في أولمبياد قطر 2022 حقق المنتخب المغربي نتائج أذهلت العالم، وحل في المركز الرابع متجاوزا أهم المنتخبات الأوروبية، اليوم صعد المنتخب المغربي إلى المركز الخامس في التصنيف العالمي المباشر للاتحاد الدولي لكرة القدم، مستفيداً من مواصلة مشواره في مونديال 2026، وإذا ما فاز على فرنسا سيكون على بعد خطوة واحدة من كأس العالم.
صحيح أنَّ
لاعبي المنتخب المغربي استفادوا من تجاربهم في دوريات وأندية أوروبا، لكن هذا
النجاح المبهر لم
يكن ليتحقق لولا دعم الشعب المغربي له، ولولا دعم الدولة، أو بعبارة أصح لولا
الوضع الجديد والمبهر الذي وصلت إلى المغرب خلال العقدين الماضيين.. كيف حصل ذلك؟
لنتابع:
ما بين القرن الثامن عشر وحتى منتصف القرن العشرين ضربت المغرب عدة مجاعات قاسية جدا، أودت بحياة مئات الألوف من
السكان، بسبب الجفاف والجراد والطاعون والصراعات السياسية وفساد السلطة، آخرها
مجاعة البون سنة 1944.
ودّع المغرب تلك
المرحلة البائسة،
اليوم أصبح مركزًا لصناعة أجزاء الطائرات، وأكبر منتج للسيارات في أفريقيا، بمنظومة
صناعية متطورة مرتبطة بكبريات الشركات الأوروبية. لم يعد يعتمد على الأمطار لري
المزروعات، ولم يعد ينتظرا غزوا للجراد أو مجاعة كل بضعة سنين..
قبل عشرين سنة كانت نسبة الأمية 48%، اليوم انخفضت حتى
23%.. كانت نسبة الفقر المدقع نحو 15%، وفي الأرياف أكثر بكثير.. اليوم انخفضت
النسبة حتى أخذت تتراوح بين 6 - 7%..
خلال العقدين الأخيرين
شهد الاقتصاد المغربي تحولات هيكلية مهمة، جعلته من أكثر الاقتصادات تنوعاً في أفريقيا،
فقد ارتفع الناتج المحلي الإجمالي من نحو 60 مليار دولار إلى أكثر من 160 مليار
دولار، بمعدل نمو يتراوح بين 6-8%، وبلغ نصيب الفرد من الناتج المحلي نحو 4,100
دولار. وبحسب مؤشر جيني (يُستخدم لقياس العدالة أو عدم المساواة في توزيع
الدخل داخل المجتمع، يتراوح بين صفر، ويعني مساواة كاملة وجميع أفراد المجتمع
يمتلكون الدخل نفسه، و 100، وتعني انعدام تام للمساواة، وكلما اقترب المؤشر من
الصفر كان ذلك أفضل ويعني عدالة أكثر)، وتشير بيانات البنك الدولي إلى أن مؤشر
جيني في المغرب انخفض من 40.6 سنة 2000 حتى 39.4 سنة 2013، ما يعني أنه انخفض
بصورة طفيفة، وبقي بين المتوسط والمرتفعً نسبيًا، وهو ما يعكس استمرار فجوات في
الدخل والثروة وفرص العمل بين سكان المدن والأرياف.
المنهجية المهمة
والذكية التي اتبعها المغرب خلال العقدين الماضيين هي تنويع الاقتصاد إلى قطاعات رئيسية،
أبرزها صناعة السيارات (صدر المغرب سنة 2025 نحو 700 ألف سيارة معظمها للسوق الأوربية،
محققا إيرادات تجاوزت 12 مليار دولار). وكذلك قطاع صناعة الطائرات وأجزائها، وقطاع
الفوسفات والأسمدة الزراعية، والسياحة والخدمات والموانئ واللوجستيات، والطاقة
المتجددة التي صار من أبرز روادها على مستوى المنطقة.
كما اعتمد
المغرب نموذجاً يقوم على الاستثمار الكبير في البنية التحتية والمشاريع الكبرى مثل
الموانئ (ميناء طنجة)، والمطارات الحديثة، وبناء شبكة طرق سريعة تربط أجزاء المملكة،
والقطار فائق السرعة، ومشاريع الطاقة الشمسية والرياح.. ما أسهم في جذب استثمارات
أجنبية كبيرة، مكّنه من تحقيق كل ذلك موقعه الجغرافي المميز، وحالة الاستقرار السياسي
التي تنعم بها البلاد، وامتلاكه بنية تحتية متطورة.
رغم تحسن
المؤشرات الرسمية، ما زالت شريحة واسعة تشعر بضغط اقتصادي، بسبب ارتفاع تكاليف
المعيشة، وزيادة أسعار الغذاء والطاقة، وأسعار السكن في المدن الكبرى، إضافة إلى
ذلك، ما زال المغرب يواجه تحديات جسيمة، منها ارتفاع معدلات البطالة، خاصة عند الشباب،
وخريجي الجامعات، واتساع الفوارق بين المدن والمناطق الريفية، وبين الفئات ذات
الدخل المرتفع والمنخفض.
إذا قورن المغرب بما كان عليه قبل عشرين عاماً سنجد دولة
تستثمر بكثافة في المستقبل عبر البنية التحتية، والصناعات المتطورة، والطاقة
المتجددة، واقتصاد صاعد يمتلك مقومات واعدة يزداد انفتاحاً وتنافسية، ويجذب
استثمارات أجنبية، قادر على استضافة فعاليات دولية كبرى مثل بطولة أمم أفريقيا 2026، وبطولة كأس العالم 2030
(بالشراكة مع إسبانيا والبرتغال). في المقابل سنجد مجتمعا يطالب بثمار تلك التنمية
بصورة أكثر عدالة، ويطالب بتحسين جودة التعليم والصحة، وخفض البطالة، وتقليص
الفوارق بين المناطق والفئات الاجتماعية.
لم أتشرف بزيارة المغرب، لكن أصدقاء لي كُثر زاروا
المغرب للدراسة أو للسياحة أو للأعمال، أو للمشاركة في فعالية ما، منهم سفيرنا في
المغرب حسن عبد الرحمن (2005-2010)، جميعهم عادوا بانطباعات إيجابية، مأخوذين بسحر
المغرب وجمال طبيعته، ومدنه الحديثة، وبطيبة وكرم المغاربة، وحبهم لفلسطين..
تربط المغاربة علاقة وجدانية عميقة بفلسطين، ولا يوجد
قضية أخرى تحظى بإجماع الجميع، من الملك محمد السادس إلى الموظف والعامل وسائق
التاكسي، مثل القضية الفلسطينية، باستثناء قضية وحدة التراب الوطني المغربي
بالصحراء الجنوبية لبلادهم، وليس مستغرباً أن البلد العربي والإسلامي الوحيد الذي
تأسّست فيه منذ سنة 1968 جمعيات مدنية مختصة في دعم نضال الشعب الفلسطيني، مثل
الجمعية المغربية لمساندة الكفاح الفلسطيني. كما أن المغرب يحتضن لجنة القدس التي
يترأسها العاهل المغربي، وأيضا وكالة بيت مال القدس التي تقدّم سنويًا دعمًا
ماليًا لدعم صمود المقدسيين.
المغرب غني بتاريخه وحضارته، والقصر الملكي يكتسب شرعية
تاريخية ودينية (إمارة المؤمنين)، تمنحه سند الالتفاف الجماهيري حوله، بما تمثّله
الأسرة الحاكمة من ضمانة للوحدة الوطنية، هذه الأسرة أقدم ملكية حاكمة في العالم
منذ سنة 1666، ما يعطي المغرب خصوصية منفردة واستقراراً سياسيا راسخاً.
للمغرب تاريخ طويل في الحضارة والتراث على المستويات كافة،
بدءًا من علوم الدين والفلسفة والأدب والثقافة والفنون، ذلك التاريخ الحافل الذي شكّل
هوية المغرب العربية، والإسلامية، والأمازيغية، والأفريقية، والمتوسطية، والأندلسية.
يُعرف المغرب بأنّه موطن أُسود الأطلس، أو الأُسود
الأمازيغية المستخدمة كرمز تعبيري عن هوية الدولة، وتُعدّ هذه الأُسود أكبر سلالات الأُسود
حجماً على مرّ التاريخ، وقد انقرضت قبل نحو مائة عام. لكن منتخب أسود الأطلسي
سيعيد لها مجدها، وسيفرّحنا جميعا بانتصاراته.
عبد
الغني سلامه
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق