أهلا بكم

على هذه الصفحة نثير التساؤلات ،، ونفكر ،، ولا نعرف حدوداً للتوقف

آخر الأخبار

يوليو 10، 2026

الفيفا، وشعوب العالم المقهورة

 

منذ أقدم الأزمان والشعوب تعاني من الظلم والاضطهاد، عانت من حروب التوسع وغزوات الإمبراطوريات، وعانت من العبودية، ومن الاستعمار الكولونيالي، ومن التمييز العنصري، ومن الاحتلال، ومن الحروب والصراعات، من الحرب الباردة والحروب بالوكالة، والحروب الأهلية، من عنف الميليشيات، ومن سعار الطائفية والصراعات الإثنية..

كانت شعوب العالم الفقيرة هي التي تدفع أثمان كل ذلك، النساء والأطفال في مقدمة الضحايا، المدنيين الذين لا دخل لهم بكل هذه الصراعات، والذين يكافحون من أجل حياة عادية بسيطة استخدمتهم القوى المتنفذة حطبا لحروبها، لم يكونوا في نظر القوى المتصارعة أكثر من قرابين وأرقام..

حتى بدون حروب ظلت تعاني؛ من الفقر والعوز، من الفساد والمحسوبيات، من القمع والسجون والتنكيل، من التهميش، ومن حرمانها حقوقها المدنية والإنسانية.. شعوب الدول الغنية أيضا عانت؛ من البطالة، ومن أزمات الحداثة والعولمة، ومن الفساد المستتر خلف يافطات خادعة، ومن المافيات التي تسيطر على مختلف القطاعات..

تفاقمت أشكال المعاناة وتعددت أوجهها، حتى ضاقت الأرض بسكانها.. لقد سُحقت الشعوب دون رحمة، دون أن تحظى باستراحة.. ربما الاستراحات القصيرة التي حظيت بها تمثلت في مجالات الترفيه، وأهمها وأكثرها انتشارا البطولات الرياضية، وأشهرها بطولة كأس العالم..

تنتظرها الشعوب بترقب وشغف كل أربع سنوات، لتجد فيها تعويضاً عن كربها وآلامها، متنفساً لمشاعر القهر المكبوتة، لعلها تداوي بعض جراحها، وتنسيها واقعها الأليم ولو لبعض الوقت، وبشكل مؤقت وعارض.. ولكن حتى هذه اللعبة لم تخلُ من أشكال القهر والفساد والعنصرية..

استكثرت قوى الشر والطغيان على شعوب العالم المقهورة هذه الاستراحة، استكثرت عليهم الفرح، بل وحرمتهم منه.. لقد حاولت شعوب كثيرة من دول العالم الثالث استخدام الرياضة وكرة القدم لتجد لها من خلالها مكانا في هذا العصر، وبين الدول المتقدمة والغنية.. كافحت واشتغلت بجد لبناء منتخب رياضي قادر على حمل أحلامها وصنع انتصار أو تحقيق منجز لعله يدخل الفرح إلى قلوب الناس..

مصر، مثال حي على هذه المحاولة؛ شكلت منتخبا قويا، وهذا المنتخب خاض مباريات عديدة بعزيمة وروح قتالية، وحقق انتصارات مهمة ومبهرة، وكان على مقربة من إنجاز كبير وتاريخي.. لكن تحيز الحكام حرمهم وبشكل سافر ومفضوح من هذا الإنجاز، سرق منهم فرحتهم، وصادر أحلام شعب كامل، ومعه أحلام الأمة العربية بأكملها، وكل الشعوب المقهورة..

لم يكن تحيز الحكم حالة منفردة وعابرة، أو مجرد خطأ بشري، كان واضحا أنه نتاج منظومة كاملة من الفساد.. لم تكن مباراة مصر والأرجنتين المثال الوحيد على هذا الفساد.. جميع المباريات التي خاضتها الأرجنتين شهدت تحيز الحكام، وصار واضحا لكل العالم أن الفيفا قررت منذ البداية أن الأرجنتين هي من ستفوز بالبطولة، ومن أجل ذلك وظفت كل إمكانياتها لتذليل العقبات، وتمهيد الطريق أمامها للوصول إلى النهاية..

في المقابل تغاضت وتواطأت مع كل ما فعلته أميركا تجاه المنتخب الإيراني للحيلولة دون تسجيله أية انتصارات، من ضغوطات وتمييز في المعاملة، وفرض إقامة المنتخب في المكسيك بينما مبارياته داخل أميركا، حتى في انحياز الحكام، كان الظلم واضحا..

لماذا الأرجنتين؟ لأنها الدولة الوحيدة في أميركا الجنوبية التي تدعم إسرائيل، وقد زار رئيسها إسرائيل ثلاث مرات خلال حربها العدوانية على غزة، وأعلن دعمه الكامل لها، ولأنها الدولة التي تتماهى مع إسرائيل في عنصريتها ونزوعها المتزايد نحو اليمين الفاشي.. ولا غرابة أن الجمهور الإسرائيلي من أشد المتحمسين للمنتخب الأرجنتيني.

لماذا ميسي؟ لأنه اللاعب الوحيد الذي زار إسرائيل، وأعلن تضامنه معها.. ولأنه اللاعب الأشهر الذي لم يتبن أي موقف سياسي أو إنساني تجاه أي قضية عادلة.. لذلك، صار فتى الفيفا المدلل.. ولاعب بهذه المواصفات يُعد كنزاً ثميناً بالنسة للفيفا: تستخدمه لتسويق سياساتها، وتبريرها، وتجميلها في أعين العالم، وللتغطية على فسادها، تستخدمه للدعاية والإعلان والمراهنات..

تزعم الدول الغربية أن الرياضة غير مسيسة، ولكنها هي نفسها استخدمتها سلاحا ضد روسيا بسبب حربها على أوكرانيا، حيث حرمتها من المشاركة في كافة الفعاليات الرياضية الدولية، بما فيها الشطرنج ورقص الباليه! وسط تواطؤ الفيفا. الأمر نفسه يتكرر مع أي رياضي يعلن تضامنه مع الشعب الفلسطيني، بما في ذلك رفع العلم أو الكوفية الفلسطينية! هنا فقط تصبح الرياضة غير مسيسة! ومع ذلك، ظل العلم الفلسطيني حاضرا في أغلب المباريات، وكأنّ فلسطين المنتخب الخفي الحاضر في كل مواجهة.. وحين رفع المدرب المصري البطل حسام حسن العلم الفلسطيني في قلب أميركا عوقب بشدة.. وكان القرار استبعاد المنتخب المصري ووضع حد لصعوده في المونديال!

عموماً هذا ليس بجديد على الفيفا، وأقصد الفساد من جهة، وتوظيفها المونديال في السياسة من جهة أخرى، ولخدمة الفاشيات والدكتاتوريات ومنظومة الفساد العالمية من كبريات الشركات العملاقة، ورؤوس الأموال، والقوى المتنفذة والمافيات الدولية.. أنظر كيف سوّق هتلر النازية في مونديال برلين 1936، وكيف استخدمها دكتاتور الأرجنتين السابق "فيديلا" في مونديال 1978، ليطوي بها صفحة مظلمة من تاريح الأرجنتين.

للمونديال سجل حافل في الفساد، أشهرها مونديال 2002 في كوريا، التي اشترت الحكام ووصلت إلى النهائيات بطرق غير مشروعة.. كل دولة تريد تحقيق منجزات سياسية أو تبييض صفحتها أو للتغطية على فسادها تعمل كل ما بوسعها لاستضافة المونديال.. بالمناسبة الدولة المستضيفة لا تستفيد شيئا، عليها عبء بناء الملاعب ومرفقاتها، وتكلفة المصاريف اللوجستية والأمنية وتجهيز البنية التحتية وتأمين الطرق.. وهذه مبالغ طائلة تقدر عادة بالمليارات، في المقابل عائدات البطولة من تذاكر وحقوق البث وأرباح الدعايات وبيع الماركات والقمصان والمراهنات وغير ذلك كلها تذهب إلى الفيفا مباشرة كأرباح صافية لا تدفع منها سنتا واحدا كضرائب.. وهذه الأرباح تقدر بالمليارات، ولا أحد يعرف أين تروح، فالفيفا لا توجد عليها أية رقابة مالية من أية جهة..

صدّقت شعوب العالم أن الرياضة يجب أن تخلو من السياسة، وأن كرة القدم توحد الشعوب.. وأن الفيفا مؤسسة محايدة وأهدافها نبيلة.. لكن مباراة مصر والأرجنتين كشفت عن هذه الأوهام والتمنيات البريئة، كانت مثالا صارخا لفساد الفيفا، وقد أثارت حالة غير مسبوقة من السخط والغضب في صفوف الملايين حول العالم.. هذه المباراة شكلت فرصة لفضح هذه المنظومة الفاسدة.. وهي فرصة لشعوب العالم المقهورة لتواصل صراخها وحراكها ضد الظلم والفساد والعنصرية.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق