أهلا بكم

على هذه الصفحة نثير التساؤلات ،، ونفكر ،، ولا نعرف حدوداً للتوقف

آخر الأخبار

فبراير 23، 2026

مسلسلات رمضان


من بين الأشياء المحببة لي في الشهر الفضيل؛ متابعة المسلسلات العربية، وهي عادة أتوقف عنها تماما بعد رمضان، هذه السنة تزخر الشاشة بالعديد من المسلسلات الجيدة، التي تستحق المشاهدة، ولأني لم أتمكن من الإطلاع عليها جميعها سأكتفي بجولة سريعة، مع التأكيد على أن مسلسلات أخرى جيدة لم تتح لي فرصة متابعتها. وأيضا سأكتفي بالحديث عنها من زاوية الفكرة والمضمون، دون نقدها أو تحليلها فنيا، لعدم تخصصي، ولأن تلك الأعمال لم تنتهِ بعد، ومن المبكر الحكم عليها.

كالعادة، تتنافس الدراما السورية والمصرية على صدارة الشاشة واستحواذ المشاهدين، ومن الملاحظ أن الدراما السورية تناولت الحياة السياسية للنظام المخلوع، بتسليط الضوء على جرائمه واستبداده وفساده وسجونه.. وهذا أمر متوقع، ولم يكن متاحا سابقا، باستثناء مسلسل عُرض في رمضان الماضي حمل عنوان الجنرال، وتحدث بجرأة غير معهودة عن نظام بشار الأسد.

المسلسل الأول، وهو من نوع الدراما التشويقية واسمه "مولانا"، بطولة تيم حسن ومنى واصف، تحدث بشكل غير مباشر عن فساد النظام، لكن فكرته الأساسية تتمحور حول شخصية جابر "تيم حسن" الذي سيتقمص دور "سليم" الذي كان ينتظر الأهالي عودته لإعادة الأمل والحياة لقريتهم، فيخلعون عليه لقب "مولانا"، وهنا سيُظهر العمل أهمية الشخصية القيادية خاصة إذا اكتسبت بُعدا روحيا ودينيا وقبلياً، ويبيّن قدرتها على تجميع الجماهير وتوحيدهم واستنهاض طاقاتهم من أجل تخليصهم من قمع وفساد الثكنة العسكرية (في إشارة للسلطة الحاكمة).  

مسلسل "الخروج إلى البئر" و"سجون الشيطان" تناولا بشكل مباشر وواضح عنف النظام السابق وبطشه في مراكز التحقيق وفي السجون بالذات سجن صيدنايا الشهير، وفساد كبار الضباط في جمع الثروات وتلقي الرشاوى من أهالي المعتقلين..

كنت قد قرأت رواية القوقعة لمصطفى خليفة، التي تحدث فيها بالتفصيل عن يومياته في السجن في حقبة حافظ الأسد على مدى 13 سنة، وحينها انتابتني نوبات ذعر ورعب لشدة وهول ما قرأت.. ومع كل ما تضمنته من أهوال وفظائع، إلا أن خليفة أشار في مقابلة معه أن كل معاناة المعتقلين في تلك الحقبة الرهيبة قد تكون فسحة مقارنة مع ما جرى في سجون بشار الأسد..

وأنا أتابع الحلقات الأولى من المسلسلين، ومثل كل مشاهد تتحول تلك المشاهد التخيلية التي تتركها الرواية إلى مشاهد بصرية مباشرة وواضحة، وهذه مهمة الكاميرا والسينما عموما، بما لا يترك مجالا أو حاجة للتخيل.. بل تشعر بأن ما يجري في المعتقل من ضرب وتعذيب واغتصاب وإهانات.. وكأنه أمامك مجسداً بلا رتوش، مع أن الأعمال التلفزيونية عموما لا تحتمل تصوير كامل المشهد، ومع ذلك جزء بسيط أكثر من كافي..

مع تلك الأجزاء البسيطة من الصورة ستدرك تماما إلى أي مدى الإنسان العربي مقموع ومقهور ومهان ومذلول ومرعوب.. وبلا قيمة.. وإلى أي مدى من الانحطاط والتوحش والفساد وصلت بعض الأنظمة العربية (وبالتأكيد في العديد من دول العالم).. هنا نظام بشار مجرد صورة ومثال عما جرى في العالم العربي خلال العقود الماضية، بل خلال تاريخنا الطويل.

كنت أريد كتابة مقال مخصص عن هذا الموضوع، ولم أجد سوى الشتائم وأقبح في قاموس اللغة العربية من مفردات، ولم أفلح في ضبط أعصابي، فتوقفت عن الكتابة.. وسأكتفي بنقل صورة تخيلية لمـُشاهد افتراضي سيشاهد هذه المسلسلات، وسيقرأ مثل تلك الروايات ربما بعد عشرين سنة أو مائة سنة، أتخيله سيقول أولاً: شكرا وحمدا لله أني لم أعش ذلك الزمان، ثم سيسأل: كيف لعائلة واحدة أن تخطف سورية وبلاد الشام ومعها بلاد العرب خمسون سنة كاملة؟! ثم سيشتمنا بعد ذلك، سيتهمنا بالجبن والتخاذل والتواطؤ لأننا عشنا مع هؤلاء الوحوش ولم نفعل شيئا، بعضنا سكت، وبعضنا صفق لهم، وبعضنا أمدهم بالرجال والسلاح والدعم العسكري.. أي عارٍ وأي خزيٍ سيجلل تلك النظم الدكتاتورية ومؤيدوها..

المسلسل الآخر الذي يستحق المتابعة "صحاب الأرض"، وهو إنتاج مصري، بطولة منة شلبي، وإياد نصار وكامل الباشا وغيرهم، بالمناسبة منة شلبي لم تكن تمثل بقدر ما أظهرت مشاعر حقيقية، عبرت عنها بصدق وأداء فني مقتدر لتُظهر مدى حب وتعاطف المصريين والشعوب العربية لفلسطين، وتضامنهم مع شعبها.. أما إياد نصار، فقد برع في تجسيد شخصية الفلسطيني بعصبيته وتصرفاته وتفاعله العفوي في أجواء الحزن المشحونة بالرعب والترقب..

المهم أن المسلسل يقدم وثيقة تاريخية بصرية عن حرب الإبادة، من زاوية الضحية، أظهر وحشية الاحتلال وجبروته وجرائمه من قتل المدنيين والأطفال واستهداف المنشآت المدنية بما فيها المستشفيات حتى سرقة الجثامين.. وبيّن المسلسل أن الحرب كانت فعليا ضد المدنيين، فهم الضحايا والهدف والغاية من الحرب، وهم من دفع الثمن الأكبر.. لذا من البديهي أن تعترض إسرائيل على المسلسل وأن تهاجمه وتتهمه بالمبالغة، وأنه تناول الحرب من زاوية متحيزة..

ليس في العمل أي مبالغة، بل بالعكس، ما حصل فعليا أفظع بكثير مما عُرض في المسلسل، وأي نشرة اخبار تضمنت مشاهد أشد ترويعا.. ومع أن الإخراج والتمثيل والتصوير متقن بشكل جيد، إلا أن الوجع والقهر والخوف والمعاناة التي كابدها أهل غزة أكبر من كل مشهد وأعمق من أي حوار ويصعب على أي عدسة أن تفيه حقه. ومع ذلك العمل مهم جدا، وقيمته أنه مترجم وسيجعل كل العالم يفهم الحقيقة.. وإذا كان العمل متحيزا، فهو متحيز للإنسانية وللحقيقة التاريخية.

صحيح أنَّ المأساة ما زالت حاضرة في الذاكرة ولم تتحول بعد إلى ماض يمكن تأويله، وأهل غزة ليسوا بحاجة إلى من يروي لهم ما عاشوه، وما زالوا يعيشونه، وذاكرتهم مثقلة بالألم.. لكن المسلسل لا يقدم نفسه بوصفه منافسا للخبر، أو شاشة أخرى تعيد بث المأساة كما تفعل المحطات الإخبارية، أو مجرد مرآة صامتة تعكس الوقائع.. وإنما بوصفه أداة كشف لا مجرد تمثيل، يقدم وثيقة تاريخية تقاوم النسيان، وتعطي الخبر قيمة ومعنى، وتحوله إلى مشهد حي يتنفس، وهنا لا يعود المتلقي مجرد متفرج سلبي مشبع بالصور المؤلمة، بل يتحول إلى جزء من الواقع، وقد مُنح موقعا أخلاقيا داخل الحدث ووسط الخراب، فيحفزه ألمه وتأثره  ليفكر ويسأل ماذا أفعل؟ وكيف أقاوم؟ وهذا ما لم تفعله نشرات الأخبار، التي اختزلت الحرب بمشاهد مسيّسة ومؤدلجة منتقاة بعناية، وأقصت البعد الإنساني وبالتالي ألغت إمكانية الفعل والتأثير.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق