكر ،، ولا نعرف حدوداً للتوقف

آخر الأخبار

يناير 20، 2026

التاريخ المظلم للعلماء


بدايةً، ينبغي التمييز بين "العِلم" بوصفه معرفة ونور وحكمة، و"العلماء" بوصفهم بشرًا يخضعون مثل غيرهم للمصالح والأهواء، ويتأثرون بالبيئة والثقافة السائدة، ونظام الحكم.. لكن العِلم لا ينفصل عن العلماء، فهم مؤسسوه ورواده؛ وعلى مرّ التاريخ، لعب العلماء دور المحرك الأساسي لنشوء المدن والحضارات، وقادوا عمليات التطور عبر الاكتشافات والاختراعات، وبنوا صرح المعرفة الإنسانية المتراكمة عبر البحث الترجمة والابتكار، واجترحوا الحلول العملية لمشكلات المجتمع..

 لكن مسيرة العلماء لم تكن مشرقة تماماً؛ فبعضهم أدى أدوارًا سلبية ومظلمة، لا بسبب العلم نفسه، بل بسبب توظيفه، أو إساءة استخدامه، تماماً كما أساء بعض رجالُ الدين للأديان كافة.

قبل نشوء العلم، أي في مرحلة السحر والشاهنامة، كان الكهنة يحتكرون المعرفة ويورثونها كأسرار، ويكتمونها عن بقية الناس، ولأنهم لم يمتكلوا أدوات العلم الحقيقية نشروا ثقافة الخزعبلات والأساطير.

وعندما بدأ العلم يشق طريقه مع نشوء الحضارات الأولى في مصر القديمة ووادي الرافدين (قبل 5000 سنة تقريبا) استخدم العلماء علومهم لبناء الصروح الضخمة للملوك، وفي خدمة الجيوش والمجهود الحربي، ولم يستفد منهم عامة الشعب (أو كانت استفادتهم عارض جانبي)، وبذلك ساهموا في تفشى الخرافات والغيبيات في أذهان العامة.

وفي مراحل لاحقة مع ظهور الحضارات اليونانية والرومانية وبروز كوكبة من العلماء والفلاسفة (قبل 2500 سنة تقريبا)  لم يهتم هؤلاء بالقضايا التي تشغل الناس، ولم يتحدوا النظم الاقتصادية والدينية والاجتماعية السائدة؛ انشغلوا في الهندسة وحركة النجوم، ولكنهم أبدا لم يبحثوا في أخلاقيات نظام العبودية والإقطاع، أو في هموم الفقراء، أو في نشر الوعي..

ومع بدايات عصر النهضة كرس بعض العلماء جهودهم في حركة الكشوف الجغرافية للبحث عن قارات جديدة مليئة بالثروات والفرص وإمكانات النهب والاستغلال، وبعضهم اخترع آلات للتعذيب، وفي المرحلة الاستعمارية شارك بعض العلماء في صياغة نظريات التفوق العرقي، وتبرير استعمار الشعوب باسم العلم، وتصنيف البشر وفق مقاييس عنصرية زائفة، واستخدموا دراساتهم لتبرير الاحتلال والاستغلال والعبودية ونزع الإنسانية عن الآخر. أو في أحسن الأحوال سكتوا عن جرائم القتل والاضطهاد، وامتهان كرامة الإنسان.

في القرن العشرين، وحتى وقتنا الراهن شارك بعض العلماء في التجارب اللاأخلاقية على البشر دون موافقتهم، لتصنيع أسلحة كيماوية وجرثومية وبعض الصناعات الدوائية وحتى في تجارب سريرية على بشر دون تخدير، فضلا عن دورهم الخطير في صناعة أسلحة الدمار الشامل والأسلحة النووية وصواريخ الإبادة الجماعية. مستندين إلى فكرة "الحياد العلمي"، وكأنَّ العالِـم غير مسؤول عن نتائج علمه.

وما زال بعضهم يوظفون علومهم في خدمة الدكتاتوريات، يسوغون القمع، ويشرعنون الاستبداد، وبعضهم يقدمون أنفسهم لخدمة الشركات الرأسمارية والاحتكارية، من خلال إنتاج علوم مزيفة، أو تطويع نتائج البحوث لصالح مشغّليهم، أو حتى تزويرها.. يؤكدون على ما تريده السلطة أو السوق، أو وفق المزاج الشعبوي، حيث يختزلون القضايا المعقّدة في شعارات، ويحولون المعرفة إلى سلعة أو أداة شعبوية.

بعضهم وقفوا ضد الاكتشافات العلمية أو التحولات الاجتماعية لا بدافع علمي، بل خوفًا على المكانة أو نفورًا من الجديد، فأسهموا في إبطاء مسارات التقدم، وأحيانًا في تجريم التساؤل والبحث.

يستخدم هؤلاء العلماء نفوذهم المعرفي (أو الديني) لإقصاء المخالفين، أو تشويههم، يُسكتون النقد بحجة الاختصاص، ويستخدمون "اللقب" العلمي لإغلاق النقاش، ويمنحون المعرفة "حصانة" زائفة، بينما العِلم الحقيقي يقوم على النقاش والشك والاختبار.

صناعة الهالة الزائفة أحد أخطر أدواتهم، حيث يقُدِّمون انفسهم بوصفهم مختصين أو فوق النقد، والمجتمع يساعدهم في ذلك، ما منح آراءهم سلطة مطلقة، وألغى المساءلة، وجعل الخطأ مضاعف الأثر، ما أفقد العلم رسالته النقدية.

أخطر العلماء هم أولئك الذين يتخلّون عن الشكّ والنقد، ويبيعون الوهم باسم اليقينيات. بالتالي يحولون العلم إلى أداة مساعدة للظلم والاستغلال بدل أن يكون مرآة للإنسانية وصوتًا للحقيقة.

 أو أولئك الذين ينفصلون عن المجتمع وهمومه، وعن الوطن وقضاياه، وحتى عن المسائل التي تشغل البشرية جمعاء. أو لا ينحازون للقضايا الإنسانية والتقدمية، متناسين البعد الأخلاقي للعلم والمعرفة، ومقدّمين "الإنجاز العلمي" على كل شيء آخر.

في منطقتنا العربية أساء الكثيرون من المحسوبين على "العِلم"، خاصة حملة الشهادات العليا، حيث تجد مهندساً مختصاً أو طبيباً بارعاً أو استاذاً جامعياً يستمع بكل جوارحه لخطيب "مفوه"، يصرخ بخطاب شعبوي تسطيحي، ويروج للخرافات والخزعبلات..

في الولايات المتحدة وظَّف العديد من العلماء والمهندسين والمبرمجين علومهم وقدراتهم لصالح الاحتلال في حرب الإبادة ضد المدنيين والأطفال.. كما سبق أن وضعوا أنفسهم في خدمة مشاريع الإمبريالية وسحق الشعوب وسرقتها.

الحديث عن هذه الفئة من العلماء مهمّاً حتى لو شكّلوا نسبة ضئيلة جداً، لأن أدوارهم كانت خطيرة وهدامة.. واستحضار هذه النماذج السلبية ضروريًا، لا للطعن في العلم، بل للتأكيد على أنَّ العالـِم، مهما علا عِلمه، ومهما نال من شهادات وجوائز يظل محتاجًا إلى الضمير.. وللتذكير بأنَّ المعرفة بلا أخلاق تتحول إلى أذى وضرر لا إلى نور ومنفعة، وأنَّ العِلم لا يحصّن صاحبه أخلاقيًا، واللقب لا يمنح العصمة.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق