تخيل نفسك
تعيش في حقبة الخمسينيات من القرن الماضي وأنت تشاهد فيلم خيال علمي يتناول مستقبل
العالم، ويتنبأ بامتلاك تكنولوجيا اتصالات تتيح لأي شخصين في العالم التحدث صوت
وصورة (الإنترنت)، وعن جهاز حاسوب خارق الذكاء بقدرات جبارة في تقصي المعلومات وجمعها
وتحليلها وربطها بتفكير إبداعي (الذكاء الاصطناعي)..
ستقول في نفسك
هذا مجرد خيال علمي، ومن المستحيل أن يحدث، أو نحتاج قروناً طويلة من الزمن حتى
نصل إليه.. تصديقك أو تكذيبك ليس بيت القصيد هنا، لإيصال الفكرة تخيل خبير إستراتيجي
يحلل الفيلم، وبناء عليه يطرح تصوراته حول مستقبل العالم، ويؤكد على إمكانية تحقيق
كل ما جاء فيه، بل ويزيد عليها بأن هذه التكنولوجيا ستظل سرا مخبأً تحتفظ به
الجيوش وأجهزة المخابرات في الدول المتطورة، باعتبارها أقوى سلاح ممكن للتفوق على
بقية الدول، أو للسيطرة على الشعوب والتحكم في مساراتها وخياراتها.. ومن وجهة نظر
الخبير لن تسمح الدول القوية في إفشاء سر تلك التكنولوجيا، لأنه لو أتيح لعامة
الناس استخدام الإنترنت والذكاء الاصطناعي فيتكون سلاحهم الأقوى، وسيكون بمقدورهم توظيفه
في النضال التحرري، وفي مواجهة النظم الاستبدادية..
قبل أن تصدق أو
تكذّب، عليك أولا التفكير بعقلية الزمن الذي تعيش فيه (الخمسينيات)، وفقاً
للمعطيات الموجودة آنذاك، وأبرزها:
سياسيا: العالم
انتهى للتو من حرب عالمية مدمرة أزهقت أرواح الملايين، والنظام الدولي يتبدل،
بريطانيا وفرنسا القطبين السابقين يتقهقران وينسحبان من مستعمراتهما، وتحل مكانها
قوتان جديدتان عظميان: أميركا والاتحاد السوفيتي، وبينهما حرب باردة تدور رحاها في
عموم الكوكب، أوروبا تتعافى ببطء، ثورات شعبية تندلع في أميركا اللاتينية وشرق آسيا
وفي إفريقيا والشرق الأوسط، وأغلب البلدان تتحرر وتنال استقلالها، فيما تتبنى
العديد من دول العالم أنظمة ديمقراطية، تنشأ في مناطق متعددة أنظمة شمولية
ديكتاتورية..
اقتصاديا: تنقسم
اقتصاديات العالم إلى نظامين: رأسمالي، وآخر اشتراكي، ولكل منهما ميزاته وسلبياته،
وعلى الهامش تتبنى بعض الدول الغنية اقتصاد دولة الرفاه، الرأسمالية تتحول إلى وحش
يلتهم الفقراء والطبقة العاملة، أما الاشتراكية فتوزع الفقر والبؤس بالتساوي على
شعوبها..
علمياً وتكنولوجياً:
مع إن العلم كان قد قطع أشواطا مهمة في مسيرة تطوره: اكتشاف المضادات الحيوية، وال
DNA، والنظرية
النسبية، وميكانيكا الكم.. لكن تطور العلوم لم يكن دوما لدوافع إنسانية، فقد كانت
الحروب المحفز الأكبر والعامل الأهم لمعظم المخترعات: الطائرات بدأت حربية لأغراض
هجومية، وشطر الذرة لتحويلها إلى قوة ردع نووية، الاتصالات اللاسلكية كانت بهدف تأمين
التواصل بين قطاعات الجيوش، وكانت الهواتف المحمولة ضخمة جدا، الإنترنت في ذلك
الوقت كان متواضعا جدا وبدائيا، ومقتصرا على الجيش الأميركي، واستعمالاته محددة.
كان الراديو
قد بدأ ينتشر على مستوى شعبي، صناعة السينما كانت متواضعة، أما التلفزيون فكان
محدودا جدا، الهواتف تكاد تكون مقتصرة على المؤسسات والأثرياء، السفر صار متاحا
بالطائرات، وأخذت السيارات تنتشر على نطاق أوسع. حتى ذلك الوقت لم نكن نعرف 90% من المخترعات والأدوات التي نشهدها اليوم،
بل إن الحديث عنها يُعد رجما بالغيب.
لو طُلب في ذلك
الوقت من باحثين حالمين تصور شكل العالم سنة 2000، سيتخيلون اختراعات عجيبة وأنماط
حياة مدهشة، وسيركزون على غزو الفضاء.. المثير، أن كثيرا منها تحقق.. ومع ذلك، لا
يجب أن نكون متأكدين من إمكانية تحقيق كل النبوءات العلمية؛ فالمستقبل مجهول، وينطوي
على كل الاحتمالات، ويعلمنا التاريخ أن ما كان متوقعا وممكنا حدوثه لم يحدث أبدا،
بسبب عراقيل غير محسوبة، أو أن توقعاتنا كانت مبالغ فيها، مقابل سيناريوهات أخرى
لم تكن متوقعة، لكنها حدثت فعلا. فمثلا حين افتتح العصر النووي في الأربعينيات توقع
العلماء عالما نوويا بالكامل بحدود العام 2000، وبعد تحليق الإنسان في الفضاء
ووصوله القمر، توقعنا أنه بحدود عدة عقود سنتمكن من غزو الكواكب والتنقل فيما
بينها، لكن تلك التوقعات خابت، مقابل سيناريو الإنترنت الذي لم يخطر ببال العلماء
قبل خمسين سنة مثلا.
بيد أن مسيرة تطور العلم، وثورة التكنولوجيا تشجعنا على
توسعة خيالنا إلى أقصى مدى وتصور أشياء قد تبدو مستحيلة الآن، ومن شبه المؤكد أنّ كل
التقنيات التي نشهدها اليوم ستكون عبارة عن مخلفات تاريخية، سيكون مكانها المتحف،
تماما كما فعلنا بتقنيات عصر الآلة البخارية.
في المستقبل القريب، سنشهد تحولًا من استخدام
الإنترنت إلى استخدام شبكات المخ، حيث سيكون ممكنًا نقل الأفكار والعواطف والمشاعر
والذاكرة على الفور عبر الكرة الأرضية، وتوصيل الدماغ بجهاز حاسوب والبدء باستخلاص
بعض الذكريات والأفكار، أو حتى صناعة عقل بشري يفكر ويحس ويتفاعل، بقوة خارقة تفوق قدرات الحاسوب بمليار مرة..
سنتوصل إلى صناعة روبوتات بالغة الذكاء، وإذا
تخيلنا روبوت على شكل إنسان، بقوة الفولاذ والصلب، وبذكاء كمبيوتر متطور، ومرونة
ألياف الكربون، وبتقنيات المستقبل المذهلة.. هذا الروبوت من المحتمل أن يسود
الأرض، وأن يسيطر على الإنسان، وستكون له قدرة على التكاثر والتواصل والإحساس، قد يصبح الإنسان مجرد خادم للروبوت، أو حتى "حيوان أليف" مثل حيوانات
المنزل التي نربيها الآن..
في ذلك العالم البعيد، سيتم إعادة تعريف الإنسان، والثمن
الذي سندفعه لقاء تطورنا تدمير الذات الإنسانية، والقضاء على الخصوصية، والإرادة
الحرة، فضلا عن إمكانية اختراق أي عقل، ليس للحصول على ما فيه من معلومات وأسرار،
بل والتحكم به أيضا.
الاختراعات تبدأ بسيطة ثم تتطور، ولا يعود للمخترع قدرة
على التحكم فيها، كذلك كل مسارات العلم وثورة الاتصالات، والحياة نفسها والتغيرات
الاجتماعية والقيمية والسياسية، حتى الحركات الثورية والأحزاب والأيديولوجيات.. كلها
تبدأ بمسار معين، ثم تتطور وتتشعب وتنفجر ولا يعود لأصحابها وروادها الأوائل أي
قدرة على التحكم في مساراتها، حيث تصبح في أيدي جهات أخرى لها مصالح وتوجهات مختلفة،
وتطرأ تغيرات أخرى في قطاعات مختلفة لكنها تتداخل فيما بينها وتؤثر على بعضها.. تحاول
النظم والقوانين والقيم الاجتماعية والأخلاقية كبح تلك المسارات، أو ضبطها، لكن
هذا لا يدوم طويلا، فحتى القوانين والأعراف تتطور.
عندما تقرأ معطيات الحاضر وتحللها وتفككها بهدف استشراف
المستقبل قد تصيب وقد تخطئ، مهما أوتيت من علم وحكمة..
بين "لا شيء مستحيل"، و"ليس كل شيء ممكنا"..
سيتشكل مستقبل العالم.. وسترون العجب العجاب..
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق