في العام 1979
أطاح الزلزال الإيراني بنظام الشاه، وكانت أولى ارتدادات تلك الهزة في الساحة
الفلسطينية؛ تمثلت البداية بانقسام فكري بين مؤيدي الخميني ومعارضيه، ولما اندلعت
الحرب العراقية الإيرانية تحول إلى انقسام سياسي بين مؤيدي كل طرف.. بدأ مؤيدو
إيران بالترويج لمقولة انتصار الثورة الإسلامية، وصوابية الخيار الديني، بعد أن
كانت القناعة راسخة وملتفة حول مقولة انتصار الثورة الشعبية والخيار الوطني.. جاء
النموذج الإيراني ليقول إن الثورة في العالم العربي والإسلامي يجب أن تكون إسلامية
فقط، بمضمون وعمق ديني..
حينها، بدأت
حالة من تفكك الروابط التنظيمية الفتحوية، وتراجعت قوة التيار اليساري الذي كان
يتسم بالطرح العقلاني الثوري غير الطائفي، وانتهت الكتيبة الطلابية، وظهر تيار
منبهر بالنموذج الإيراني (منير شفيق، أنيس النقاش، عماد مغنية وغيرهم)، في حين خرج
حمدي وأبو حسن ومروان، وهم من أعمدة الكتيبة الطلابية، ليسيروا على الدرب الجهادي
ولكن في إطار فتح، وخرج الكثيرين من كوادر فتح من مسيحيين ودروز وشيعة الذين رجعوا
إلى طوائفهم وانضموا لأحزاب طائفية.
التأثير الآخر
كان على شيعة لبنان، بعد أن كانوا جميعهم إلى جانب الثورة الفلسطينية، سرعان ما
بدأ بعضهم بالصدام مع الثورة الفلسطينية ومع الحركة الوطنية اللبنانية.. في
المناطق السنية (طرابلس وصيدا والمخيمات الفلسطينية) نشأت الحركات الأصولية، التي
أخذت منحى طائفي متطرف، وانشغلت في قضايا ثانوية وصراعات مذهبية.
حينها أفاق
مارد الطائفية بعد سبات طويل، وانتعشت حركات الإسلام السياسي في المنطقة، وانطلقت
في موجة جديدة؛ الوهابية في مواجهة "تصدير الثورة الإيرانية"، والجهادية
المدعومة من إيران ضد "العدو القريب"، وصار العنف السمة الطاغية.. وبدأ
التدين الشكلي يغزو المجتمعات العربية..
أشياء كثيرة تمخضت
عنها تلك الإرهاصات، آخرها دعم وتشجيع إيران لحركة حماس للاستيلاء على غزة، لتنضم
إلى أذرعها الضاربة في الإقليم.. وكان هذا الانقسام أخطر ضربة وجهت للمشروع الوطني
الفلسطيني، وأكثر ما أضر بالقضية الفلسطينية، وأرجعها سنوات للوراء.
من البديهي أن
مسلسل الانحدار في الساحة الفلسطينية، وكل التراجعات والإخفاقات التي حصلت لم تكن
إيران المسؤولة الوحيدة عنها، هنالك أسباب وعوامل ذاتية تتحمل مسؤوليتها القيادة
الفلسطينية وحركة فتح وسائر الفصائل الوطنية، وهناك أسباب ومؤثرات خارجية تمثلت في
المخططات الإسرائيلية المعادية والسياسات الأميركية المنحازة وتأثيرات الأنظمة
العربية السلبية والتغيرات العميقة في النظام الدولي.. ولكن مجازا ومن باب التحقيب
الزمني سنسمي العقود الأخيرة (تجاوزا) بالزمن الإيراني، مع التأكيد مرة ثانية أن
إيران ليست وحدها الطرف المؤثر. وهذا ما يغري بإجراء مقاربات بين زمنين: ما قبل
التغلغل الإيراني في الساحة الفلسطينية، وما بعده..
قبل امتداد
النفوذ الإيراني، كان الشعب الفلسطيني موحدا، وملتفا حول برنامج مقاومة في إطار
الحركة الوطنية، وكانت القوى الوطنية والجماهير تخوض نضالا شعبيا
"سلميا" جوهره وهدفه تثبيت صمود الفلسطينيين في أرضهم، وإبقاء جذوة
القضية مشتعلة، وبين فينة وأخرى تُنفذ عمليات فدائية "محدودة".. فيما
تخوض قوات الثورة مواجهات عسكرية مع الاحتلال، أبرزها اجتياح بيروت 1982..
في الأراضي
المحتلة كانت الحياة شبه طبيعية، التضحيات ضمن القدرة على التحمل، وكانت منظمة
التحرير تنشئ وتدعم المؤسسات الوطنية من بلديات وجامعات ومستشفيات وتمول مشاريع
تنموية مختلفة، وتدعم الحركة الصحافية والثقافية التي لعبت دورا مهما في إعادة
تشكيل وتغيير واقع المجتمع الفلسطيني، وساهمت في تقوية الحركة الوطنية.. ظهرت
الجبهة الوطنية التي خاضت انتخابات البلديات وفازت ببرنامجها الوطني المناهض
للاحتلال، وبرزت قيادات وطنية معتدلة ووسطية من وزن فهد القواسمي، وبسام الشكعة، وغيرهم؛
كانوا منتخبون مباشرة من الشعب، ولا يتبنون أطروحات أيديولوجية مطلقة وإقصائية ولا
مشاريع عدمية، بل كانوا واقعيين وعقلانيين.
في الخارج واصلت
الثورة الفلسطينية صعودها وقد حققت بعض أهم أهدافها: اعتراف جامعة الدول العربية
بالمنظمة ممثلا شرعيا ووحيدا للشعب الفلسطيني، تبعها اعتراف منظمة التعاون
الإسلامي، ومنظمة الوحدة الإفريقية، ومنظمة عدم الإنحياز، واعتراف الأمم المتحدة بها،
ومنحها صفة عضو مراقب، وخطاب ياسر عرفات الشهير في الأمم المتحدة سنة 1974، وتصويت
الجمعية العامة على قرار يعتبر الصهيونية شكلا من أشكال العنصرية.
بعد أن كان
إدخال قطعة سلاح للأرض المحتلة يتطلب تخطيط شهور وعمليات تسلل جريئة.. اليوم، توجد
في أيدي الفلسطيننيين مئات آلاف قطع السلاح (حتى بيد أطفال ومراهقين)، وامتلكت
حماس والجهاد ترسانة "صاروخية" ومئات الكيلومترات من الأنفاق، وميليشيات
مسلحة صورت نفسها على شكل جيش نظامي.. كما دخل على خط الصراع العسكري المباشر جهات
غير فلسطينية: حزب الله بترسانته الصاروخية وجيشه شبه النظامي، الحوثيون
بمسيّراتههم وصواريخم، إيران بكل قوتها، وصارت تل أبيب تُدك بمئات الصواريخ
الباليستية والانشطارية والمسيرات الانقضاضية..
مع كل هذا
السلاح وتلك التضحيات الهائلة، إلا أن القضية الفلسطينية (التي تبدو في الصدارة) تواجه
أسوأ وأخطر مراحلها، والشعب الفلسطيني بات مهددا بوجوده، وقد مني بهزيمة عسكرية
وسياسية أدت إلى تعقيد المشهد الفلسطيني وتأزمه، وفقدَ الفلسطينيون ولأول مرة منذ
انطلاقة الثورة قدرتهم على فرض رؤاهم، وتحديد مساراتهم، ولم يعد بوسعهم التأثير في
مجريات الأحداث، أو حتى الاعتراض. بمعنى آخر فقدوا قرارهم المستقل، الذي بات بيد
أميركا وإسرائيل والوسطاء الدوليين.
غزة تدمرت، وفقدت
10% من سكانها، ومن نجوا يبيتون في الخيام، يواجهون مستقبلا غامضا، حماس التي
تعرفونها انتهت، مشروع المقاومة المسلحة لم يعد ممكناً، القدس في طريقها للتهويد، باقي
الضفة الغربية صارت مرتعا للمستوطنين، وحكومة نتنياهو اليمينية تواصل فرض مخططاتها
على الأرض، بالقوة الغاشمة.. السلطة تئن تحت حصار خانق..
رغم وقوع
خسائر مادية جسيمة، ومقتل مئات الجنود، وتكبدها خسائر اقتصادية فادحة، وتضرر سمعتها
الدولية، وفقدانها رأسمالها الرمزي.. إلا أن إسرائيل تبدو الدولة الأقوى في المنطقة
المتفوقة تكنولوجيا وإداريا وإعلاميا؛ تقتل، وتقصف، وتدمر، وتغتال قادة ورؤساء
دول، وتهدم أحياء بأكملها، وتمارس التطهير العرقي، وتهجير السكان، وصلت بها
العنجهية لحد الطلب من سكان طهران إخلاء مساكنهم وإجبارهم على النزوح، كذلك في
لبنان، وقبل ذلك في غزة.. تعتدي على سبع دول.. والعالم صامت، ومنصاع وخاضع، بل
ويدافع عنها.. ولا يجرؤ أحد على انتقادها..
إذا أردنا
استعادة المبادرة، والنهوض من جديد، يتوجب إجراء مراجعة نقدية شاملة وشجاعة،
والبدء بمسارات جديدة وطريقة تفكير مختلفة..
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق