دخل سعيد باب الوزارة هاشا باشاً، يدندن بصوت خفيض بأغنية صبَح الصباح
فتّاح يا عليم.. كان فرحا بلا أي سبب ومتفائلا دون مبرر.. وعلى غير عادته، قرر أن
يعرّج عند مكتب زميلته في الطابق نفسه ميساء، للثرثرة، وارتشاف فنجان قهوة.. في
هذه الأثناء دخلت ريم مبتسمة، وألقت تحية الصباح، وبتلقائية قال سعيد: ما شاء الله
يا أخت ريم، أناقة، وجمال، وإتيكيت..
احمر وجهها خجلا، ولم تعرف بماذا ترد، فما كان من سعيد إلا أن استرسل
بمديحه قائلا: بصراحة، أنا معجب بِ..
وقبل أن يكمل عبارته احتدت ريم قائلة وبصوت عصبي: إسمع، أنت مين مفكر حالك؟
أنا ما بسمحلك تحكي معي بهالطريقة.. أنا موظفة محترمة، وبنت ناس، وما بسمح لمخلوق
يتحرش فيّ..
- يا أخت ريم، أنا ما بتحرش، لا سمح الله، فكرت أجاملك
بس..
- إنت مين حتى تجاملني؟ هاي قلة أدب..
- خلص، خلص، أنا آسف، وبعتذر، وبوعدك عمري ما أحكيلك صباح
الخير..
-
بكون أحسن..
ظل سعيد متكدر المزاج، محاولا نسيان ما تعرض له من موقف سخيف، وفي المساء،
وبينما كان يهم بإعداد عشائه، وكان صوت المذياع يصدح بأغنية أصالة نصري سامحتك
سامحتك.. فإذا بجرس الباب يرن، وما كاد أن يفتح الباب حتى دخلت سيدة ترتدي النقاب،
وتوجهت على الفور إلى داخل الصالة، وسط استغرابه وخوفه..
-
خير يا مدام، مين حضرتك؟
خلعت السيدة نقابها، وألقت بعبائتها على الكنبة، وقالت بابتسامة مصطنعة:
أنا آنسة أولاً.. تملكت سعيد الدهشة، واتسعت عيناه، وتلعثم لسانه.. ثم صرخ بصوت
مكتوم فزع: آنسة ريم!!
- جئت لأعتذر عما بدر مني هذا الصباح..
- حصل خير، ولا يهمك.. ولكن كان بكفي الاعتذار تلفونيا!
وبعدين كيف عرفت عنوان بيتي؟
- ما شاء الله شقتك جميلة، وواسعة.. من الواضح أنها تعكس
أناقتك..
- شكرا شكرا.. لكني لم أفهم سبب الزيارة!
- طالما أنك معجب بي منذ زمن، لماذا لم تخبرني بذلك؟
- معجب بك!!
- ألم تقل ذلك هذا الصباح؟
- يبدو أن في الأمر سوء تفاهم..
- طالما أنك ميسور الحال، موظف، وعندك بيت، وشاب وسيم..
لماذا لم تتزوج حتى الآن؟
- في الحقيقة، أنا لا أفكر بالارتباط، عندي خوف وعقدة من
الموضوع..
- نعم، نعم!! ما بدك تتزوج، ولا ترتبط، وبتلعب ببنات
الناس! وبتوعدهن بالكذب!!
- أنا ما وعدت شي..
- أنت واحد كذاب ونصاب، وطول عمري بحكي عنك متعجرف ومدعي،
وتبع نسوان..
تناولت عباءتها بعصبية وغطت وجهها بنقابها وخرجت غاضبة، وهي تشتم: يا حقير،
يا تافه.. وأغلقت الباب من ورائها بقوة، حتى كاد ينخلع..
كان بيته يبعد عن الشارع العام قرابة ال600 متر، اعتاد أن يمشيها كل صباح
حتى يصل موقف الباص في الموعد المحدد، حتى لا يتأخر عن دوامه، الأمر الذي لم يحصل
مرة واحدة، كانت تلك الدقائق العشرة الوقت الأفضل في يومه، يمشيها على مهله حتى لو
كان الجو حاراً أو ماطراً، واضعا سماعتي "هيدفون" على أذنيه حيث يتدفق
صوت ماجدة الرومي بأغاني الصباح، مانحة إياه طاقة متجددة.. كان شديد الاعتزاز
لكونه من سكان العاصمة، ولأنه يشتغل في إحدى مؤسسات الدولة الهامة، وتحديدا في
وزارة المالية، مع أنه خريج كلية الآداب.. وكان سعيدا بوظيفته مع أن مديره في
الدائرة يضطهده ويستغله، وقانعا براتبه الذي بالكاد يكفيه، ولولا أنه أعزب لما
كفاه أسبوعا واحدا..
اعترض طريق الباص حاجز عسكري، دخل رجل ثلاثيني بزي مدني وعلى خصره مسدس،
ومشى يتفحص وجوه الركاب حتى وصله، أستاذ سعيد.. لو سمحت تنزل معنا..
تملكته دهشة ممزوجة بالرعب، وقد برق في ذهنه سؤال محير: لماذا تجاهل كل
الركاب واختارني بالذات؟ نظر نحو رجل الأمن متسائلا:
- أنا؟ هل تريدني أنا؟
- نعم أنت، أستاذ سعيد.. أرجوك لا تحرج نفسك معنا.. أجابه
بحزم.
- طيب، لوين رايحين؟ شو عملت؟
-
في المكتب بتعرف كل شي..
سار بين صفي الركاب بهدوء واستسلام، وهو يتمتم بصوت مسموع "الله يستر،
الله يستر".. وما أن نزل من الحافلة حتى اقتاده رجل الأمن إلى سيارة جيب
سوداء كانت تقف بالجوار، وهناك زج به رجل آخر إلى المقعد الخلفي، فوجد نفسه محشورا
بين رجلي أمن، معصوب العينين، تعتريه الحيرة والفزع..
لم يستطع سعيد تحديد مكان احتجازه، لكنه أدرك من رائحة العفونة والبرودة
أنه في قبو، أو في طابق تحت الأرض، وقف لدقائق بدت له طويلة، ولم يسمع أي صوت،
فأزاح العصبة عن عينيه، وبدأ يتبين المكان: ردهة واسعة خالية من أي أثاث، سوى
طاولة خشبية مهترئة، وحولها كرسيان، على الجدار الكالح صورة كبيرة للسيد الرئيس..
تسمّر مكانه كتمثال، طال انتظاره واستبد به القلق، ثم أخذ ببطء يذرع الغرفة جيئة
وذهابا بإحساس طائرٍ وقع في فخ.. بعد قرابة النصف ساعة أتى المحقق حاملا بيده ملفا
ضخما وجهاز لابتوب، وأشار بيده داعيا إياه للجلوس..
-
أنا العقيد أبو كمال كبير المحققين، من الإدارة العامة
المركزية لحماية الأمن السبراني الوطني..
اختنق الكلام في فم سعيد، وتمتم بصوت مرتعش متلعثم: الإرادة العامة لحماية
الأمن من السيبان!! ثم التفت نحو المحقق وقد ارتسم على وجهه ألف سؤال: من أنتم
حقاً؟ وماذا تريدون مني؟ وماذا فعلت أصلاً؟
كان المحقق يتصفح اللابتوب بهدوء، وبين فترة وأخرى يرمق سعيد بنظرات اتهام
غاضبة، وبوجه كالصخر، فيما ظل سعيد مرتبكا، وصامتا، وقلبه يخفق بشدة..
- ألاحظ أنك لم تكتب كلمة خير أو مديح بحق الحكومة
الحالية، ولا حتى بحق الحكومات السابقة؟ يبدو أنك من المعارضة؟
-
شو معارضة سيدي؟ بالعكس، أنا وأبوي وعيلتي كلها مع
القيادة الحكيمة.. وبعدين شو أكتب؟ أصلا أنا مش كاتب، ولا سياسي، ولا مؤثر!
أخرج المحقق من الملف دفترا صغيرا، وأخذ يقرأ: "خضعت البلاد للاحتلال
الروماني مئات السنين، ولم تخرج ضدهم ثورة شعبية واحدة..". ثم أشار لسعيد
قائلا: أليس هذا خطك"؟
نظر سعيد بدهشة للدفتر، فعرف أنه دفتر الإنشاء حين كان في الصف العاشر..
فابتسم، معتقدا أن ما يجري معه عبارة عن حلقة من الكاميرا الخفية..
- يعني تعتبر
التواجد الروماني احتلالا؟؟ بل وتدعو للثورة عليه؟ من الواضح أن لديك نزعة ثورية
متأصلة..
لم ينبس سعيد ببنت شفة، وظل واجما صامتا، غير مصدق لما يحدث معه..
-
"نَهب الاستعمار البريطاني خيرات البلاد، وقسّم
الحدود، لكن الجماهير تصدت له بالسلاح، ونزفت دماء كثيرة من أجل التحرر.."،
وتحكي عن حالك مش كاتب، ولا سياسي؟؟ هاظ شو؟ أنت محرض على العنف..
أدرك سعيد أنَّ المحقق بدأ يقرأ من صفحته الخاصة على فيسبوك، وقد تذكر أن
هذا التعليق كتبه قبل سنوات بعيدة.. فلاذ بالصمت، وقد تعمقت حيرته وزاد استغرابه..
- "منذ سقوط الاتحاد السوفييتي اختل التوازن الدولي،
وأخذت أمريكا تعربد على العالم.."، يعني اتجاهك يساري، هل أنت شيوعي؟ اعترف..
- لا والله، أنا مؤمن، واحترم كل الأديان..
-
اسكت، وما تتفلسف..
يسكت سعيد على الفور، وينتظر من المحقق توجيه سؤال معقول، فقد كان يشعر أن
ذلك كله مجرد اختبار أعصاب، أو لعبة مخابرات ومن أساليب التحقيق المتبعة..
-
إذا لم تكن شيوعيا، فأنت أمريكاني، ورأسمالي..
ينظر سعيد نحو المحقق باستغراب، ويشير إلى نفسه بازدراء، وبالكاد يكتم
ضحكته: وهل ترى شكلي أمريكاني؟ وكيف أكون رأسمالي وأنا أتعشى علبة تونة، وأتغدى
فلافل؟
-
يعني أنت منحاز للطبقة العاملة، وتريد تأجيج الصراع
الطبقي، ومحاربة البرجوازية؟ اعترف أحسن لك..
ومع صمت سعيد، يواصل المحقق تصفح منشوراته، وبعد دقائق قليلة صاح بعصبية..
أنت معادي للمثليين، وتحتقر الفيمنست، وضد الحداثة، وتزدري الفن التكعيبي.. من
الواضح أنك خطر على المجتمع.. بل وعلى البيئة.. أنت ضد الديمقراطية، ولدينا
معلومات أنك تنوي العمل مع الإن جي أوز.. وتريد تحريض الدول المانحة على البلد..
كل منشوراتك تؤكد ذلك.. أنت طابور خامس، وثورة مضادة.. أنت خائن للوطن وللقيادة
الحكيمة..
ارتعب سعيد، وارتعدت فرائصه، وأخذ قلبه يخفق بعنف وسرعة، فتهمة واحدة من
هذه التهم الغريبة كافية لتأبيده في السجن، وربما تقوده للإعدام.. فأخذ يقسم أغلظ
الأيمان أنه بريء، ومجرد مواطن مسحوق، ولا يعرف شيئا عن هذه المصطلحات..
- تقول عن نفسك مواطن مسحوق؟ ماذا تقصد؟ تريد القول أنَّ
الحكومة فاسدة؟ وأنّ المواطن جوعان؟
-
لا، لا، أبدا.. لا سمح الله.. معاذ الله.. أنا بحب
البلد، وبعشق السيد الرئيس.. ومقتنع تماما بخطه السياسي..
يطبق المحقق دفتي اللابتوب، ويلم أوراقه داخل الملف، ثم يقول بهدوء مريب
وغير متوقع.. انتهى التحقيق.. تقدر تروح عالبيت، وما تفكر بالسفر خلال هاي
الفترة.. ورح نستدعيك مرة ثانية.. يالله مع السلامة..
- طيب بس أعرف شو التهمة على الأقل؟
-
اخرس، إحنا اللي بنسأل بس.. وأنت عليك تجاوب.. فاهم،
ويالله اطلع وانقلع قبل ما أغير رأيي وأحبسك..
استغرب سعيد من دعوة وكيل الوزارة له لزيارة
مكتبه وشرب فنجان قهوة، أحس بخطر غامض، فقد كان يعتقد أن الوكيل لا يعرف اسمه،
فلماذا يستدعيه؟ لا بد أن مصيبة ما وقعت، أو أن أحدهم كتب به تقريرا كيدياً.. وعلى
عكس مخاوفه كان اللقاء وديا أكثر من اللزوم.. فقد أخبره أنه نظراً لكفاءته سيعينه
رئيسا للجنة المناقصات المركزية، ولشدة دهشته دعاه لتناول العشاء في مطعم
"ابوللو" الفاخر، هذا المساء بصحبة عدد من رجال الأعمال..
استحم وتعطّر ولبس بدلته الرمادية الوحيدة، وخرج منتشيا منشكحا، تراوده
أحلام الترقية والمكافآت، فرحاً بأن هناك أخيراً من يقدر جهده وإخلاصه.. كان وكيل
الوزارة ومعه رجلان في منتهى الأناقة، أحدهما يدخن السيجار، قد حجزوا طاولة منعزلة
وبانتظاره.. قام الوكيل بتقديمه لرجلي الأعمال، وأخذوا يتبادلون الضحكات
والمجاملات.. اعتذر الوكيل عن إكمال العشاء نظرا لارتباطه بموعد طارئ، لكن سعيد لم
يهتم بمغادرته؛ إذ كان منشغلا بوجوده مع إثنين من أكبر أثرياء البلد، وفرحاً
بالمائدة التي ضمت ما لذ وطاب، وبأطباق يراها لأول مرة في حياته، وبأقداح الويسكي
التي يختبرها لأول مرة أيضا.. بعد أن خجل من مضيفيه وخشي أن يخيب ظنهم به..
- نعرف تماما ظروفك البائسة، وراتبك الهزيل، وأنك عازف عن
الزواج حتى الآن بسبب ديونك التي تقصم ظهرك..
- لا. أبدا.. أنا الحمد الله مبسوط ومرتاح.. وآخر حلاوة..
- هههههههه
-
إسمع يا أستاذ سعيد، إحنا إلنا عندك طلب صغير.. شغلة
بسيطة بتعملها وبتغير حياتك للأبد..
امتعض سعيد قليلا، وأحس بخوف غامض، وأدرك أنهم سيطلبون منه شيئا غريبا..
بيد أنه ظل صامتا ومستمعا باهتمام..
- كل المطلوب منك يا عزيزي، التوقيع على شوية أوراق..
أذونات استيراد، إعفاءات جمركية، تقارير مالية، موافقات على مناقصات..
- بس بخاف يكون هالشي مخالف للقانون، وبعدين فيها مسؤولية
خطيرة..
- ما تخاف، ولا يهمك.. الوزير والوكيل من جماعتنا، وهم
الذين رشحوك..
- طيب، والمخابرات.. إذا بيعرفوا موضوع الإنشاء اللي كتبته
قبل ثلاثين سنة، أكيد رح يعرفوا كل شي..
-
هههههههه.. أنت رجل طيب، وتستاهل كل خير..
كانت آثار السكر بادية عليه، فقد
مشى سعيد ال600 متر مترنحا ولأول مرة كان حزينا، وخائفا.. لم يستطع دندنة أي
أغنية، فقد سيطرت عليه موسيقى ناي كئيبة..
وللخروج من عزلته، وتجاوز إحساسه بالضيق، بعد أن هيمن عليه لأيام، قرر سعيد
الذهاب إلى متنزه البلدية، واختار مقعدا خشبيا في ظل شجرة صنوبر ضخمة، وبدأ
بمطالعة رواية 1984، فإذا بفتاة أنيقة تحمل مايكروفون وبصحبتها مصور.. اقتربت منه،
وصافحته معرفة عن نفسها:
- إنا إيمان، من برنامج الكاميرا الخفية، ونريد أن نعمل بك
مقلب، وإذا بتتفاجأ بنعطيك جائزة..
- أنا دايما متفاجئ..
- أول سؤال: شو رأيك بقرارات الحكومة الأخيرة بزيادة أسعار
المحروقات؟
- أكيد قرار صائب وحكيم، والحكومة دايما بتعرف مصلحة الوطن
والمواطن..
-
مبروك.. بتربح معنا جائزة، وهي عبارة عن باج عليه صورة
ملونة للسيد الرئيس..
فرح سعيد بالجائزة، وعلى الفور علّق الباج على صدره، وشكرها بحرارة، فيما
هنأته على ذكائه وسعة معرفته، وانتمائه الصادق للبلد..
ما أن دخل المسجد حتى اعترته سكينة كان يتوق إليها، كان المسجد فارغا
تماما، والهدوء يخيم عليه فأحس بهيبة المكان.. لم يدم إحساسه بالخشوع وبالسلام
الداخلي طويلاً، فسرعان ما امتلأ المسجد حتى ربعه تقريبا.. بعد أن أنهى صلاة
المغرب، وعند البوابة أوقفه رجل أربعيني ملتحي، وصافحه بحرارة..
- أهلا بك يا شيخ سعيد..
- هل تقصدني أنا؟ ومنذ متى صرت شيخا؟
- نعرفك منذ زمن، وقد تأكدنا أنك من رواد المساجد، ومن
الأتقياء المخلصين، وسيرتك عطرة لا تشوبها شائبة..
- بارك الله فيك.. وشكرا لك، ولكن مين حضرتك؟
- أنا الشيخ أبو عمر الدمشقي.. أمير العلاقات العامة في
الجماعة..
- أي جماعة؟ وأنا ما دخلي في الموضوع؟!
- أنظر إلى النور الرباني في وجهك.. لقد اصطفاك الله من
بين شبان الحي، وأرسلنا لك.. هذه مشيئة الله..
- أنا؟ ونور رباني! واصطفاني الله! وأمير الجماعة! أرجوك
مش فاهم ولا شي..
-
ستعرف كل شيء في أوانه.. تحلَّ بالصبر يا أخ سعيد..
تكررت لقاءات سعيد مع الشيخ أبو عمر، وفي كل لقاء ينضم أخوة آخرين، ويتم
طرح مواضيع متعددة ومتشعبة، وظل سعيد الوحيد غير الملتحي من بينهم، وكان هذا
بتوصية من الأمير، حتى لا يثير الشبهات.. إلى أن بدأ يفقد إحساسه بالخشوع، فقرر
التوقف عن الصلاة في المسجد خاصة وأن خلافاته مع الجماعة بدأت تشتد.. وبعد أسبوع،
زاره وفد من الجماعة..
- ولكن مثل هذا الطلب مستحيل، أولاً مخالف للشريعة وتعاليم
الدين، وبعدين خطير جدا.. وأنا شخصيا متمسك بالحياة، ولا أحب الشهادة..
- أنت مين حتى تعلمنا أصول الدين؟ أنت تسمع وتطيع فقط..
فقد أصبحت واحدا منا، وتعرفت على أسمائنا، وكشفت أسرارنا ومخططاتنا.. فهل تعتقد
أننا سنسمح لك بالخروج، هكذا بكل بساطة! أنت تعرف حكم المرتد..
-
إسمع يا أخ سعيد: إحنا صورناك وأنت تعاقر الخمر، مع ثلة
من الفاسدين، وعرضوا عليك رشوة، وبنعرف إنك تحرشت بزميلتك في العمل الآنسة ريم،
وأن المخابرات تستدعيك كل أسبوع تقريبا، ولديهم ملف ضخم عنك، وتهم جاهزة، وأنك
شيوعي متخفي، وتنشر الإلحاد بخباثة.. خلاصك الوحيد معنا.. تب إلى الله، وإلا فلن
ينفعك الندم، وستلقى ربك خائبا مدحورا..
صبيحة اليوم التالي، وجد سعيد على مكتبة رسالة خطية جاء فيها: "الموظف
سعيد فرحان أبو الهنا، أنت مُحال إلى التحقيق، بعد ثبوت تلكؤك عن إنجاز واجباتك،
وتكرار تأخرك الصباحي عن الدوام، وهناك شكاوى عن تحرشك بموظفات الوزارة.. وبالتالي
ستُوقف عن العمل، وسيلغى قرار ترأسك لجنة المناقصات المركزية، ويوقف راتبك إلى حين
انتهاء لجنة التحقيق، والتي يترأسها الوكيل شخصيا"..
ضاقت الأرض بما رحبت على سعيد، وخيمت عليه الكآبة، وجافاه النوم ليالٍ
متواصلة، يتقلب على فراشه قلقا مرتعبا، تفترسه المخاوف والأفكار المتضاربة.. يسأل
نفسه بحيرة: لماذا، وكيف أصبحت مهما إلى هذه الدرجة؟ الجميع يراقبني، المخابرات،
الوزارة، الجماعة الإرهابية، رجال الأعمال.. كل جهة تشدني نحوها، وأنا منسحق وسط
هذه الفوضى، غارقٌ في دوامة.. أدار إبرة الراديو فإذا فيروز تغني شو كانت حلوة
الليالي.. تضاربت مشاعره، وصار يردد مع الأغنية بصوت متحشرج، شو كانت حلوة
الليالي.. هامت روحه بعيداً، وأخذ يروح إلى عوالم أخرى، فيما بدأ جسده المنهك
يستسلم للنعاس، وقبل أن يغفو اهتدى لفكرة اللجوء للدولة.. طلبا للحماية..
فتح الموقع الإلكتروني لوزارة الداخلية، واستخرج رقم اللواء أبو الفتوح
قائد الأمن المركزي، وقرر الاتصال به مباشرة. وبالفعل اتصل به في ساعة متأخرة من
المساء، وأخبره بتفاصيل مشكلته.. وقد استغرب من سعة صدره، وتعاونه، بل إنه أخبره
أن مشكلته عويصة، وأنه سيرتب له موعدا في الغد مع وزير الداخلية شخصيا.. نظراً
لخطورة القضية..
في مكتبه الواسع والفخم، كان وزير الداخلية في صدر المجلس، وعلى يمينه
ويساره ثلة من كبار الضباط والمستشارين، وقد أفسحوا له مقعدا، وأحضروا له فنجان
قهوة.. كان سعيد مركزا ناظريه تجاه الوزير، وبدأ بطرح مسألته، وسرد تفاصيل ما يحدث
معه.. وأنه يتعرض للتهديد والابتزاز، وخائف على حياته، وطلب منه الحماية..
طمأنه الوزير بأنه سيضعه تحت المراقبة، ولن يسمح لأحد بأذيته.. ارتعب من
فكرة المراقبة، ثم تساءل في داخله ألا يكفي من يراقبني؟ ثم قال بصوت مرتفع مشوب
بالرجاء:
- أرجو معاليك أن تضعني في السجن.. هناك أضمن حياتي على
الأقل، ولا يستطيع أحد الوصول لي.
انفجرت موجة عاتية من الضحك الهستيري شارك فيها كل الحضور، من المستشارين
وكبار الضباط، فأدرك أنه فعل شيئا جللاً، أو قال أمرا جعلهم يرتمون أرضاً من الضحك،
فبدأ يتفحص وجوه السادة الحاضرين، لعله يفهم سبب قهقهاتهم، فكادت المفاجأة أن تصعقه؛
شاهد شخصا يكاد يكون نسخة عن الشيخ أبو عمر، الفرق الوحيد بينهما أن لحيته مشذبة
بعناية، ثم شاهد نسخة عن العقيد أبو كمال، الذي أنكر وزير الداخلية وجوده، وأنكر
حتى وجود جهاز أمني بهذا الاسم، ونسخة عن رجل الأعمال أبو تيسير، حتى أن السكرتيرة
التي كانت تسجل محضر الجلسة تشبه الآنسة ريم، حتما هي شقيقتها التوأم.. ولكنها لم
تخبرني عن وجود شقيقة لها.. والأغرب أنهم جميعا كانوا يضعون باج الصورة الملونة
للسيد الرئيس على صدورهم!! وقبل أن يستفيق من صدمته أجابه الوزير بلهجة أبوية:
-
لا، لا يا ابني، مستحيل.. كيف نسجنك وأنت مواطن صالح؟ نحن لا نسجن أحد
اعتباطا، لازم يكون في لائحة اتهام، وأدلة وقرائن، وشهود، ومحامي، وتحقيق نظامي..
إحنا دولة ديمقراطية يا أستاذ.. أرجوك..
بما أن سعيد كان ما يزال واقعا تحت هول المفاجأت، قرر أن يجرب حظه بمفاجأة أخرى،
فقال:
- أرجو معاليك أن تضعني في السجن.. هناك أضمن حياتي على
الأقل، ولا يستطيع أحد الوصول لي.
- لا، لا، مستحيل.. كيف نسجنك وأنت مواطن صالح؟ نحن لا
نسجن أحد اعتباطا، لازم يكون في لائحة اتهام، وأدلة وقرائن، وشهود، ومحامي، وتحقيق
نظامي.. إحنا دولة ديمقراطية يا أستاذ.. أرجوك..
- طيب بسيطة، أنا في هذه اللحظة سأرتكب جريمة تخالف
القانون، ولديكم عشرة شهود على الأقل..
- جريمة؟ هنا؟ وأمامنا؟ هل جننت؟
- يعني ممكن أشتم أم السيد الرئيس حفظه الله، وأنتقد
الحكومةـ وأتهمها بالعمالة لأمريكا، وبالفساد والاستبداد.. وبعدها حطوني في
السجن..
-
لا، لا يا أستاذ سعيد.. هاي كلها ضمن حرية الرأي
والتعبير.. والدستور يكفل هذا الحق لكل مواطن..
انعقد لسان سعيد من الدهشة والتعجب والاستغراب.. فتح فاه على آخره، واتسعت
حدقتا عينيه، ولم يجد كلمة ليقولها..
في المساء وبينما كان يستمع لأغنية أم كلثوم للصبر حدود.. تلقى ستة
اتصالات، الأول من جهاز المخابرات يطلبه للحضور لاستكمال التحقيق يوم الإثنين
القادم، خاصة بعد ورود معلومات عن اجتماعاته المتكررة مع الجماعات الإرهابية وأصحاب
الشركات.. الثاني من مدير مكتب وزير الداخلية يطلبه للحضور يوم الإثنين القادم
لمناقشة آخر تطورات القضية، ودراسة كيفية تأمين حماية له.. والثالث من الشيخ أبو
عمر وقد حدد له يوم الإثنين القادم موعدا لتنفيذ العملية التفجيرية.. والرابع من
رجل الأعمال أبو تيسير يعزمه لتناول العشاء يوم الإثنين القادم في المطعم ذاته،
ومعه الأوراق موقّعة.. والخامس من مدير مكتب وزير المالية يخبره أن يوم الإثنين
القادم موعد انعقاد لجنة التحقيق.. والسادس من الآنسة ريم، وقد حددت يوم الإثنين
القادم آخر موعد للتقدم إلى والدها وخطبتها، وإلا ستعمل له فضيحة..
وبعد آخر مكالمة أدار إبرة الراديوا فإذا بأغنية عبد الوهاب: كل ده كان
ليه؟
صبيحة يوم الإثنين، خرج من منزله، وأخذ يمشي على مهله، ويدندن بأغنية فريد
الأطرش الحياة حلوة.. وقبل نهاية الطريق الفرعي، وعلى الجهة اليمنى كانت تقف سيارة
جيب سوداء وبداخلها ثلاثة مخبرين.. يقابلها سيارة مرسيدس معتمة الزجاج بداخلها رجل
الأعمال أبو تيسير وسائقه الخاص.. وفي الطرف الآخر من الشارع دراجة نارية يقف
بجانبها شيخ ملتحي ومعه خوذة سوداء.. وإلى يسارها سيارة فورد بنمرة حكومية حمراء
تتبع وزارة الداخلية.. وبجانبها سيارة وكيل وزارة المالية، وفي منتصف الطريق كانت
ريم ومعها شاب يبدو أنه شقيقها..
مـرّ من بين الجموع، بلا
مبالاة.. لم يغير مشيته، لم يتوقف عن الغناء.. وحين صار في المنتصف تماما مد
ذراعيه الإثنتين على طولهما، وأطبق أصابعه على شكل قبضة، ثم أخرج الأصبع الأوسط من
كل يد ولوح بهما تجاه الجميع..
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق