أهلا بكم

على هذه الصفحة نثير التساؤلات ،، ونفكر ،، ولا نعرف حدوداً للتوقف

آخر الأخبار

يوليو 11، 2026

سمات جمهور المقاومة


لم تُحدث سيطرة حماس على غزة 2007 انقساما جغرافيا وسياسيا وحسب؛ بل أوجدت انقساما مجتمعيا وثقافيا آخذ يتوسع مع مرور الوقت، وتعمق أكثر بعد حرب الإبادة، حتى صار عندنا جمهوران: أحدهما مؤيد بشدة لحماس ولكل ما قامت وتقوم به، والثاني معارض لسياسات حماس ونهجها..

لو اقتصر هذا الخلاف على النقاشات والحوارات لكان ظاهرة جيدة ومحمودة، المشكلة أنه تحول إلى شقاق عميق وساحة لتبادل الشتائم والاتهامات.. لدرجة يمكننا القول بكل أسف لم نعد شعباً واحداً..

وبما أني في الصف المعارض لسياسات حماس ونهجها، وكتبت الكثير في هذا المجال، لن أتحدث عن حماس نفسها، سأحاول فهم دوافع ومبررات الجمهور المؤيد لحماس، بالقدر الممكن من الموضوعية وبكل أمانة..

بداية يتوجب فهم البيئة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي تجمع هذا الجمهور، وهنا لا يجد أي باحث أي عناء في التوصل إلى أن الكتلة البشرية لهذا الجمهور تتركز بالدرجة الأولى في الأردن، وبدرجة أقل في الجزائر وموريتانيا، وبعض الدول الأوروبية، وإذا استثنينا مؤيدي حماس في الضفة الغربية، فهذا يعني أن مؤيدي حماس يقيمون في المناطق الآمنة البعيدة عن ساحة الصراع، ولا يتعرضون لأية مخاطر، ولا يعانون من شيء، ولا يترتب على مواقفهم دفع أثمان أو تضحيات، وبالتالي يسهل عليهم رفع سقف الشعارات وكأنها فقرة من بيان حزبي، أو دعاية انتخابية، أو قصيدة لشاعر، أو كلمة لتلميذ في إذاعة المدرسة الصباحية.. هذا أولاً، وثانياً: بحكم مناطق إقامتهم فهم غير مطلعين على حقيقة الأوضاع في فلسطين، مهما ادعى أي شخص أنه متابع للأخبار ولديه مصادر معلومات.. فالأخبار (خاصة من الجزيرة) وقصص الناس وانطباعات الأشخاص، ومنشورات الفيسبوك، وغروبات العائلة على الواتس ليست مصادر موثوقة، وغالبها هري وهراء وشعارات وتمنيات، أو أخبار موجهة لأغراض سياسية محددة، تعرض جزءاً من الحقيقة بشكل انتقائي.

هؤلاء أيدوا حماس وناصروها بناء على ما يرونه من مواجهات عسكرية ضد الاحتلال، واستبسال عناصر حماس في المعارك، والتأييد هنا لفعل المقاومة، وليس لمبدأ الحركة ونهجها وسياساتها. وهنا يتوجب الإشارة لمغالطة مهمة يقع فيها الكثير، وآخرون وظفوها بشكل متعمد ودغمائي، وهي الخلط بين حماس وبين المقاومة.. جميعنا بلا استثناء نؤيد المقاومة، ونريدها أن تستمر وتتصاعد، ونؤمن أنها حق وواجب، ولا خلاف على ذلك، لكن حماس شيء مختلف..

وثمة مغالطة أخرى لا تقل خطورة، وهي حصر المقاومة بالسلاح، هذه المغالطة أضرت أولا بالمقاومة نفسها، وحرمتها من ميزة المشاركة الشعبية، وأضرت بالقضية الفلسطينية إعلاميا، ومكنت إسرائيل من مواصلة عدوانها مستفيدة من الذرائع التي تقدمها المغامرات العسكرية غير المحسوبة، وغير المجدية.. وجعلت من الجمهور (خاصة في الخارج) يصفق لأي فعل عسكري، مهما كانت نتائجه، حتى لو كانت جرح جندي، أو كسر لوح زجاج.. تقوم إسرائيل في المقابل بتهجير مخيم، أو تدمير مربع سكني أو قتل المئات.. المهم أن فلسطينيا قام بطعن جندي، أو أطلق من رشاشه صلية رصاص.

المهم عند هذا الجمهور الشعور بالنشوة، وتفريغ مشاعر الغضب والكبت، ونزعة الانتقام، ونشوة الانتصار حتى لو كان وهميا.. صورة المواجهات تولد عندهم مشاعر الفخر، وهي التعويض الزائف عن واقع ذلك الجمهور، الذي يعاني القهر والقمع السلطوي، ويعيش واقعا مزريا وظروف اقتصادية صعبة، وفي بلادهم مظاهر الفساد والفوضى والتراجع، مع إحساس عميق بالهزيمة.. هنا تأتي صور المواجهات في غزة وتمنحهم إحساسا بالكرامة، وترفع معنوياتهم، وتعيد إلى مخيلاتهم مشاعر الفخر والمجد الغابر.. وليس مهما عندهم ماذا حصل لأهل غزة بعد ذلك.

لذلك، كانت عيون وقلوب المشاهدين متركزة فقط على أخبار المواجهات، والمثلثات الحمراء، وخطابات أبو عبيدة، لم يروا واقع غزة الاجتماعي، ماذا حل بالناس، لم يروا طوابير المراحيض، والمياه الملوثة، والتكيات، والجوع، والخيام، والقوارض، والحر، والطين، والمستنقعات الآسنة، وأكوام النفايات، وحطام البيوت، وخوف الأطفال، وبؤس الناس، وقلقهم وصراعاتهم مع أبسط تفاصيل الحياة اليومية.. لم تكن كل هذه المشاهد جزءا من تفكيرهم، ولا مرتكزا لتكوين آرائهم، ولم تشكل محددات تُبنى عليها مواقفهم.. لذلك، أقل ما يُقال أن أي موقف يتأسس بمعزل عن الواقع الحقيقي البائس لقطاع غزة ويهمل حياة الناس وقيمة الإنسان وقلقه المشروع وأحلامه وذكرياته.. ويجعل من الغزي مجرد قربان، أو رقم إحصائي، أو ماكينة إنتاج، أو مجرد تضحيات مستحقة.. موقف غير إنساني، وبلا أخلاق، ومنزوع الوطنية..

أغلب جمهور المؤيدين انساقوا وراء فكرة أن أهل غزة استثنائيون، جبابرة، يضحون بسعادة ودون تردد، أعصابهم من فولاذ، مستعدون لدفع كل الأثمان اللازمة، ومعتادون على الموت وتقبل الخسائر، ومستعدون لمواصلة المشوار حتى آخر غزي.. لهذا، عندما خرجت مبادرات فردية وجماعية تطالب حماس بالانسحاب من المشهد، ومظاهرات تندد بتجبّر عناصر حماس، وجباياتها، وترويعها للأهالي، وإعداماتها الميدانية، وتطالب بالحياة "وبدنا نعيش".. على الفور تم اتهامهم بالعمالة، وشق الصف الوطني، والتماهي مع الاحتلال.. استكثروا عليهم حتى الصراخ، أو التعبير عن آلامهم والتذكير بمعاناتهم..

كل من انتقد حماس، حتى لو ناصحا ومحبا، وكل من انتقد نهجها وتصريحات قادتها (المستفزة)، أو انتقد أي شخصية مقربة من الحركة، يتم فورا اتهامه بالخيانة وأنه طابور خامس، ومن المرجفين، أو جزء من حملة مشبوهة.. حتى صار النقد محرما، والمراجعات ممنوعة، وصار هؤلاء فوق النقد ولا يخطئون.. ربما حماس في داخلها تخشى النقد والمراجعة والتقييم حتى لا تتم محاسبتها، لكن جمهورها يحـرّم النقد ويعتبره عارا لأنهم فرحين بتلك الصورة المثالية التي شكلوها عن المقاومة، وتلك المشاعر المزيفة التي عاشوها، ويخافون أن تنهار، وتنهار معها أمانيهم وصورهم أمام ذواتهم، ويعودون محبطين، إلى واقعهم البائس.. الحقيقة صادمة ومؤلمة.. هذا التحليل لا ينطبق على الجميع، فالتعميم لغة الحمقى، وبالتأكيد نوايا الأغلبية ومشاعرهم صادقة.. لكن الناس عادة تفضل العيش في أماكن الراحة حتى لو على حساب الحقيقة، وعلى حساب آلام الآخرين..

والآخرين هنا وللمصادفة التعيسة هم أهل غزة..


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق