هناك في بابل،
عثرتُ على نقشٍ حجري بحجم الكف، نُقش عليه بالأحرف المسمارية كلمتان: "خلود
وعبد الغني"، لم تكن مصادفة، فقد قادني قلبي إلى ذلك المكان، فسرتُ إليه
طائعاً، محمّلاً بالشوق والحنين.. وصلت إليه بعد غياب طويل.. فوجدت نفسي أولد من
جديد.. هناك في بابل؛ حيث وُلدت الكتابة لأول مرة، وحيث انطلق شعاع النور ليصل مداه
إلى آخر الكون.. كنتُ على مدى سني عمري أينما حللت وتلمست الضوء أدرك أن مصدره هنا،
من بابل..
في وادي
الرافدين، وتحديدا على ضفاف جنوب الفرات في بقعة صغيرة ستضم أول حاضرة بشرية ستُعرف
باسم أور، هناك نشأت أول حضارة، وأول دولة، ومن بعدها ابتدأ التاريخ.. سرعان ما نشأت
من حولها مدن أوروك وأريدو ولجش.. وجاء كلكامش باحثاً عن الخلود، في قصة ملحمية تجسدها
شخصية أنكيدو لترمز إلى الصراع بين الهمجية وحياة المدن التي بدأ السومريون
بالتعود عليها تدريجياً بعد أن غادروا حياة البساطة والزراعة، ودور المرأة (شمخاء)
في ترويض وحشية أنكيدو وبالتالي تهذيب إنسانية البشر وفي صناعة الحضارة.. ورمزيتها
في الارتداد عن عصر الأمومة، إلى المجتمع الذكوري، من خلال إهانة عشتار وتجاوزها.
كانت تلك أهم منجزات سومر: بدء الأنسنة، وبدء
التاريخ، بعد أن اخترعوا الإبرة وصنارة الصيد، والعجلة، والمحراث، والمدينة.. ثم
جاء الأشوريون والكلدان.. وهناك في بابل سـنَّ حمورابي شريعته وصاغ 282 مادة
قانونية شكلت أساس القانون الإنساني وأول مدونة أخلاقية.. وهناك جاء المحارب العظيم
نبوخذ نصر، الذي وسّع حدود إمبراطوريته حتى وصلت شرق المتوسط.. وهناك في بابل تعلم
فيثاغورس علوم المثلثات قبل أن ينقلها إلى أثينا، وهناك ابتدع المسبيون "اليهودية"
قبل أن ينقلوها إلى أورشاليم.. وهناك علّم هاروت وماروت الناسَ السحر، لكن السحر
الحقيقي تمثّل في طبيعة بابل الخلابة، وعمرانها المهيب..
في قلب بابل
نشأت مدينة "الحلة"، وقد مر بها الإمام علي بن أبي طالب عائدا من
النهروان، وظلت تحتضن الحوزة الدينية لأربعة قرون قبل أن تنتقل إلى النجف.. ويُذكر
أن بابل وآثارها نجت من غزو التتار الذين دمروا بغداد وأحرقوا مكتبتها، كما نجت من
غزو داعش الذين دمروا الموصل وهدموا آثارها.. وظل أسد بابل شامخاً، متحديا للغزاة..
في منتجع بابل
السياحي حيث مكان إقامتنا طوال فترة مهرجان بابل الثقافي، كنتُ أصحو باكرا لسببٍ
بسيط؛ لأنّ حدائقه وشوارعه تشبه حدائق وشوارع كلية الزراعة في "أبو غريب"،
فأمشي وحيدا مع ذكرياتي أتنشق عبق المكان الأول ورائحة العشب، وكأنني عدتُ شابا
يافعا في طريقه إلى المحاضرة.
عدت إلى العراق بـراً،
في رحلة طويلة استغرقت يوما كاملا، مررت بالرطبة والرمادي والفلوجة، لاستوعب جمال البلاد
على دفعات، رفقاً بقلبي، كنت أحث الخطى واستعجل الوصول كأنني ذاهب إلى موعد قديم
تأخر كثيراً، لأحطّ في قلب بغداد، وأقول لها: الله بالخير.. فترد عليّ التحية بأجمل
منها: الله بالخير عيني..
غمرني صديقي
العراقي رضا بكرمه، فاصطحبني في رحلة وجدانية في شوارع وأحياء بغداد.. تجولت فيها
بمشاعر مرتبكة، بين الحنين والشوق، وتفجر الذكريات، وبين الإعجاب والدهشة، وحزني
على ما أصابها من ويلات، وخوفي من التغييرات الكبيرة التي طرأت في بنيتها وعمرانها..
كنت أعرف بغداد مثل كف
يدي، لكنني بالكاد عرفت بعض شوارعها القديمة.. بحثت عن شارع السعدون وساحة التحرير،
وأبي نواس.. رغبت أن أراها كما تركتها، بحاناتها وأسواقها وباراتها ومقاهيها، كنت
أبحث عن مدينة عرفتها، وألفتها؛ فوجدتُ شيئا آخر بدا غريبا ومستهجنا.. لم تكن
المسافة بين اليوم والأمس مجرد خطوات في المكان، كانت مسافة عمر كامل.. لم تكن
غربتي عن بغداد ناتجة من تغيّرها وحده؛ فقد تغيرت أنا أيضاً.
كل شيء تقريبا
تغير في بغداد: المنصور، شارع الرشيد، والمتنبي، وسوق الصفافير وسوق الغزل
والشورجة كلها تغيرت، وأعيد هندستها من جديد.. بقيت تماثيل الرصافي والمنصور والأربعين
حرامي ونصب الحرية.. اختفت تماثيل صدام وصوره وحلت مكانها صور خامنئي، وشاهدت
تمثالا لعبد الكريم قاسم في الساحة التي أُعدم فيها..
ازدادت أعداد
الجسور والأنفاق والطرق السريعة، وصعدت مئات العمارات الشاهقة، والإسكانات الضخمة،
وظهرت "المولات"، والأسواق الحديثة، وأفخم المطاعم والفنادق.. المدينة
مبهرة ومنظمة ونظيفة، لكنها مزدحمة، ومثقلة بالتناقضات.. رغم الأعداد الهائلة
للفقراء، لا أثر لهم واضحا في الطرقات..
أعداد كبيرة
من مثقفي العراق ومبدعيه وفنانيه عادوا إلى وطنهم بعد غياب قسري دام عقود.. ولّت أيام
تكميم الأفواه ورعب الناس من انتقاد السلطة، اليوم بوسعك شتم الحكومة كما شئت، لكن
تجنب انتقاد أي حزب.. اسم الرئيس العراقي لم يعد مهما، حتى أن سائق التاكسي لم
يعرفه، فالسلطات باتت بيد رئيس الحكومة، الذي تغير مرات عديدة منذ "السقوط"،
لكن السلطة الحقيقية تهيمن عليها إيران بشكل مباشر، والولايات المتحدة بشكل موارب..
وفي هذا الهامش الضيق تتقاسم الأحزاب والميليشيات خيرات وموارد العراق؛ لكل قوة
حصتها من الحكومة، ونفوذها في جغرافيتها، ونصيبها من الكعكة.. الأمر الذي أنعش
ظاهرة الفساد على نحو لم يعرف تاريخ الدول نظيرا له..
كل شيء تقريبا
تغير في العراق.. ولكن بقي العراقيون كما هم؛ بطيبتهم وكرمهم وأصالتهم..
في ختام رحلتي حملت النقش الحجري الذي بدأت منه حكايتي؛
كلمتين صغيرتين محفورتين على حجر قديم يختصران رحلة العمر، أثار الحجر ريبة مفتش
الجمارك، فقلت له: بعض الأمكنة لا نعود إليها لكي نراها من جديد، بل لكي نكتشف ما
بقي منها فينا.. ولتمنحنا
ميلادا جديداً.
غادرت العراق مطمئناً
إلى مستقبله، وواثقاً بقدرة شعبه الذي ابتدع الحضارة، وما زال متمسكا بالثقافة والأدب
والشعر والفن، بأنه سيصنع العراق الجديد..
سلامٌ على
هَضَباتِ العراق.. وشطَّيهِ والجُرْفِ والمُنحنى..
على النخلِ ذي
السعفاتِ الطوال.. على سيدِ الشجرِ المقتنى. (الجواهري).
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق