أهلا بكم

على هذه الصفحة نثير التساؤلات ،، ونفكر ،، ولا نعرف حدوداً للتوقف

آخر الأخبار

أبريل 01، 2025

الدور المزدوج للأشجار

 

عند خط الإستواء، لا وجود للفصول الأربعة، ثمة فصل واحد على مدار العام، وهناك الكائنات الحية المهيمنة على سائر المخلوقات هي الأشجار، أشجار شاهقة الارتفاع، متشابكة معاً لدرجة أن الضوء بالكاد يصل إلى قاع الأرض.. وبسبب شدة الرطوبة ظل ذلك الحزام الذي يلف الأرض منطقة لا تصلح للسكن، ليس للإنسان وحسب، بل ولسائر الثديات، فلا تجد هناك سوى الأشجار وسكانها من بعض القردة والطيور الملونة، أما على القاع فلا تعيش سوى الزواحف والحشرات وما لا حصر له من أنواع العناكب والديدان والطفيليات..

وإذا اتجهنا شمالا حتى مدار السرطان، أو جنوبا حتى مدار الجدي ستبدأ الأشجار بالاختفاء تدريجيا، إلى أن ندخل في الصحراء.. تلك البقعة تسمى إقليم السافانا، حيث تنمو الحشائش وتعيش أغلب المملكة الحيوانية.. ولقربها من خط الإستواء كانت آخر بقعة على الأرض تطالها عصور الجليد المتتالية في الأزمنة السحيقة، فظلت ملجأ الكائنات الحية وملاذها المفضل، بسبب دفئها أولا، ولأنها وفيرة بالحشائش والخيرات ثانيا..

ومع أنها بيئة مناسبة لنمو الأشجار إلا أن الأشجار ظلت متناثرة هنا وهناك، بما يوفر مساحات شاسعة مفتوحة تماما على الشمس والريح، وصار بوسع الثديات أن تتحرك فيها بسهولة، وتنطلق في هجراتها السنوية أو لمطاردة بعضها بعضاً..

ومنذ وقت مبكر ظهر هناك مخلوق ضخم، كان دوره حاسما في حراسة السافانا ومنع تمدد الأدغال وانتقال الغابة إليها، إنه الفيل، فما أن تنمو أي شجرة حتى يأتي فيقتلعها من جذورها ليلتهم أغصانها..

إذاً، غياب الأشجار لم يخلق الفرصة لظهور الحشائش وحسب، بل كان شرطا لظهور وتكاثر عموم الثديات، ومن ضمنها آخر مخلوق على سلم تطور الرئيسيات العليا، الإنسان، الهومو سابينس، الذي ظهر على مسرح الدنيا قبل مائتي ألف سنة تقريبا.

وقبل الإنسان بنحو سبعة ملايين سنة طرأ حادث جيولوجي هام على القارة الإفريقية، أدى إلى انخساف وادي "ريفت"، وصعود بعض أطرافه شيئا فشيئا لتشكل جدار كبيرا، كان هذا الانهدام الهائل قد شق إفريقيا كلها، وعلى إثر ذلك انقلب المناخ، فاستمرت الأمطار تهطل في غرب الشق، وراحت تتناقص في الشرق، والذين ظلوا غرب الشق تابعوا حياتهم الشجرية، أما الذين وجدوا أنفسهم معزولين في الشرق فواجهوا السافانا والسهول، وقد أمكن لهذا التقسيم البيئي أن يحرض نوعين مختلفين من التطور، فأجيال الغرب من الرئيسيات العليا انتهت بالقردة والغوريلا الحاليين، أما أجيال الشرق فانتهت بالإنسان، أي أن المسألة برمتها عبارة عن تاريخ التباعد.

فعندما بدأت الأشجار تختفي اضطر ساكنوها من أسلاف البشر للهبوط عنها، والتعامل مع الأرض بكل ما تطلبه ذلك من تغير عاداتهم الغذائية وأنماط معيشتهم، لتبدأ ظهورهم المنحنية بالاستقامة شيئا فشيئا..

وبالانتقال سريعا إلى آخر عصر جليدي قبل 12 ألف سنة، سنجد أن كل التجمعات البشرية التي صارت فيما بعد قرى ومدن وممالك بدأت على ضفاف الأنهار، وبعيدا عن الغابة.. فالطبيعة تنمّي أشجارا من كل نوع، بحسب البيئة، وأكثرها غير مثمرة، وعندما أطلق الإنسان ثورته الزراعية استبعد الأشجار وأبقى على أنواع معينة منها. فأينما تكون الغابات والأشجار كثيفة وعشوائية لا تصلح هناك زراعة..

ولكن، ورغم ذلك التاريخ الطويل الذي ظهرت فيه الأشجار بدور الشرير، كانت هي أساس الحياة، وشرطها، ومنبعها.. بدءا من إطلاقها الأوكسجين بكميات وفيرة غيرت من مناح الأرض ووفرت ظروف تهيؤ الحياة، وحتى وقتنا الراهن، ظلت الشجرة كائنا في منتهى الكرم والسخاء..

تستضيف الشجرة الواحدة ما لا حصر له ولا عد من كائنات حية، تتطفل عليها دون أن تئن، أو تشكو.. مع أنها وفرت لنفسها آليات دفاع كثيرة ضد الحشرات والآفات، إلا أنها ظلت بيتا آمنا لملايين المخلوقات، بدءا من الكائنات الدقيقة والفطريات التي تعيش في جذورها، مرورا بالحشرات وحتى الزرافات التي تتغذى على أوراقها، والزواحف والأفاعي والسناجب والقردة التي تبيت عليها، يُضاف إليهم قبائل بشرية ما زالت تسكن أعالي الأشجار، حتى أن الفهود تخزن صيدها على أغصانها، وليس انتهاء بالعصافير والطيور التي تضع أعشاشها عليها باطمئنان، أو تحفرها في جذوعها..

ولا يتوقف عطاء الشجرة حتى بعد موتها، فتصير أغصانها خشبا للحطابين، ووقودا للمدافئ، وأسرّة ومقاعد وأواني وهياكل للبيوت.. وحتى توابيت للموتى.. وإذا تآكلت ذابت في حضن الأرض، وصارت سمادا لأشجار جديدة، ستعطينا الهواء النقي والروائح الزكية، وأطيب الثمار..

الشجرة مخلوق نبيل، لا تفترس، ولا تؤذي، ولا تعتدي على أحد.. تضحي بنفسها، فتصبح يداً للفأس الذي سيقطعها، وظلا لمن سيحطبها.. وعندما تحترق الغابات تحفز الأجران والبذور المخبأة لتنمو من جديد..

الأشجار هي رئة الكوكب، وبدونها سنختنق.. هي زينة المدن، بدونها تصبح غابات إسمنت قبيحة.. ولكن الإنسان لم يوقف اعتداءاته على الأشجار..

قبل عصر الزراعة وظهور الحضارة البشرية، كان عدد الأشجار على كوكب الأرض يقدر بنحو 6 تريليونات شجرة.. ومنذ ذلك الحين يشهد العالم انخفاضًا كبيرًا في أعدادها، بسبب التوسع العمراني والأنماط الزراعية، وما تزال الأشجار تُقتلع من الأرض بوتيرة متسارعة حتى انخفض ذلك العدد إلى النصف. وبحسب دراسة نشرتها مجلة "Nature" يقتلع البشر نحو 15 مليار شجرة سنويًا، وكثير منها لا يُعاد زراعته. وبهذا المعدل، لن يتبقى على الأرض سوى 2.5 تريليون شجرة بحلول عام 2050.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق