لو انتشر مقطع
فيديو يدّعي أن شخصاً ما اغتصب طفلة ثم قتلها، ستجد جميع التعليقات تقريبا تطالب
بإعدامه، أو الانتقام منه بأبشع الطرق.. لكن الدولة تفعل شيئا آخر، تعتقل المتهم
وتحقق معه، وتعرضه على المحكمة، وتعطيه فرصة الدفاع عن نفسه، وتوكيل محامي، وحينها
سيفهم القاضي القضية من مختلف جوانبها، ويتفحص الأدلة والقرائن وأقوال الشهود
ويستعين بمعاونيه، ويرجع للقانون، ويطبق الحكم الذي رآه عادلا.. قد يجد المتهم
مذنبا، وقد يجده بريئاً.. المهم أن هذا الأسلوب حقق أكبر قدر من العدالة.. ولو
تُرك الأمر للجمهور لأحرقوا المتهم ومعه أهله خلال نصف ساعة..
لو قام شخص ما
بالتحريض ضد جماعة معينة (من الأقليات مثلا) واتهمهم بأن يقومون بأفعال شاذة، أو
يعتنقون أفكارا ضلالية، أو أنَّ أحد أبنائهم اقترف جرماً معيناً.. على الفور ودون
تأنٍ سيقوم الأهالي بمهاجمة تلك الجماعة وحرق بيوتهم أو طردهم منها.. ولو قام محرض
آخر وهاجم فيلما سينمائيا مثلا، أو كتاباً معيناً، أو مفكراً ما.. أيضا ستثور
الجماهير الغاضبة وقد تحرق الكتاب، أو تقتل المفكر، أو تخرج بمظاهرات عنيفة..
وبوسعك ضرب ما لا حصر له من أمثلة شبيهة، وذكر حالات من هذا النوع حصلت فعلاً في
مختلف دول العالم..
الدولة، حتى
لو كانت قمعية ومتخلفة وفاسدة.. تظل أرحم من جماهير الغوغاء.. وبالتأكيد أفضل من
الفوضى وانعدام الأمن..
الجماهير
عموما عاطفية، تتأثر بسرعة، تصدق كل قصة خاصة إذا كانت تناسب توجهاتهم، لأنها
بطبعها تمارس التحيز المعرفي، وعندما تصبح الحشود كبيرة تختفي فردانية الشخص لصالح
الجماعة التي سيذوب فيها، وينساق وراءها، لدرجة أنه سيلغي تفكيره وشخصيته دون أن
يشعر بذلك.. الجموع الغفيرة عادة ليس لديها وقت للتفكير والتمحيص والتدقيق، ليس
لديها عقلية نقدية واعية ومتأنية، وهي أصلا لا ترغب بذلك.. تنحاز لموروثها الثقافي
وللعادات والقيم التي نشأت عليها (بغض النظر عن مدى صحتها)، تنصاع طواعية لشيخ
القبيلة، أو زعيم الطائفة (أو لأي خطيب مفوه، أو مؤثر حتى لو كان فناناً عديم الموهبة)..
تلك طبيعة
الجماهير بشكل عام، قد تقل تلك السمات في المجتمعات المستقرة والمتطورة، لكنها لا
تختفي كليا. والأكيد أنها تكون أوضح وأشد كلما كان المجتمع متخلفا وقبليا، أو قليل
التعليم، أو يعاني من أزمات اقتصادية وسياسية واجتماعية.
في المحصلة
الجماهير عبارة عن مجموع أفراد، والفرد معرض للخطأ، من البديهي أن ينحاز لعواطفه ونزواته
ومصالحه في المقام الأول، وفي التجربة العملية نلاحظ مثلا أنه سينتخب ابن عشيرته
أو ابن طائفته حتى لو علم علم اليقين أنه فاسد ومرتشي.. وسيدافع عن قبيلته، أو عن
زعيمه بتعصب حتى لو كان على حساب المجتمع.. الفرد يجب القانون فقط حين يكون
لصالحه، ومستعد لمخالفته كلما تعارض مع مصالحه، أو كلما سنحت له الفرصة، حتى على
مستوى مخالفة قوانين السير التي صُممت لسلامته وسلامة الآخرين.
لهذه الأسباب،
منذ تشكل الأسرة والمجتمعات البدائية، ابتدعت البشرية الأعراف والقيم التي تضبط
سلوك الفرد والجماعة، فحرّمت كل ما يهدد سلامتها (القتل، السرقة، التعديات..) ومع
مرور الوقت وتطور المجتمعات تطورت تلك الأعراف والقيم إلى منظومة قوانين ودساتير
تضبط نظام الحكم، وفي العصر الحديث ومع نشوء الدولة الوطنية تبنت كل دولة ما
يناسبها منها.
هل هذا يعني
أن الدولة معصومة عن الخطأ؟ بالتأكيد لا.. الدولة قد تكون شريرة، وتخوض الحروب ضد
جيرانها، وتمتهن كرامة مواطنيها.. بالمناسبة الشعوب أيضا تطالب بالحروب وتتحمس
لها، خاصة إذا لم تجرب ويلاتها ولم تختبر تفاصيلها المؤلمة.. وإذا قادتها ووجهتها
نخب شعبوية انتهازية.
الدولة هي
أيضا بشكل ما مجموع أفراد يشكلون الطبقة الحاكمة، وهؤلاء سينحازون أيضا لمصالحهم،
لذا ستجد في كل نظام ثغرات قانونية، واستغلال للسلطة، وقمع، وفساد، ومراكز قوى متصارعة،
وسوء تخطيط، وضعف في الرقابة.. والنظام نفسه قد يعمد إلى تفريغ قيمه وقوانينه
وهياكله من مضامينها ومقاصدها النبيلة، فيتحول البرلمان إلى قاعة صراخ لخطباء
شعبويين فاسدين، وقد يفسد القضاء، وتتحول الحكومة وأجهزتها الأمنية إلى عصابة
لصوص..
تتدرج تلك
المثالب وتتباين بين المجتمعات، ما بين نظم استبدادية قمعية فاسدة متخلفة (مجتمع
ديستوبي).. إلى مجتمعات فيها قدر معقول من العدالة والنظام ودرجة مقبولة من
التطور.. إلى مجتمعات تحقق قدرا أكبر من معايير الإنسانية وحقوق الإنسان
والمواطَنة والعدالة الاجتماعية..
في كل الأحوال
لا يمكن لأي مجتمع أن يستقر ويتطور ويستجيب لمطالب شعبه دون نظام مستقر، أي دون
حكومة وقوانين وسلطات تشريعية وقضائية وتنفيذية، ودون أجهزة أمن.. ولا يمكن له أن
يصل إلى تلك المرحلة المنشودة دون شعب واعي، متحرر من عقلية الطائفة والقبيلة،
ودون مواطن منتمي ومسؤول..
لحد الآن لم
يصل أي مجتمع لمستوى المدينة الفاضلة، ولا يمكن ذلك، فاليوتوبيا مجرد حلم إنساني
قد لا نحققه يوما ما.. لكن ما يمكن تحقيقه هو مجتمع آمن مستقر تتحق فيه العدالة
(النسبية)، ورفاهية المواطن، وتُصان فيه حقوقه وكرامته وحريته (بالقانون وليس بالواسطة
ولا بمزاجية الحاكم)، وتُصان حقوق الأقليات (بالقانون وليس بعقلية التسامح).. وهذا
لا يمكن تحقيقه إلا بالديمقراطية.. أي بنظام يتبنى الديمقراطية الشاملة، بما
تقتضيه من تداول سلمي للسلطة وفق انتخابات دورية منتظمة تجدد دماء النظام، فيه
مساءلة ومحاسبة ورقابة صحافية ومجتمعية وبرلمانية، وفصل بين السلطات.. نظام يقوم
على مبدأ المواطَنة..
للديمقراطية
مثالب عديدة وثغرات ونقاط ضعف، فهي لا ولم تضمن اليوتوبيا يوما ما، لكنها أفضل
نظام حكم عرفته الإنسانية حتى اليوم، ولا تقوم الديمقراطية إلا حين يؤمن بها الشعب
ويتبناها فكرا وممارسة، في البيت والمدرسة قبل الشارع والمجتمع..وقبل صندوق
الانتخابات.
العلاقة الجدلية بين الشعب والنظام موضوع معقد ومتشابك وهو أعمق وأشمل من تناوله في مقال، لذا هي مجرد أفكار عامة، قابلة للنقاش.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق