في العام 2015
شاركتُ في كتاب صدر عن مركز المسبار للبحوث، حمل عنوان: منصات الميديا والعنف
المقدس، وكانت مشاركتي في فصل خاص عن إعلام الإخوان المسلمين، خاصة على منصات
التواصل الاجتماعي، وأهمية البحث آنذاك أنه جاء بعد الإطاحة بالرئيس الإخواني
السابق محمد مرسي..
على مدى شهور
اعتكفتُ على متابعة صفحات الإخوان الإعلامية، بدأت بالإطلاع على معظم ما نُشر في
الفترة التي سبقت مرسي، وخلال السنة التي حكم فيها الإخوان مصر، ومثلت حينها ذروة
صعود الإسلام السياسي في المنطقة، ثم الفترة التي تلتها.
خلاصة البحث أنَّ جماعة
الإخوان مجرد حزب سياسي يسعى للوصول للسلطة، أو لفرض مفاهيمه السياسية والاجتماعية
والاقتصادية على المجتمع، يخوض صراعا مع الدولة أو ضد التيارات الأخرى بما فيها
القوى والأحزاب الدينية، وهو صراع سياسي محض بين بشر عاديين يتقاتلون على السلطة. وما
"الدين"، واستخدام النصوص إلا غطاءً يُستخدم لكسب التأييد الجماهيري
والفوز في الانتخابات، أو لتبرير أهداف دنيوية.
في بداية أزمة الإخوان مع الرئيس السيسي
بنى الخطاب الإخواني دفاعه على أساس "صندوق الانتخابات"، وشرعية الرئيس
"المنتخب"، ورفض "الانقلاب"، والدفاع عن
"الديمقراطية"، و"الشرعية".. ليتضح لنا أن كل هذه المصطلحات
دخيلة على خطاب الإسلام السياسي التقليدي، ولم تكن يوما ضمن مفرداته، ولم يتبناها
أي برنامج سابق للإخوان، ما يؤكد على براغماتية الجماعة ومرونتها التي تسمح لها
بتبني أي نهج سياسي يوصلها للسلطة، وفي المقابل لديها من العناد والتشبث بالسلطة
ما يسمح لها بتبرير الدخول في حرب أهلية (ستسميها جهاداً في سبيل الله) وللدفاع عن
مكتسباتها بأي ثمن، وبأي طريقة.
بتحليل
محتوى خطاب الإخوان تبيّن أنه عبارة عن حملات تحريض ودعوة للعنف والتشهير، محمّلا بالكراهية
والتمييز المذهبي والطائفي، وتوظيف الدين لصالح الحزب، وإقحام آيات قرآنية كريمة
في المعترك السياسي، كما أن اللغة السائدة هي لغة الشعارات والخطابة والكلام
الإنشائي، والتعميم بأحكام مطلقة، وتوجيه الاتهامات.
تضمنت منشورات الإخوان آنذاك دعوات للخروج
للتظاهر، ورفع المصاحف في وجه الأمن، تحت شعار ثورة إسلامية بهدف إسقاط النظام،
وإرجاع الرئيس المعزول "محمد مرسي"، بمظاهرات تجوب الشوارع كالطوفان، والدعوة
لقطع الطرق السريعة والتسبب بازدحامات مرورية، وقطع خطوط السكك الحديدية، والإضراب
عن العمل وعن الدراسة، واستخدام المولوتوف، وحرق سيارات الشرطة، وشل الاقتصاد..
أعود لهذا البحث بمناسبة عرض مسلسل رأس
الأفعى (بطولة أمير كرارة وشريف منير)، والذي يقدم تاريخ الإخوان المسلمين في مصر،
حيث يعرض في بداية كل حلقة مشهدا يعود لفترات الخمسينيات والستينيات يُظهر أصول
منشأ العنف في الفكر والسىلوك الإخواني، لُيثبت أن ما فعله الإخوان في العشرية
الثانية من هذا القرن ما هو إلا استمرارا وتواصلا لهذا الفكر، الذي أسسه سيد قطب.
القصص والأحداث التي يعرضها المسلسل
واقعية، مأخوذة من ملفات المخابرات المصرية، طبعا بعد إجراء بعض المعالجات
الدرامية وتغيير بعض الأسماء لاعتبارات أمنية، لكنه يعرض في نهاية كل حلقة مشاهد
حقيقية مصورة بثها الإعلام المصري في تلك المرحلة، يظهر فيها معتقلون إخوان
يعترفون بما قاموا به من أعمال تفجير وتخريب واغتيالات..
البحث الذي أجريته على صفحات الإخوان
ومنصاتهم الإعلامية كشف العديد من أشكال التحريض على العنف، عبر منشورات وصور
ومقاطع مصورة نُشرت آنذاك، رغم مضمونها العنفي إلا أنها بدت سلمية، أو تظاهرت
بذلك.. وبطبيعة الحال لن تتضمن المخططات الخفية خاصة ما يتعلق بتفجير الأماكن
العامة ووضع عبوات ناسفة في محطات المترو ومحاولات اغتيال شخصيات رسمية واستهداف
الأماكن السياحية وافتعال أزمات وغير ذلك مما يؤدي إلى تحقيق الهدف الأكبر: تخريب
البلد، وشل الاقتصاد، وتحويل حياة المواطنين إلى جحيم بحيث يتم تحميل المسؤولية
للدولة، والقول أنها فشلت في جلب الأمان للبلد، وعجزت عن حماية الناس، وتسببت
بتدهور الاقتصاد.. إلخ.. لتخلق كل تلك الظروف أجواء من الرعب والقلق، وتصبح دافعا
لثورة الشعب على الدولة، وبالتالي إعادة السلطة للإخوان.
ما فعله
المسلسل أنه أظهر يقظة الأجهزة الأمنية المصرية ونجاحها في السيطرة على الفوضى
وإحباط محاولات الإخوان في تخريب البلد، أو تقويض النظام.. والأهم أنه قدم بصورة موثقة
منهج التفكير الإخواني الذي اتسم بالعنف والتحريض والكراهية، وكشف أن الفكر
الأيديولوجي الضيق والمتعصب جعل من جماعة الإخوان جماعة عابرة للحدود، لا تعترف بالوطن،
ولا تحترم الدولة ودستورها، ولا تعبأ بالشعب.. المهم عندها "الجماعة"؛
أن تظل موجودة، ومهيمنة، وعلى رأس السلطة، وخلاف ذلك غير مهم، بل إن حياة
المواطنين في هذا الفكر تكون مجرد تضحيات مشروعة ومبررة. وقد صرح سيد قطب بشكل
واضح بأن المجتمعات المسلمة حاليا مجتمعات جاهلية. الدولة إما أن تكون حاملة لفكر
الجماعة ومتبنية له، أو تكون كافرة يتوجب قتالها وإسقاطها..
تجاوز المسلسل فكرة تقديم سرد درامي لأحداث ساخنة، ليقدم نصًا سياسيًا
بصريًا يشرح طبيعة جماعة الإخوان وبنيتها التنظيمية، وصدامها مع الدولة والمجتمع. هذه البنية تقوم على مركز قيادي مغلق، تصدر منه الأوامر والتكليفات، يقف
على رأس هرم تسلسلي صارم، يعتمد مبدأ السمع والطاعة.. وهنا جوهر الأزمة البنيوية لجماعات
الإسلام السياسي؛ إذ يكتسب القرار السياسي طابع القداسة، ويوصف الخلاف الفكري الداخلي
بالخروج على الصف وشق الجماعة، وبالتالي خيانة، أما الخلاف مع قوى المجتمع فيتم وصفه
بالجهاد المقدس.
وهنا لا تكون تصرفات الجماعة العنفية مجرد رد فعل عفوي على خسارة السلطة،
بل هي توجهات أصيلة حاضرة فى أدبيات الجماعة، تظهر إلى السطح كلما ضاقت المسارات
السياسية. وخطورة تلك الأعمال العنفية لا تنحصر في التحريض وخطاب الكراهية، بل فى
تفكيك الثقة الوطنية، وتقسيم المجتمع إلى ثنائيات حادة متضادة (فسطاطين). وإعادة
تعريف الخصم السياسي بوصفه خصمًا دينيًا أي كافرا، بما يمنح أبناء الجماعة شعورا
بأنهم حراس الدين والحقيقة المطلقة، ضد مجتمع جاهلي مضلل ومنحرف.
ومقابل سردية الإخوان التي قدمت الجماعة بوصفها ضحية انقلاب على
الديمقراطية، قدّم المسلسل سردية أخرى تؤكد أن ما جرى كان نتيجة طبيعية لمشروع ماضوي
سلفي لم يستوعب طبيعة الدولة الوطنية الحديثة، ولم يقبل بقواعد التعدد السياسي
الحقيقى. سردية تقول إن الصراع أكثر من مجرد نزاع على السلطة، بل مواجهة بين
مشروعين: مشروع وطني لدولة مدنية تسعى إلى الاستقرار، ومشروع أيديولوجي عابر
للحدود يقدّم التنظيم على الوطن.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق