سيُعقد المؤتمر
الثامن لحركة فتح في أيار من هذا العام، أمرٌ في غاية الأهمية، خاصة في ظل نتائج
الحرب العدوانية على غزة، والتي انتهت بهزيمة عسكرية وسياسية أدت إلى تعقيد المشهد
الفلسطيني وتأزمه، حيث فقد الفلسطينيون ولأول مرة منذ انطلاقة الثورة قدرتهم على
فرض رؤاهم، وتحديد مساراتهم، والتأثير في مجريات الأحداث، أو حتى الاعتراض. بمعنى
آخر فقدوا قرارهم المستقل، الذي بات بيد أميركا وإسرائيل والوسطاء الدوليين.
وقد استغلت
واشنطن وتل أبيب نتائج الحرب، بصفتهما الطرف القوي والمهيمن، لاستكمال مخططات
تصفية القضية الفلسطينية، وفرض حل سياسي يتوافق مع توجهات اليمين الإسرائيلي..
قطاع غزة سيكون تحت تصرف الولايات المتحدة، وبالتوافق مع إسرائيل، وسنحتاج سنوات
طويلة لتغيير هذا المشهد.. في الضفة الغربية ستتواصل عمليات قضم الأرض والتهجير
البطيء، وستزداد الضغوطات على السلطة الوطنية، لجعلها ترضخ وتتخلى عن أي دور سياسي
وطني، وتحويلها إلى مجرد إدارة خدمات.
أداة الضغط
على السلطة تمثلت في "الإصلاحات" المطلوبة منها، أو المفروضة عليها،
وهنا تكمن أهمية إجراء الانتخابات الداخلية وعقد المؤتمر الحركي لفتح، فالإصلاحات
وإن كانت مطلبا أميركيا ودوليا، إلى أنها قبل ذلك مطلبا وطنيا، تأخر تنفيذه.. وأمامنا
فرصة لاستعادة المبادرة الفلسطينية، أي بجعل الإصلاحات شأنا داخليا ومصلحة وطنية،
نجريها بأنفسنا، وهنا لا توجد جهة قادرة على استنهاض الجماهير، وحمل حمل عبء الملف
الفلسطيني والتمثيل الدولي، وترميم شبكة علاقات إقليمية ودولية، سوى حركة فتح.
بإرثها الوطني، ومكانتها وشعبيتها. لكن الحركة بوضعها الحالي غير مؤهلة لهذه
المهمة، إلا إذا أجرت إصلاحا داخليا بنفسها، بما يشمل عملية مراجعة ونقد ذاتي،
وتجديد الصفوف القيادية الأولى.. بهذا المعنى لن يكون المؤتمر الثامن حدثًا
تنظيميًا عابرًا، بل هو اختبار وجودي لفتح، يتطلب منها أن تتجاوز مرحلة امتصاص
الصدمة، وإدارة التوازنات، وتقليل الخسائر إلى مرحلة النهوض، وتقديم رؤية وطنية
شاملة وواضحة، تقوم على استنهاض طاقات الشعب الفلسطيني، وترتيب البيت الداخلي،
واعتماد برنامج سياسي يقوم على المواجهة والمقاومة الشعبية السلمية، واستعادة ثقة
الجماهير بالمشروع الوطني.
فتح الوحيدة
المؤهلة لمهة إنقاذ الوطن، أقول هذا ليس من باب التعصب التنظيمي، بل لأن فتح الجهة
الوحيدة المنظمة التي ما زالت تحظى بشعبية وشرعية وطنية، وما زال برنامجها صالحا
لقيادة المرحلة، لأنه يتمتع بأهم سمات تؤهله لذلك: المرونة السياسية بروح وطنية
مسؤولة، والحيوية والقدرة على صهر التناقضات الداخلية واستيعاب الجميع، تلك السمات
التي انضجتها تجربة طويلة ومريرة معززة بالدماء والتضحيات..
وأكرر أن
المؤتمر يشكل فرصة تاريخية ثمينة؛ ولكن حتى لا يكون المؤتمر مجرد مهرجان انتخابي،
يتوجب عليه تفادي أخطاء المؤتمرات السابقة، حين كان يتم اختيار الأعضاء (الذين
سينتخبون القيادة) بعقلية إقصائية تُبقي على الموالين وتستبعد الكفاءات الوطنية. هذا
أولاً.
وثانياً: لا نريد من المؤتمر خطابات مكررة عن الثوابت والعناوين والقضايا
السياسية والوطنية، ولا نحتاج تحليلا للوضع الراهن، ولا دروسا تاريخية عن الاستعمار
والتهويد والتهجير والصمود والمقاومة، هذه كلها مهمة، لكن الأهم اعتماد خطة فعلية،
عنوانها الأوسع: إستراتيجية وطنية شاملة، تتضمن خارطة طريق مرحلية قائمة على التخطيط
المدروس، ووضع آليات عمل، وجداول زمنية، تشرك الشباب والمرأة وكافة فئات المجتمع، وتستوعب
التغيرات التي طرأت على النظام العالمي، ومعطيات العصر، وأدواته الحديثة..
أما ثالثاً: ضرورة إجراء مراجعة نقدية شجاعة لمجمل تاريخ القضية والحركة
الوطنية، ومساءلة جريئة وأمينة تستهدف الفساد ومحاسبة من سرق المال العام، ومعالجة
توريث الوظائف، واحتكار المناصب والمشاريع، وتجيب على أسئلة الشارع: لماذا فشل النظام السياسي الحكومي
في إدارة أمور الوطن ومتطلبات الصمود والثبات، ولماذا عجزت الحركة الوطنية جمعاء
عن التخلص من الانقسام، وبناء شكل من أشكال الوحدة الفلسطينية.
رابعاً: التخلص من منطق المصالح والقبيلة والاستزلام، ما يعني إعادة
الاعتبار للقواعد والكوادر المهمشة أو التي همشت نفسها، والعودة للأطر التنظيمية، والاهتمام
بالنقابات، والاتحادات، ومجالس الطلبة
والمرأة، والفلاحين، والعمّال، والعمل الاجتماعي الشبابي والطوعي، واستقطاب المفكرين
والمثقفين والعلماء، وذوي الكفاءة، والأهم استقطاب كل المعارضة واحتواؤها.
بعد ذلك
المسارعة إلى إجراء انتخابات عامة، وهي بحد ذاتها فرصة وبيئة مناسبة لتفعيل الحياة
السياسية للشعب الفلسطيني في الوطن والشتات كشعب واحد؛ مما يعزز الهوية الوطنية،
ويقوي مكانة منظمة التحرير ويجدد شرعيتها سياسيا وشعبيا، لاستعادة دورها ومكانتها
بما يمنع تجاوزها سواء من قبل أطراف فلسطينية أو من قبل جهات إقليمية. وبالتالي هي
دعوة لاستنهاض الشعب الفلسطيني في الوطن والشتات، والاستقواء به كحالة وطنية
متماسكة، بعد أن تراجع الحضور الفلسطيني وتقلص إلى الحالة التي تمثلها السلطة
والوطنية والداخل المحتل.
في مقال للصديق عدنان ملحم، قال فيه: "إن التجربة التاريخية للحركات
الثورية التي استلمت الحكم في العالم أظهرت أنها تخلت عن مضمونها الثوري، وتماهت مع
السلطة، وتحولت إلى أجهزة أمن قمعية، وطبقات وأثرياء، وتنكرت لبرامجها وابتعدت عن
شعوبها. وحركة فتح لم تنجُ من هذه الخطيئة، فقد تورطت في مزايا الحكم والنفوذ.. لذا
ليس أمامها اليوم سوى خيارين: أن تعود حركة تحرر وطني خالصة، بهياكل مستقلة،
وبوصلة واضحة، وخطاب مجتمعي جامع؛ بمؤتمرات وأقاليم ومكاتب حقيقية فاعلة، وصناديق
اختيار شفافة، بعيدا عن شراء الذمم والولاءات، بعدالة ومساواة وشفافية، تأخذ في
الاعتبار تدافع الأجيال والحاجة للتجديد بالطاقات الشابة.
أو التحول الصريح إلى حزبٍ حاكم بلا ثورة، أما المنطقة الرمادية، فهي
الطريق الأسرع لخسارة الاثنين معًا. وربما على مسافة عقدين من الزمان ستذوب أو
تختفي أو تنقسم أو تتحول إلى غير ذاتها".
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق