أهلا بكم

على هذه الصفحة نثير التساؤلات ،، ونفكر ،، ولا نعرف حدوداً للتوقف

آخر الأخبار

مارس 07، 2026

صراع دولي، ومخاض عسير


على مدى التاريخ الطويل للحضارة الإنسانية كانت تظهر بين فينة وأخرى قوى طاغية جبارة، تتمدد وتهيمن بلا رادع حتى تستحوذ على مناطق شاسعة من العالم إلى أن تأتي قوة، أو قوى أخرى وتواجهها بطريقة حاسمة. في تلك اللحظات الفارقة يتشكل نظاما دوليا جديدا، ليس شرطا أن يكون أفضل من سابقه، فالطبيعة البشرية تميل نحو الهيمنة والطغيان. لكنه يسير ولو ببطء وتردد في منحى تطوري إيجابي، باتجاه تهذيب البشرية، وتعميق قيم الإنسانية..

في تاريخنا القريب اندلعت الحرب العالمية الثانية، تلك الحرب كانت نتاجا لوصول التناقضات البنيوية داخل الرأسمالية حد التصادم الحتمي، لأسباب اقتصادية وسياسية مختلفة.. لكنها أيضا كانت صداما بين أفكار شريرة: النازية الألمانية والفاشية الإيطالية والإمبريالية اليابانية من جهة ضد الإمبريالية الغربية (بريطانيا، وفرنسا وأميركا وحلفائهم) في الجهة المقابلة.

حُسمت الحرب بهزيمة دول المحور، والقضاء على النازية والفاشية وأفكار العنصرية والتفوق العرقي وخطاب الكراهية.. لكن الطرف المنتصر (الحلفاء) لم يكونوا أفضل حالا، فهم في الأساس نتاج حقبة الاستعمار بكل ما تضمنته من توحش واستعلاء وتاريخ مليء بالشرور..

بالتالي ما حصل هو أن بدل فكر العنصرية والإمبريالية ثوبه، وظهر بحلة جديدة.. لكن الوجه الجديد كان أقل توحشا، أو على الأقل ادعى ذلك، من خلال إعادة هيكلة النظام الدولي عبر مؤسسات أممية محايدة، وقوانين ومواثيق عالمية تنظم العلاقة بين الشعوب والدول بما يضمن حقوقها، وتندد بالاحتلال والحروب والعنصرية، وتعلي من قيم حقوق الإنسان.

يمكن النظر للحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران من نفس الزاوية؛ أي بوصفها صراعا بين قوى شريرة؛ بين مشاريع هيمنة وتجبر وطغيان.. وأنَّ هذه الحرب ستُحسم عاجلا أو آجلا، وستكون نهايتها إيذانا بحقبة تاريخية جديدة، يُعاد فيها صياغة النظام الدولي من جديد.. وأيضا، لن يكون بالضرورة أفضل من سابقه، ولكنه قد يكون أفضل، ولو نسبيا، أو على الأقل قد تأتي النتائج ضد رغبات ومخططات الطرفين، وعلى حساب مصالحهما، بل وبما يهدد مستقبلهما.

الفرق هنا أنها ليست حربا عالمية، ولا أظن أنها ستتحول إلى حرب إقليمية واسعة، قد تتسع رقعتها وتشتد قليلا، لكنها ستظل في إطارها الجغرافي، فلا توجد أي دولة محيطة راغبة (أو قادرة) على الانغماس في الحرب، حتى أوروربا المتأهبة (كذلك الصين واليابان) لن تتورط في الحرب، كل ما تسعى إليه تأمين موارد الطاقة وحماية الطرق التجارية وسلاسل الإمداد..

وإذا نظرنا لهذه الحرب من زاوية تاريخية وأيديولوجية سنرى صراعا بين أفكار شريرة: إيران ومنذ مجيء الخميني تقوم على فكرة ولاية الفقيه، وعصمة الإمام (تقديس المرشد الأعلى)، وعودة المهدي المنتظر.. وتعتمد سياساتها على مبدأ تصدير الثورة، والتوسع والهمينة ومد النفوذ، والاستقواء بأذرعها الإقليمة بخطاب وأدوات طائفية..

في الجهة المقابلة، بعد الإقرار بطبيعة الإمبريالية الأميركية الاستعلائية العدوانية.. وبطبيعة الصهيونية العنصرية التوسعية، والتقائهما في مشروع استعماري عدواني عالمي غاشم وظالم، والتأكيد على الطبيعة السياسية والاقتصادية لهذا المشروع.. يمكن تشخيص الجانب الأيديولوجي في هذا المعسكر الشرير؛ حينها سنرى التقاء وتلاحم ما بين الصهيونية المسيحية المسيانية والصهيونية اليهودية (هما وجهان لعملة واحدة، بل إن الصهيونية المسيحية سبقت تاريخيا الصهيونية اليهودية، وهي التي أسست لها)، وقد تزاوجت الصهيونية (بشقيها) مع طبقة من الرأسماليين الجشعين العنصريين الذين لا يرون العالم إلا من زاوية الاستحواذ والهيمنة بالقوة الغاشمة والتسلط.

تؤمن الكنيسة البروتستانتية الأصولية بأن قيام دولة إسرائيل مسألة دينية، باعتبارها تجسيدا لنبوءات الكتاب المقدس، وتشكل المقدمة لمجيء المسيح المخلص إلى الأرض، وبالتالي رأت أن من واجبها الدفاع عن اليهود، وعن حقهم بوطن قومي والعودة إلى أرض الميعاد.. من هذه الكنيسة نشأت جماعة أصولية متشددة (البيوريتانية). عملت على إحياء العهد القديم "التوراه"، واعتبرته أساس المسيحية، وجعلته مرجعيتها بدلاً من تفسيرات الكنيسة الكاثوليكية؛ وجعلت من يوم السبت بدلاً من الأحد ذكرى قيام المسيح، وأخذت تستخدم اللغة العبرية في صلواتها وكنائسها.

ومع بدايات القرن التاسع عشر حدث انقسام بين منظري المسيحية الصهيونية، حيث ظهرت مدرستان: البريطانية الداعمة لنظرية تحول اليهود للمسيحية قبل عودتهم لفلسطين كمسيحيين، والأميركية التي آمنت بأن اليهود سيعودون إلى فلسطين كيهود قبل تحولهم للمسيحية. وربطت بين عودة المسيح والألفية السعيدة، والحرب الكونية على الأشرار، "هرمجدون" بين اليهود وأعدائهم الكفار.

ظلت الصهيونية المسيحية تيارا هامشيا في الغرب، ولم تهيمن على الحياة الدينية والسياسية، لأن الكاثوليكية والأرثوذكسية عارضتها، لكنها ساهمت في تشكيل الصهيونية اليهودية الجديدة. ثم أتت السياسة البريطانية وأطلقتها لتخفي البعد السياسي لمشروعها الاستعماري وتتوارى خلف اللباس الديني، ثم وظفت الولايات المتحدة تلك الأساطير لخدمة البعد السياسي؛ فتم ربط الأفكار الدينية مع السياسة الواقعية؛ أي الاستقواء بها تحت شعار الدين، بالإستفادة من اليهود وتوظيفهم في خدمة المصالح الاستعمارية، ومنذ عهد "كرومويل" وحتى عهد "دونالد ترامب" كان أي اهتمام استعماري بفلسطين يعتمد على دافع الربح تجارياً، أو استعمارياً وعسكرياً، ولكن بغطاء الدافع الديني وأساطيره.

لاحظ هنا أفكار الخلاص الأبدي، ونهاية العالم، ومعركة هرمجدون، والمسيا المخلّص، والألفية السعيدة، وأرض الميعاد، والهيكل.. وهي مجرد أساطير وخزعبلات لا أساس لها من الصحة، تروجها نخبة اقتصادية سياسية مسيطرة، لها أطماع شريرة ومشاريع توسعية.. ولا يؤمن بها سوى السذج والبلهاء، وهم كُثر.. والغريب المضحك أن الصهيونية المسيحية تبدو كداعم لليهود، لكنها تدعم عودتهم لأرض الميعاد تمهيدا للقضاء عليهم، إما بتحولهم للمسيحية أو بمقتلهم في هرمجدون!!

في هذه الحرب، تتصارع المصالح الاقتصادية ومشاريع الهيمنة، ويتلاقي الجنون والتوحش مع الأيديولوجيا والأساطير.. لكن كل هذا لن يدوم، وكما كنس العالم النازية والفاشية سيكنس عاجلا أم آجلا كل تلك الشرور،كل شيء سيتغير: القواعد والخرائط والعلاقات.. ستستفيق الإنسانية وستدرك أن مجانين مثل ترامب ونتنياهو يعبثان بالسلم العالمي ويقودان العالم نحو الهاوية.. ولا بد من إيقافهما..

وهذا هو المخاض العسير..

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق