أهلا بكم

على هذه الصفحة نثير التساؤلات ،، ونفكر ،، ولا نعرف حدوداً للتوقف

آخر الأخبار

أبريل 24، 2026

بين الطب الحقيقي والطب البديل، وضياء العوضي

 

ارتبط المرض والاستشفاء بالإنسان منذ أو وُجد، وكل الشعوب القديمة مارست الطب بشكلٍ ما؛ في عصور ما قبل التأريخ وجد الإنسان ضالته في استخدام بعض الأعشاب، ومع التجربة وتراكم المعرفة ميّز بين الضار والنافع..

طور المصريون القدماء أساليب متقدمة في الاستشفاء، وقد وُجدت برديات تشرح بالتفصيل عمليات التشريح والعلاج، وبعض الأمراض النسائية، ومشاكل الحمل، وطب الأسنان، وتجبير العظام.. وقد تميزت بخلوها تقريباً من المعتقدات السحرية، كما مارس الطب المصري القديم عمليات جراحية دقيقة، وأوجدوا غرفا لعزل المرضى، وسجلات لمتابعة المريض..

كما طورت الحضارت اليونانية الطب بمنهج علمي لدرجة أنَّ أبو قراط حمل لقب "أبو الطب"، وما يزال الأطباء حتى اليوم ملتزمون بقَسَمه.. 

في الصين وُجدت سجلات طبية تعود لقرنين قبل الميلاد، تعرض تخصصات دقيقة كطب الأطفال، والعيون، وأمراض القلب، والعلاج بالإبر. وكانت الدولة تجري امتحانات لتأهيل الأطباء في أوائل القرن الأول الميلادي.

امتدت مساهمة العلماء المسلمين في مختلف مجالات العلم والطب في العصر الذهبي الإسلامي (800-1100م)، مستفيدين من المعرفة التي تركها الأطباء والعلماء اليونانيين والرومان ومطورين لها. وقد اشتهر منهم ابن سينا والرازي وابن النفيس وابن الهيثم وغيرهم الذين كتبوا في علم وظائف الأعضاء، وطب العيون، وعلم الأجنة، وعلم النفس..  

شهدت العصور الوسطى تراجعا مروعاً في الطب حتى وصل أسوأ مراحله، خاصة في أوروبا؛ كان متوسط عمر الفرد 35 عاماً، ومعدل وفيات الأطفال حديثي الولادة نحو 20% والكثير من النساء يمتن أثناء الولادة، ومات الملايين نتيجة عدوى يمكن تفاديها مثل الجذام والجدري والطاعون، كان الطبيب يكتفى بالأعشاب، وبعض الوصفات البدائية.

مع أن الطب الشعبي والاستشفاء موغل في القِدم، وقد تطور من جيل إلى آخر؛ إلا أنَّ قطيعة حصلت ما بينه وبين الطب الحديث، الذي يرفض الاعتراف به، تحت مسمى "الطب البديل"؛ بمعنى أنك لن تجد في الصيدلية عبوات ميرمية، وزيزفون وبابونج (ستجدها في السوبرماركت أو عند العطّار)، ولن يكتب لك طبيب مختص وصفة حبّة البركة لعلاج السرطان، أو نبتة الخرشوف لعلاج التهاب الكبد، ولن تسمع عن مؤتمر علمي محترم عن العلاج بالزنجبيل، أو بذور الكتان..

قد تكون هذه الأعشاب وتلك الوصفات مفيدة للصحة، ولديها قدرات علاجية معينة، لكن الطب الحديث لا يعترف بها، وفي أحسن الأحوال ينصح بها خبراء التغذية لما تحتويه من عناصر وفيتناميات ومضادات أكسدة.. أي في إطار التوعية والوقاية وتحسين أنماط الحياة الصحية..

يعتمد الطب الشعبي على الخبرات الشخصية، قد تناسب عشبة معينة شخصاً ما، ولا تناسب غيره، كما أن الوصفات الشعبية عمومية وغير دقيقة من حيث التراكيز والكميات، ولم تخضع لتجارب واسعة، ولا تتضمن إحصاءات موثقة ومعتمدة.. خلافا للأدوية الحديثة التي تتطلب تجارب عملية على حيوانات ثم بشر، وتحليل النتائج، وتحديد تركيز المادة الفعالة، وكيفية حفظ وأخذ الدواء، وتفاعله مع الأدوية الأخرى، وما هي الأعراض الجانبية المحتملة.. وهذه التجارب تستغرق سنوات طويلة، وتكلف مبالغ طائلة، ويتم اعتمادها من قبل مؤسسات رسمية متخصصة.

النقلة النوعية في مسيرة تطور الطب حدثت بعد اكتشاف الجراثيم واكتشاف الدورة الدموية.. قبل ذلك لم يعرف الأطباء السبب الحقيقي لأغلب الأمراض، وماذا يحدث داخل الجسم.. وكان المداوون يلقون باللوم على الأرواح الشريرة، والخطايا، والجن، وبشكل غامض على القذارة والتلوث. أو خوارق الطبيعة، أو الحظ والنجوم، وفي أحسن الأحوال المداواة بالأعشاب التي أثبت الطب الحديث نجاح بعضها، ولكن بشكل نسبي.

النقلات الأهم حدثت مع تطور علوم التشريح، وابتكار اللقاحات والتطعيم، واكتشاف التخدير، واستخدام الأشعة السينية التي ساعدت الأطباء على التشخيص وتحديد العلاج، وإجراء العمليات الجراحية تجرى في ظروف معقمة وباستخدام القفازات.

ومع اكتشاف الفيروسات، والفيتامينات، والعناصر المعدنية، وعلاقة الغذاء بالصحة، ودور الهرمونات، والأمراض الوراثية.. ومع تطور أدوات الكشف والفحص مثل الفحوصات المخبرية والتصوير بالأشعة، وتطور الأجهزة والمعدات الطبية.. يمكن القول أنه بذلك ظهر الطب الحديث.

حاليا، أي شخص يمرض يتجه للطبيب المختص، الذي سيتعرف على أعراض المرض بمقارنتها مع ما تعلمه في الكتب، ثم يطلب فحوصات دم، بول، هرمونات.. ليتعرف على حالة المريض بشكل أدق.. وقد يطلب صورة تلفزيونية أو بالأشعة المقطعية.. إلى أن يصف الدواء المناسب وطريقة العلاج الصحيحة..  

مع أننا في القرن الحادي والعشرين، ما زال البعض يلجأ للمشايخ والسحرة والمشعوذين لكتابة الحُجُب والتعاويذ والأدعية، خاصة فيما يتعلق بالأمراض النفسية والعقلية والعصبية..

قبل أيام انتشر على وسائل التواصل خبر وفاة طبيب اسمه "ضياء العوضي"، وقال أنصاره بأنه تعرض للتصفية من قبل شركات الأدوية.. كانت أول مرة أسمع به، وبمجرد أن عرفت أنه مؤثر مشهور، ولديه ملايين المتابعين حتى توقعت أنه نصّاب.. لأن الأطباء الحقيقيون ومن يقدمون مادة علمية رصينة لا يحظون بملايين المتابعين.. وبعد أن قرأت عنه واطلعت على بعض ما نشره تأكدت أن ظني كان صحيحاً.

في المحتوى الذي قدمه تجاوز العوضي كل أسس ونظريات الطب والتغذية التي أنتجتها الجامعات والمراكز البحثية، وصار يروج لأفكار غريبة مثل الامتناع عن الأدوية، واستبدالها ببعض الأغذية التي سماها "الطيبات"، منها السكر... وطالب مرضى السكري بالتوقف عن أخذ الأنسولين، وغيرها من النصائح التي تسببت بحالات وفاة "مسجلة"، ومئات الحالات التي وصلت للمستشفيات وهي على حافة الموت..

نال شهرة واسعة، وكان الناس يصدقونه بسبب حضوره القوي على وسائل التواصل، ولأنه كان يتحدث بثقة مطلقة، مغلفا كلامه بهالة دينية، مهاجما شركات الأدوية والمؤسسات الرسمية.. وهذا الأسلوب الأمثل لجلب المعجبين والمتابعين.. خاصة الفقراء الذين يعجزون عن شراء أدويتهم، والبسطاء الذين ينخدعون بمعسول الكلام، والناقمين على السلطات والدولة والشركات الاحتكارية.. وأصحاب نظريات المؤامرة المقتنعين بأن شركات الأدوية تمتنع عن نشر دواء حقيقي للقضاء على أمراض مزمنة مثل السكري والضغط والسرطان حتى تظل تجارتهم رائجة..

مع أنه كان يبيع الأوهام، إلا أن ذلك لا يبرئ تاريخ الطب من ممارسات وأخطاء كارثية، ولا سجلات شركات الأدوية التي تجني ثروات طائلة على حساب المرضى.. ولكن، لو كان الأمر مجرد تجارة، فلماذا قضت شركات الأدوية على أمراض مستعصية كانت تفتك بملاىيين البشر؟

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق