صرح نتنياهو بأنه يعد مفاجأة كبيرة جداً للسلطة، وأنه لن يعلن عنها الآن، لأنه ينفذ ثم يشرح.. فما هي تلك المفاجأة؟
بدايةً، يجب
ألا نستخف بتصريحات نتنياهو، وأن نأخذها على محمل الجد، ولكن دون خوف ولا تهويل،
فهو ليس قدر الشعب الفلسطيني، ولا هو سوبرمان القادر على فعل ما عجز عنه غيره..
على أرض الواقع لا أحد يمسك بمفاتيح الحل كلها، ولا أحد بمقدوره رسم المسارات التي
يريدها؛ لا نتنياهو ولا ترامب ولا الفلسطينيون ولا العرب.. فالمنطقة شديدة الوعورة
والمشهد شديد التعقيد، والعوامل المؤثرة على كل مسار بيد جميع الأطراف، ولن يستطع
أي طرف حسم الصراع وفق منظوره وحسب هواه..
من الممكن أن
تكون مفاجأة نتنياهو مجرد تصريح دعائي، في إطار الحملة الانتخابية، ومن الممكن أن
تكون خطة محكمة جرى إعدادها منذ زمن وآن الأوان لطرحها.. في كل الأحوال يتوجب
علينا فهم العقلية الإسرائيلية وحدود إمكانياتها، دون مبالغة ولا استخفاف.
وبما أنه قال
مفاجأة كبير جدا، فمن المتوقع أنها تتعلق بمصير ومستقبل السلطة، وهذا يعني تلقائيا
محاولة حسم الصراع، وتغيير الخارطة السياسية بشكل جذري.. الأمر الذي عجز عنه كل
قادة إسرائيل سابقا، بدليل استمرارية الصراع، وثانيا هذا المستوى من الحسم ليس بيد
إسرائيل وحدها، ولا بد من موافقة الولايات المتحدة، وشركاء إسرائيل من المجتمع
الدولي، وموافقة أو خضوع دول الإقليم.. وهذا الشرط غير متوفر حاليا.
ربما تتوقف
المفاجأة عند حدود عملية أمنية واسعة تشمل الضفة الغربية (أقل أو أكثر قليلا من
عملية السور الواقي)، وهنا لا مفاجأة في الموضوع، لأن عشرات التصريحات لقادة
إسرائيليين تحدثت عن ذلك علانية وبوضوح، والهدف خلق المزيد من الحقائق على الأرض،
مثل الضم الزاحف، وتوسعة الاستيطان، والتهجير الصامت، ومواصلة حصار السلطة
لإضعافها ونزع الشرعية عنها، وإحراجها أمام شعبها لمنعها من ممارسة أي دور سياسي
في إطار حل الدولتين، أو محاكمة إسرائيل دوليا، أو تحقيق المزيد من الاعترافات
الدولية بالدولة الفلسطينية..
تمتلك إسرائيل
حاليا العديد من نقاط القوة التي تمكنها من مواصلة هذا النهج، ببطء وتدرج وصولا
إلى التغيير الكبير المنشود.. أهمها أنها الآن في ذروة تفوقها العسكري، ولديها ضوء
أخضر أميركي وتواطؤ دولي، وهي الآن تستخدم كامل قوتها في هجمة شرسة متعددة الجبهات
وغير مسبوقة طالت الإقليم كله، بخسائر عسكرية وبشرية متواضعة جدا.. الأمر الذي
يفتح شهيتها على فكرة حسم الصراع.
لكن إسرائيل
أمام معيقات مهمة؛ أبرزها أنّ مسألة حسم الصراع بتفكيك السلطة وإنهائها ليس موضع
إجماع لدى صناع القرار في إسرائيل، حتى لو فاز نتنياهو أو اليمين المتشدد؛ فالسلطة
بصيغتها الحالية تمثل الحل الوحيد المتاح لأزمة إسرائيل الإستراتيجية الذي يمكنها
من الاحتفاظ بالأرض، وتأجيل المعضلة الديموغرافية (الحكم الذاتي)، وثانياً: ليس
موضع إجماع لدى الولايات المتحدة، فالحزب الديمقراطي ما زال يؤمن بأهمية وجود
السلطة وبدورها.. وكذلك أوروبا.
ثالثا: إن
مسار السلام الإبراهيمي لا يتوافق مع هذا الطرح، خاصة مع تشدد السعودية واشتراطها
فتح مسار سياسي يفضي إلى دولة فلسطينية. ورابعا: موقف كلٌ من مصر والأردن وبدرجة
أقل سائر الدول العربية الرافضة لهذا الطرح، والداعمة للفلسطينيين. وخامسا: بسبب جرائمها
المروعة في غزة بدأ العالم يعزلها، حتى أن دولا أوروبية طرحت مشاريع فرض عقوبات
على إسرائيل، بالإضافة إلى التغيير الكبير الحاصل في الكونغروس وفي موقف الشارع
الأميركي.. بمعنى أن الطريق ليس سهلا ولا ممهدا أمام نتنياهو ليفعل ما يشاء.
قبل
"مفاجأة نتنياهو" طرحت إسرائيل العديد من المبادرات والخطط الإستراتيجية
لحسم الصراع، وجميعها فشلت، أو بمعنى أدق لم تحسم الصراع، لأن المأزق الإسرائيلي
كبير جدا وبالغ التعقيد ومن المستحيل حله وفق الحلم الصهيوني.. من هذه المشاريع
خطة آلون 1967 (لاحتفاظ بالمناطق المهمة استراتيجيا وأمنيا لإسرائيل مع تجنب ضم
الكثافة السكانية الفلسطينية العالية للحفاظ على طابع الدولة اليهودي، وترسيم حدود
نهائية مع الأردن)، ومشروع دايان (تسهيلات للفلسطينيين ودمج المجتمعين بهدف كي
الوعي)، مشروع بيريس للحكم الذاتي (انتخابات البلديات 1976 الذي انتهى بفوز قوائم
منظمة التحرير)، ومشروع بيغين للقضاء على تجربة الانتخابات البلدية (اغتيال رؤساء
البلديات وإبعادهم)، ومشروع شارون للقضاء على منظمة التحرير (اجتياح لبنان 1982)، ومشروع
بيغين للحكم الذاتي (في إطار كامب ديفيد 1978)، ومشروع روابط القرى كبديل عن منظمة
التحرير(1980)، ومشروع الإدارة المدنية (احتلال خفي وناعم)، ومشروع التقاسم
الوظيفي مع الأردن (بيريس 1985)، ومحاولات رابين لإنهاء الانتفاضة وخلق قيادات
محلية (1988)، وإستراتيجية عزل الضفة والقطاع عن إسرائيل بعد فشل مشروع الدمج (1991)،
وخطة شامير للتهرب من استحقاقات مدريد (1992)، ومشروع أوسلو (1993)، ثم الارتداد
عنه، والسور الواقي، وجدار الفصل العنصري، ومشروع شارون الثاني لتقويض السلطة
(انتفاضة الأقصى)، والانسحاب من غزة، ثم إعادة احتلالها، واستخدام حماس لخلق
الانقسام لمنع قيام دولة فلسطينية، ثم تدمير غزة وطرح مشروع التهجير القسري، ومشروع
ضم الضفة الغربية..
كل هذه
المشاريع أخفقت في حسم الصراع، ورغم ضعف الفلسطينيين، فقد أفشلوا كل تلك التسويات،
ورفضوا كل الصفقات التي أرادت طمس وجودهم، وتجاوز حقوقهم الوطنية.. رفضوها بالدم
والتضحيات، وظلت القضية الفلسطينية شعلة متقدة، وصارت أيقونة للتحرر، ورمزا للحرية
والانعتاق من الظلم، ورفض الاحتلال والعنصرية.. وما زال الدرب أمامهم طويلا
وشاقا..
وفي نكسة
1967، استكملت إسرائيل احتلالها كامل أرض فلسطين، لكن هذا النجاح أوقعها في مأزق
تاريخي وإستراتيجي، شكّل وما زال يشكل تهديدا وجوديا للمشروع الصهيوني قد يؤدي إلى
فشله وانهياره، حيث أنها أخفقت في طرد الفلسطينيين من أرضهم بعد أن تعلموا من درس
النكبة..
كل الخطط
العسكرية التي اعتمدت القوة والعنف لم تهزم
الفلسطينيين، وكل المشاريع السياسية التي قامت على فكرة إنشاء سلطة محلية لم تنجح بالصورة
التي كان يريدها الإسرائيليون، فالاحتلال لم يتحول إلى قوة ناعمة، والشعب لم يعش
بهناء وهدوء، ما يعني أن الفكرة فقدت مغزاها الأصلي.. إسرائيل أظهرت صورتها
المتوحشة، أما الفلسطينيون فما زالوا يقاومون، ويتكاثرون..
ربما تكون هذه
المرحلة الأثقل على الفلسطينيين، خاصة مع صعود وهيمنة اليمين الإسرائيلي المتطرف،
وبروز الانحياز الأمريكي بوجهه السافر..
نقاط القوة
التي نمتلكها؛ إستراتيجيا: بقاؤنا وصمودنا. وسياسيا: شرعية المنظمة في تمثيل الشعب
وشرعية السلطة واعتراف العالم بها.. أما نقاط ضعفنا: الانقسام، وعدم امتلاكنا خطة (لا
سرية ولا علنية) وضعف أداء القيادة خاصة وأن تداعيات الحرب ضيقت هامش المناورة إلى
أصغر حد.. ومع ذلك، تظل المنطقة حبلى بالأحداث والمفاجآت.. طالما ظل الفلسطينيون
قابضون على الجمر..
عدونا لم
يستطع هزيمتنا لأننا لم ننكسر، ولكننا سننكسر حين نتشظى أحزابا وعشائر ومخاتير،
حين نفقد وحدتنا، ستنهار قلعتنا من الداخل..
ويظل أملنا
بشعبنا كبيرا..
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق