في هذا
العدوان الهمجمي المنفلت من كل عقال، ثمة أشياء تبدو مستحيلة ومتناقضة وفي منتهى
الغرابة والبشاعة، وكأنها لوحة سريالية رسمها مجنون.. في داخل القطاع، وسط الجحيم،
ورغم المحرقة التي قتلت حتى الآن قرابة الأربعين ألف شهيد، وأصابت ضعفيهم من
الجرحى، وشردت نحو مليوني مواطن، وحولتهم إلى نازحين.. ما زال هناك من يقاوم، ومن
يشتبك، ومن يشتبث بالحياة، ومن يرى بصيص أمل بغد مشرق..
قدرة الغزاويين
على التكيف مع هذه الظروف بالغة القسوة، سواء سمينا هذا صمودا وبطولة، أم اعتبرناها
قدرة خارقة على البقاء، لأناس لم يعد أمامهم خيار، أناسٌ رُبطوا من أياديهم بشجرة،
وتلقوا آلاف السياط، وطلبنا منهم الصمود.. سواء كان هذا الصمود برغبتهم، وعن قناعة
منهم، أم رغما عنهم.. مجرد بقائهم على قيد الحياة، وعلى قيد الأمل.. إعجاز..
في داخل
القطاع المحاصر، وفي أتون الحرب تظهر صورا متناقضة.. نرى التكاتف الاجتماعي،
والتوحد، والوعي الوطني، والإنسانية بأصعب معانيها.. ونرى مشاهد القصف والدمار
والأشلاء والجثث الملقاة على قارعة الطريق، وطوابير الذل، والخوف، والجوع، والبرد،
ومن بدلوا بيوتهم بالخيام، ومن قُصفت أحلامهم، ومن صار منتهى طموحهم الحصول على
كيس طحين، أو كومة حطب.. ونرى ونسمع عن سرقات البيوت، ونهب قوافل الإغاثة، وبيع
المساعدات، والاستغلال، وجشع التجار، وغلاء الأسعار الجنوني، وعن حالات التوحش
والأنانية والارتداد إلى البدائية الأولى..
أما خارج
القطاع، فالصورة لا تقل غرابة، ما زال هناك من يعتقد بأن المقاومة ستنتصر، وستجبر
إسرائيل على الانسحاب، وستتحق كل أهداف طوفان الأقصى، بل إن بعضهم يطالب بمواصلة
الحرب حتى نصلي في الأقصى.. مقابل من يرون كل ما يجري هناك نكبة بأفظع وأبشع
معانيها، ومن يطالبون بإيقاف الحرب بأية صيغة، المهم إنقاذ ما تبقى.. وبين تلك الفِرق
حربٌ سجال، وحملات تكفير وتخوين، ومزايدات، وتنظير منفصل تماما عن الواقع..
ورغم شدة
التناقض، لا أشك أن الجميع مهتمون بكل ما يجري في غزة، هم ليسو مجرد متعاطفين، ولا
مجرد مؤيدين للحق الفلسطيني، أو متأثرين إنسانيا بحجم الفاجعة.. ما من فلسطيني، أو
عربي، أو مسلم، أو مسيحي، وكل إنسان حر في هذا العالم إلا ويقف بكل عواطفه وجوارحه
ووعيه إلى جانب غزة.. سواء إنسانيا أو سياسيا.. وجميعهم يواجهون السؤال الأصعب:
ماذا نفعل؟ وكيف نترجم تعاطفنا؟
ورغم إخلاص
النوايا، والرغبة الصادقة عند الجميع بفعل شيء حقيقي ومؤثر تجاه غزة.. إلا أن
الجميع عاجزون، وقد فشلوا في إحداث تغيير حقيقي مؤثر بحيث يوقف العدوان..
الجندي
الأمريكي آرون عبّر عن تضامنه مع فلسطين، ورفضه حملة الإبادة الإسرائيلية بأقوى
طريقة ممكنة: فقد أشعل النيران في جسده، وظل حتى الثانية الأخيرة يهتف free Palestine، صحيح أنه
جسّد أقصى درجات الوعي الإنساني، وضحى بنفسه وبمنتهى الشجاعة من أجل هدف نبيل..
بيد أن هذا الأسلوب ليس سهلا، ولا يمكن تعميمه، ومطالبة كل من يتضامن مع فلسطين أن
يحرق نفسه.
وهناك من مزق
جواز سفره، ومن ألقى بالأوسمة التي نالها من دولته في القمامة، ومن استقال من
وظيفته، ومن عبر عن موقفه بشجاعة وخسر مقابل ذلك مصدر رزقه، ومن خرج على الإعلام
وصدح بالحقيقة بجرأة.. وهؤلاء أغلبهم مشاهير أو يتبؤون مناصب عليا في الدولة، أو
في منظمات كبيرة، ماذا بشأن عامة الناس؟
أغلب الناس
يخرجون في مظاهرات منددة بالعدوان، أو يلتزمون بالمقاطعة، أو يكتبون عن الحرب
باستمرار، أو يحاولون إيصال مساعدات لغزة.. أو يكتفون بالدعاء، أو يفعلون كل ذلك
أو بعضه، أو أكثر.. وهذا كله مهم وضروري وصائب بالضرورة، ويجب أن يستمر.. لكن
السؤال ما أثر ذلك على مجريات العدوان على غزة؟ الإجابات محبطة في أغلب الأحيان..
نأتي إلى
المفارقة الأصعب: التواصل مع أهل غزة.. وللتوضيح؛ لديَّ عشرات الأصدقاء الأعزاء في
غزة.. ومثلكم جميعا قلقٌ عليهم، أتصفح مواقع التواصل يوميا وأنا مرتعب بأن أقرأ
خبر فقدان أحدهم، أبكي على كل مشهد مؤثر، لطفل جائع، ولأمٍ ثكلى، ولمسنٍ عاجز،
لشاب فقد حيويته، لسقوط شهيد، أو تدمير منزل.. ومع كل ذلك لم أجرؤ على الاتصال
بأحدهم.. ماذا سأقول لهم؟ وعن ماذا سأسأل؟ كيف الحال؟ هل أنتم بخير؟ مثل هذه
الأسئلة تبدو لهم لا معنى ولا مكان لها.. كل حديث عن الصمود والبقاء مجرد هراء
ومزايدات، كل عبارات المواساة فقدت بريقها، وأصبحت من زوائد الكلام.. وربما تثير
حفيظهتهم وسخطهم.. ومعهم كل الحق بذلك.. فهم الأجدر والأحق بأن نسمع صوتهم..
لماذا ظهرنا
عاجزين إلى هذا الحد؟ لن أحاول تبرير أي عجز، أو لوم أحد.. لكنها أسئلة محيرة
ومؤلمة، وينبغي طرحها: هل نلوم أهل الضفة الغربية، ونطالبهم بتصعيد المقاومة،
وإعلان الحرب على الاحتلال؟ ونسخ ما حدث لغزة في الضفة؟ ونضع القضية الفلسطينية
والشعب بأكمله على حافة الإبادة والتهجير؟ هل نلوم حزب الله لأنه لم يدخل الحرب
ولم يجر لبنان إلى جحيم جديد؟ هل نلوم الجماهير العربية في دول الطوق لأنهم عجزوا
عن اختراق الحدود؟ هل هذا كان ممكنا أصلا؟ وهل هذا خيار صائب أساسا؟ هل نلوم شعوب
العالم على اكتفائهم بالمظاهرات، وأنَّ مظاهراتهم لم توقف العدوان؟ هل نلومهم على
عدم وصول المساعدات؟ رغم أنهم يتوقون لتقديمها، ومستعدون للتبرع بما يملكون؟
سابقاً، وطوال
السبعة عقود المنصرمة من عمر الصراع كان التضامن والتعاطف مع أهل فلسطين يأخذ
أشكالا أكثر فاعلية، وكان ممكنا إيصال المساعدات لهم، والتواصل معهم بشتى الطرق..
اليوم.. ومع هذا العدوان الغاشم كل شيء تغير؛ فإسرائيل لم تحظَ سابقا بمثل هذا
التأييد الأمريكي والدولي، ولم تنل مثل هذه الفرصة لتصفية القضية وإبادة
الفلسطينيين، وتهجير من ينجُ من الإبادة.. ولم يتعرض الفلسطينيون لمثل هذا العدوان
غير المسبوق بشدته وبطشه وقسوته.. ويبدو أن رهانات المقاومة لم تكن صائبة،
وتعويلهم على الشعوب والمحاور لم يكن في محله، وربما كان سببه اعتقادهم بأن كل
مواطن بغض النظر عن سنه وفئته الاجتماعية، ومستوى تعليمه، وإمكانياته وثقافته..
يجب وبالضرورة أن يكون مقاتلا، أو مؤيدا للحرب، وداعما لها، ومستعدا للموت في
سبيلها.. وهذا اعتقاد يتنافى مع طبيعة البشر، وفوق طاقتها، ويتعارض مع سمات
المجتمعات الإنسانية، ومع منطلقات ومفاهيم المقاومة والصمود..
لهذه الأسباب مجتمعة، ولأننا لم نقدّر الموقف
بشكل صائب ودقيق، ولم ندرك طبيعة المعادلة السياسية التي تمكّن إسرائيل ممارسة كل
هذا التوحش، ولأسباب أخرى حصلنا على هذا المشهد السريالي المعقد، وظهرنا عاجزين
تماما.. ولهذا كل ذلك ما كان يجب أن يحدث..
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق