أهلا بكم

على هذه الصفحة نثير التساؤلات ،، ونفكر ،، ولا نعرف حدوداً للتوقف

آخر الأخبار

يوليو 08، 2026

انقسام وضجة إعلامية مفتعلة

 

لو أني تحدثتُ عن قوانين نيوتن في الجاذبية ثم تبين لي أن هذا الحديث أسيئ فهمه من قبل أهلنا في غزة، أو أنه جرح مشاعرهم سأخرج فورا دون تردد وأعتذر لهم، وسأقول إنها قوانين خاطئة.. ولن أشعر بأني خدعت أحدا أو أسأت للحقيقة العلمية، ذلك لأن الأهم من كل شيء هو مشاعر أهلنا في غزة.. بالذات في هذه اللحظة التاريخية. وليس من البطولة الانتصار عليهم، بل هذا منزلق خطير وقع فيه قادة ومثقفون..

في هذه اللحظة التاريخية الأشد مأساوية في تاريخنا فلسطين المعاصر يعيش أهلنا في غزة ظروفا بالغة الصعوبة، لدرجة يستحيل على العقل البشري استيعاب كيف يتحملونها.. بين الحزن على من فقدوهم، وبين معاناة الواقع الأليم، والقلق المرعب من المستقبل.. بين الركام والردم وأطلال المنازل المهدمة، وبين أكوام النفايات، ومستنقعات المجاري، والبعوض والبراغيث والقوارض، في الحر، ومع انقطاع الكهرباء، والغلاء وجشع التجار والسماسرة، وإرهاب المسلحين وجبروتهم وقسوتهم وجباياتهم، فوق كل هذا القهر والهوان خطر التهجير، وقصف الاحتلال وقناصيه وحصاره وإرهابه واستهدافه المدنيين دون رادع.. في هذا الواقع البشع كل حديث أو تحليل لا يأخذ هذه الظروف بعين الاعتبار سيكون مجرد هراء.. حديث منزوع الإنسانية، ومنزوع الوطنية، وبلا ضمير.. مجرد استعراض فارغ لا قيمة له..

كيف لشخصية عامة تقول إنها تدعم "المقاومة" وتناصر غزة.. كيف له ألا يخرج معتذراً منحنياً أمام آلام وعذابات الغزيين، تاركا الناس منشغلين في الدفاع عنه أو مهاجمته، وكأنه فرح بهذا الانقسام وبهذه الضجة، وهذا الضخ الإعلامي.. بغض النظر عن مدى دقة ما قاله بشأن إعادة إنتاج الأطفال.. طالما أسيء فهم تصريحاته لماذا لا يخرج ويوضح ويعتذر!! بالمناسبة، هنالك تصريح في مؤتمر عالمي قال فيه أنقذنا 82 ألف جنين (لدي فضول أن أعرف من الذي أنقذهم؟ وكيف؟).. وهنالك بودكاست آخر استخدم فيه عبارة "إنتاج produce"، هذا لمن يدافع عنه، وحتى تتوضح الأمور..

المشكلة ليست مع الدكتور البرغوثي، وهي لم تبدأ بتصريحاته الأخيرة المثيرة للجدل.. المشكلة الحقيقية مع جوقة الجزيرة المرتزقة التي انشغلت على مدار عامين بالتضليل والحديث عن انتصارات المقاومة والمثلثات الحمراء وتدمير 20 ألف دبابة، وأن حكومة نتنياهو ستسقط الأسبوع القادم، وأن محور المقاومة سيغير المعادلات، وأن أهل غزة أسطورة بأجساد وأعصاب فولاذية، وانهم معتادون على الموت ويتقبلونه بفرح وفخر، وأنهم يسجلون الانتصارات..

هذه السردية التي بنتها الجزيرة لم تكن بريئة ولا عفوية.. فهي أولا خاطئة، لأن جميع توقعاتهم خابت بل وأتت النتائج معاكسة تماما؛ فجيش الاحتلال دخل بريا إلى كل حارة وزقاق في القطاع، واحتله بالكامل، وهو يسيطر فعليا ومباشرة على 70% من القطاع.. وتبين أن الحديث عن محاور القتال والقطاعات العسكرية وغابات الزيتون وقذائف الياسين والأنفاق والصواريخ.. لم يكن أكثر من تهويمات وتمنيات طوباوية ساذجة.. ثانياً، وهذا الأهم: هذه السردية حرفت الأنظار عن الحقيقة، وضللت شعوب العالم.. فقد قدمت العدوان في صورة مواجهة عسكرية بين جيشين، وبين قويتين صاروخيتين، وأن هناك مقاومة قوية تتصدى بل وتسجل انتصارات، وبالتالي فإن ما يحصل ليس إبادة جماعية، بل إسرائيل تحارب جيشا مقداما لديه ترسانة صواريخ.. ماذا كانت النتيجة؟

بدايةً تأثرت شعوب العالم وصدقت، ما جعلها تدرك في قرارة نفسها أن النصر حتمي، وما علينا سوى صبر ساعة، ولا حاجة للتحرك وللفعل، وبالتالي البقاء في موقع المتفرج المشجع، ولم يكن غريبا أن حراك الجماهير (خاصة في الأردن) كان موجها فقط لنصرة "المقاومة"، مع تغييب كامل لأوجه المأساة الإنسانية الكارثية.. وغياب فاضح للمبادرات السياسية والإعلامية والجماهيرية التي من شأنها الضغط على إسرائيل لوقف العدوان..

ثم إن هذه السردية أراحت إسرائيل وخففت عنها عبء الضغوطات الدولية، لتوضيح ذلك، لنتخيل  لو أن الرأي العام العربي والإسلامي والعالمي تشكل على أساس أن إسرائيل تنفذ إبادة جماعية وحملة تطهير عرقي وترتكب جرائم حرب وهدفها الحقيقي الناس المدنيين العزل، وتفريغ غزة من سكانها، وجعلها بيئة طاردة، وتغيير معطيات الواقع بحيث يتكرس الانقسام، ويتم عزل الضفة (تمهيدا للضم) والتخلص من استحقاقات الحل السياسي وتصفية القضية الفلسطينية نهائيا.. وأن كل حديثها عن الدفاع عن نفسها، وعن محاربة إرهاب حماس مجرد تضليل وخداع لتتمكن تحت هذا الغطاء من مواصلة تنفيذ مخططها الإستراتيجي.. لو أن هذه السردية هي التي سادت بدلا من أكاذيب الدويري والجزيرة.. هل كان بوسع إسرائيل فعل كل مافعلته في غزة؟ أعتقد جازما أن الإجابة لا وبشكل قاطع.

هذه السردية صورت المقاومة على إنها فقط بالسلاح، وليس أي سلاح (الصواريخ والقذائف..)، وأنها محصورة فقط في غزة، وأن حماس هي فقط من يجسدها.. وبهذا الطرح تم إلغاء وتغييب وتقزيم كافة أشكال المقاومة الأخرى، ولهذا لم نشهد أي حراك جماهيري في الضفة ولا في القدس ولا في الداخل المحتل، لأن أي فعل مسلح سيكون ثمنه باهظاً وفوق التحمل، سيحول المنطقة إلى كومة خراب وإلى رفح أخرى، وهذا ثمن لا يرغب أحد بدفعه، ليس جبناً ولا تخاذلاً ولا تقصيراً.. بل هو انحياز طبيعي لخيار الحياة ولقوانين الطبيعة والإنسانية، هو خيار عقلاني في عالم مجنون.. خاصة مع توحش الاحتلال وتواطؤ العالم معه.. والغريب أن هناك من كان يحرض ويدفع باتجاه تفجير المنطقة، وبالتالي تقديم الذريعة لإسرائيل أن تواصل مخططها في كل فلسطين وصولا إلى تصفية القضية وسط سكوت العالم وموافقته، وكل ما سنحصل عليه قصائد الرثاء، وبوستات النشطاء المتحمسة والساخطة، وحملات التبرع التي ستُسرق..

هذه السردية مثّلت أكبر حملة تضليل وكذب في التاريخ الحديث.. والغريب أنه بعد كل هذه النتائج وبعد أن تبين أن تحليلاتهم هراء وأوهام وتدليس.. لم يعتذر منهم أحد، ويقول كنت مخطئا..

معركتنا الحقيقية ليس مع هؤلاء كأشخاص، وأنهم جنوا ثروات على حساب أطفال غزة، هذا موضوع آخر.. معركتنا الأساسية مع الاحتلال وضد منظومة الظلم والعنصرية والاضطهاد.. ومهمة كل وطني شريف تفنيد هذه السردية، وفضح أكاذيبها، وبناء سردية وطنية واعية وصادقة تضع الإنسان في المقام الأول، ليس بوصفه قربانا، ولا ماكنة إنتاج، بل باعتباره هو القضية وهو الهدف الأسمى والأهم..

نريد سردية قائمة على التخطيط العقلاني، بلا شعارات وشعبوية وتكسُّب وغيبيات وحديث عن انتصارات تاريخية..

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق