أهلا بكم

على هذه الصفحة نثير التساؤلات ،، ونفكر ،، ولا نعرف حدوداً للتوقف

آخر الأخبار

مارس 01، 2026

العدوان على إيران


توجيه ضربات إيرانية لخمس دول عربية يُعد اعتداءً سافرا على سيادة تلك الدول، خاصة وأن الأهداف لم تقتصر على القواعد الأميركية، فقد شملت منشآت مدنية ومناطق سكنية، وهذا مُدان، لكن الاعتداء على إيران أكثر سفوراً ويتوجب إدانته في المقام الأول.. بصرف النظر عن موقفنا من النظام الإيراني.

وعند الحديث عن حق الشعوب في تقرير مستقبلها، وتطلعها للحرية، وتخلصها من الاستبداد فإن ترامب ونتنياهو آخر مخلوقين في الكوكب يمكن لهما أن يتحدثا في هذا الشأن، ليست أميركا ولا إسرائيل من يحدد معايير الخير والشر، فهما أكثر نظامين في العالم خاضتا حروبا وعدوانا خلفت ملايين الضحايا، هما الخطر الحقيقي والأول على السلم العالمي.

إيران (الدولة والشعب) ليست عدوا لنا، ومشكلتنا مع النظام تحديدا، لأنه نظام قمعي استبدادي تسلط على شعبه أولاً، ولأن مشروعه التوسعي أضر بالمنطقة العربية، وكل منطقة تغلغل فيها حوّلها إلى خراب، وجعل منها مجرد أذرع موالية وأدوات يسيّرها وفقاً لمصالحه، وعلى حساب مصالح شعوب المنطقة، وربما أخطر ما فعله النظام الإيراني إطلاق الطائفية من قمقمها، وتفتيت المنطقة لدرجة خدمت إسرائيل بأكثر مما كانت تتمنى.

لم يكن صراع إيران مع أميركا صراع حق وباطل، على مدى 46 سنة تقاسم النظام مع أميركا الأدوار، خاصة بعد حرب الخليج الأولى وبداية التغلغل الإيراني في العراق، حتى هيمن عليه، كذلك التخادم في إسقاط طالبان وفق مبدأ تقاسم مناطق النفوذ، لتتمدد إيران بعدها إلى أربع مناطق عربية أخرى خدمة لمشروعها في تبوؤ صدارة الإقليم، فعلت كل ذلك تحت شعار "مقاومة الإمبريالية" و"الشيطان الأكبر"، و"دعم المقاومة".. وفي الحقيقة لم يكن مشروع إيران مشروع مقاومة، بل مشروع هيمنة في مواجهة مشروع هيمنة آخر. ولم تكن صديقة للشعب الفلسطيني، بل إنها أكثر من أضر بقضيته، وأحدثت الانقسام.. إيران مجرد نظام يسعى وراء مصالحه الخاصة وحسب.

ثمة أخطاء كارثية اقترفها النظام الإيراني قادت إلى هذه النتيجة الحزينة والفاجعة، أولها اعتقاده أن الصمت الأميركي والدولي على تمدده كأنه إقرارٌ بدوره الإقليمي الجديد، وتوهمه أن هذا يمنحه تفويضا مفتوحا، وربما لأنه لم يقرأ جيدا التغيرات الجوهرية التي أصابت بنية النظام الدولي الجديد..

في هذا النظام ظهرت ثروات وموارد جديدة صارت عصب الصناعة والتكنولوجيا الحديثة وثورة المعلوماتية، وهناك حرب تجارية طاحنة بين أقطاب دولية تقتضي صراعا على الممرات المائية والموانئ والطرق التجارية وسلاسل الإمداد، وثمة قنوات وطرق بحرية وبرية جديدة، ومشاريع عملاقة، ومناطق استثمار جديدة يجري إقامتها، كل ذلك يشترط السيطرة على موارد الطاقة وحقول الغاز وضمان تدفقها، بأدوات جديدة أبرزها التكنولوجيا والأمن السيبراني.. والأهم هناك دول وفواعل شبه دولانية تقف وجه عثرة أمام هذا التحول الدولي الهادر، وبالتالي لا بد من إزاحتها وتحييدها.. في القلب منها إيران، وأذرعها الميليشياوية.

ما يعني أن كل نظام وكيان سياسي لا يكيّف دوره الوظيفي ومكانته ضمن هذه المعادلات ستجري إزاحته.. فما تأسس على الظروف السابقة لم يعد ملائما، وكل عملية تخادم لها تاريخ صلاحية. ربما فنزويلا آخر مثال.

الخطأ الكارثي الآخر، تمثل في الخطاب السياسي والإعلامي؛ خطاب التهديد والوعيد، والإدعاء بامتلاك القوة الجبارة، والمفاجآت الصاعقة.. والكارثة أن النظام نفسه صدّق هذا الخطاب! وهذا منشؤه خطأ أكبر؛ وهو الفهم الخاطئ والمشوه ل"مفهوم القوة"، والاعتقاد أن القوة في عدد الصواريخ ومدياتها.. وفي المعنويات العالية وحشودات الجماهير والتظاهرات المليونية، وفي خطاب العنتريات..

عند لحظة الحقيقة تقع الفاجعة.. الواقع السياسي لا يجامل، ولا يعبأ بالنوايا ومقولات الحق ينتصر وإرادة الشعوب والتضحيات المستحقة.. في لحظة الحقيقة يتكشف كل شيء، وتنهار كل الإدعاءات الزائفة والمتوهمة، وينتصر فقط من يمتلك عناصر القوة الحقيقية.

إسرائيل تمتلك الكثير من عناصر القوة الحقيقية وليس كلها، لكن العناصر الناقصة (وهي كثيرة وبالغة الأهمية) تعوضها أميركا، والتحالف الدولي..

مشكلتنا في العالم العربي أننا نقترف الأخطاء ذاتها؛ خطاب التهديد والوعيد، ووهم القوة.. نبالغ، ونصدق مبالغاتنا! ولم نقدر بشكل علمي وإستراتيجي مدى قدرات أعدائنا..

قبل النكبة استخف الخطاب العربي بالمشروع الصهيوني، وصفه بِ"عصابات اليهود"، "، و"شذاذ الآفاق"، فحلت النكبة.. ثم توعد خطابنا بصواريخ القاهر والظافر، وبإلقاء إسرائيل في البحر، فحلت النكسة..

في العام 1990 هدد صدام بحرق نصف إسرائيل، وصدقنا أن العراق يمتلك رابع جيش في العالم، ولديه المدفع العملاق والكيماوي المزدوج.. ثم سقط العراق..

كما تباهى حزب الله بأنفاقه وصواريخه وما بعد حيفا، التي ستجعل إسرائيل غير قابلة للحياة، وأن ميزان الردع بات محسومًا، وأنه غيّر قواعد اللعبة.. ثم انهار الحزب.. ومعه محور المقاومة..

أما حماس فتوهمت أن صواريخها وأنفاقها وقذائف الياسين قادرة على قلب المعادلة، وصدقت "وعد الآخرة"، و"وحدة الساحات"، ووعدت بالمفاجآت الكبرى فهاجمت دولة نووية بطائرة شراعية وبكبات تويوتا، فكانت النكبة الأكبر.

قبل حرب إيران هذه طالما هدد النظام بمحو إسرائيل خلال أيام، زاعماً أن لديه قدرات كاسرة للتوازن، وسيرد بقوة لا يمكن تخيلها.. وما حصل أنه تلقى ضربة قاصمة في اليوم الأول، وتبين أنه مخترق، ولم يعالج ثغراته الأمنية كما يجب، وأن أزماته الداخلية أعمق بكثير من تحمله حربا بهذا الحجم.. 

المشكلة ليست في أن إيران وأذرعها بلا سلاح؛ بل لديها ترسانة، المشكلة في الخطاب المتوهم الذي يتجاوز دائمًا الواقع، وقدرة التحمل الفعلية.

الأهم من امتلاك السلاح امتلاك اقتصاد قادر على الصمود، وتكنولوجيا متطورة، وشعب متحد داعم، وتخطيط إستراتيجي خالي من الشعارات، يعيد تعريف معنى القوة. الخطاب التعبوي لا يقود بالضرورة إلى النصر، بل يكشف هشاشة النظام، بمجرد أن يُختبر في لحظة الحقيقة، حينها يفتضح الفرق بين الردع النظري والقدرة الواقعية..

ما جرى وتكرر خلال العقود الماضية: خطاب تهديد، وتضخيم متوهم للقوة، بما يؤدي دوما إلى رفع سقف توقعات الجماهير، حتى تُصدم بالنتيجة، ثم يُعاد تدوير التجربة. وفي كل دورة جديدة يخيب أمل الجماهير، وتتعمق أزمتها النفسية، ومع ذلك، يبدو أننا لا نريد أن نتعلم الدرس.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق