أهلا بكم

على هذه الصفحة نثير التساؤلات ،، ونفكر ،، ولا نعرف حدوداً للتوقف

آخر الأخبار

يناير 21، 2024

الجبهة الداخلية في غزة

 

كل دولة، أو تنظيم، أو حركة مقاومة تقرر خوض الحرب قبل أن تتخذ قرارها، وقبل أن تطلق رصاصة واحدة تقوم بتأمين ما يُعرف بالجبهة الداخلية، أي تأمين حاجات السكان المدنيين المادية والمعنوية والأمنية، من مؤونة ومواد ومستلزمات البقاء والصمود، حتى لا تتحول الجبهة الداخلية إلى عبء على الجيش، أو على المقاومة، وتصبح نقطة ضعف قاتلة ينفذ من خلالها الأعداء..

في هذه الحرب العدوانية على غزة، لم يحصل شيء من هذا القبيل، فحماس قامت بإنفاق أموال طائلة على الأنفاق والصواريخ والعتاد والذخائر بما يؤمن صمودها لأشهر طويلة.. لكنها لم تنفق فلسا واحدا على تأمين احتياجات السكان!

ربما كانت قيادة القسام تظن أن ردة الفعل الإسرائيلية ستكون مثل شبيهاتها في الحروب الخمسة السابقة، تستمر شهرا على الأكثر، والشعب قادر على تحمل هذه الفترة، وربما أن إمكانياتها لا تسمح بإعداد ملاجئ تستوعب هذه الأعداد الكبيرة من المدنيين..

لكن الأحداث سارت على نحو خالف وتجاوز كل التوقعات، ربما لأن التوقعات لم تكن مبنية على معلومات صحيحة، ولم تأت نتاج دراسات معمقة، وتقدير موقف واعي وناضج، مثل الاعتقاد بأن إسرائيل لا تتحمل حربا طويلة، أو أن أسلحة المقاومة قادرة على حماية السكان، وعلى ردع إسرائيل، وأن محور المقاومة سيتدخل عسكريا، والمظاهرات الشعبية ستعم دول الجوار وسيقتحم المتظاهرون الحدود، والمجتمع الدولي لن يسمح لإسرائيل بارتكاب مذابح من هذا النوع، ولن يسمح لها بتهجير السكان قسريا.. وغير ذلك من توقعات وحسابات ورهانات تبين أنها كانت خاطئة..

ومع ذلك، حتى لو افترضت حماس أن الحرب ستكون قصيرة ومحدودة، كان يفترض بها أن تؤمن الحد الأدنى من مقومات الصمود والبقاء، وأن تقوم بتشكيل هيئة مدنية تتولى إدارة الجبهة الداخلية وقت الحرب، بحيث تكون مهماتها توفير كميات معقولة من المواد التموينية، أو إخبار الناس بضرورة الاستعداد تحسبا لأي عدوان، دون الإشارة إلى مخططات جاهزة، وأن تقوم بتخزين كميات من المياه والوقود والأدوية والأجهزة والمستلزمات الطبية، أن تخزنها مثلا في الأنفاق الموجودة في أعماق الأرض.. كل هذا لم يحدث..

وكان يُفترض بحكومة حماس إعداد خطة طوارئ، بحيث تستمر ولو بالحد الأدنى في تقديم الخدمات المدنية للناس، على الأقل في القضايا الأساسية، وأن تستمر في الرقابة على الأسواق والأسعار ومنع الاحتكار وتغول التجار، وأن تتولى مسألة تنسيق وتوصيل المساعدات بعدالة وإنصاف، وأن توزع نشرات إرشادية على السكان أو ببثها من خلال محطات إذاعية بصورة متجددة بحيث ترشدهم كيفية التصرف وقت الأزمات، أين يذهبون؟ كيف يتصرفون في حالات الطوارئ؟ تنظيم فرق مدنية من المتطوعين في أعمال الإغاثة والإسعاف، وإزالة الركام، ونقل المصابين، التركيز على الجرحى، وذوي الإعاقة، وأصحاب الأمراض المزمنة، والأطفال الأيتام وكبار السن، بحيث تكون لهم الأولوية في الحصول على المساعدات..

كل هذا لم يحدث، ومن كان يقوم بتلك الأدوار متطوعون من تلقاء أنفسهم، وبشكل ارتجالي وتلقائي، دون تنسيق فيما بينهم، ودون تخطيط مسبق، الأمر الذي تسبب في الوقوع في الكثير من الأخطاء والتجاوزات..

كان يُفترض تخصيص ناطق رسمي مدني لمخاطبة الناس يوميا، فقط في القضايا المدنية، بحيث يقلل من حجم الفوضى وحالات الارتباك، ويحد من انتشار الإشاعات، ويبث الأمل في الناس، ويشجعهم، ويداوي جراحهم النفسية، ويعزي أهالي الشهداء، ليشعر الناس أنهم جزء من المعركة، وليسو مجرد أرقام وأرواح رخيصة يتم التضحية بها من أجل أهداف غامضة..

أيضا كل هذا لم يحدث، لا من داخل غزة، ولا من خارجها، وكل المتحدثين والقادة السياسيين كانوا يركزون فقط على أخبار المقاومة وعدد الدبابات التي تم تفجيرها، وعدد الجنود القتلى، وأنَّ حكم حماس لغزة لا بد أن يستمر بعد الحرب..     

نتيجة هذا الغياب غير المقبول، ونتيجة عدم الاهتمام بالجبهة الداخلية ما حصل هو التالي:

مائة ألف فلسطيني بين شهيد وجريح ومفقود، وأغلب الجرحى تحولوا إلى إعاقات دائمة، فضلا عن الدمار الهائل في المساكن والبنية التحتية، وقد تبين أن لا الأنفاق ولا الصواريخ ولا أسلحة المقاومة أمّنت أي نوع من الحماية لهؤلاء الضحايا، كما لم تمنع عمليات التهجير والنزوح، والاعتقالات.. رغم أن المقاومة كبدت العدو خسائر مهمة، وقدمت نماذج رائعة في البطولة والفداء.

منذ الأسبوع الأول انهارت المنظومة الصحية، حتى انتهت تماما في أقل من شهر، وما تبقى منها لا يفي باحتياجات الناس الصحية.. طبعا ندرك تماما أن إسرائيل تعمدت ذلك، لكن حماس لم تتخذ أي خطة احتياطية تحسبا لهذه الحالة، أو على الأقل لإدامة الخدمات الصحية أطول فترة ممكنة..

قرابة مليوني نازح، يعيشون في مراكز إيواء لا تتوفر على أدنى مقومات الحياة، وقد تحولت حياتهم إلى بؤس وشقاء وطوابير مذلة، بحثا عن كومة حطب، أو رغيف خبز، أو لدخول المرحاض.. وأعداد كبيرة منهم لم يحصلوا على خيمة، ولا تصلهم المساعدات، ومنهم من يبيت في العراء..

فوضى شديدة على الطوابير، والأغلبية يتحدثون عن الواسطات والمحسوبيات، ويشكون من غياب العدالة في التوزيع، فضلا عن الغلاء الفاحش في الأسعار، واستغلال التجار، وبيع المساعدات بأسعار فلكية، واستغلال حاجات النازحين لخيمة، أو لغرفة مستأجرة.

استغلال الحالات المرضية والجرحى ومن يرغب بالسفر عبر معبر رفح، حيث يضطر هؤلاء لدفع رشاوى لمن يتحكم في المعبر، ومن بيده قوائم الانتظار، ومن ينسق مع الجانب المصري، وقد بدأت تلك الرشاوى بمبلغ ثلاثة آلاف دولار، حتى تجاوزت العشرة آلاف دولار عن الشخص الواحد.

انتشار حالات سرقة بيوت النازحين، ولو كانت سرقة طعام وشراب ومواد تنظيف لفهمنا مبرراتها، لكنها سرقة كل شيء، حتى تحولت إلى ظاهرة خطيرة، ولم تعد مقتصرة على عصابات منظمة..

كل تلك التضحيات كان يمكن تقليلها، وكل تلك الفوضى وحالات الجشع والاستغلال والفساد كان يمكن تجنبها لو أن حماس اهتمت بتنظيم وقيادة الجبهة الداخلية في غزة، لو أنها كانت تحسب لهم حسابا كبشر ومواطنين وحاضنة شعبية دافئة للمقاومة..

فهؤلاء إما مجرد أرقام يجوز التضحية بهم، أسوة بالجزائر، كما قال السيد مشعل، أو أن مسؤوليتهم تقع على عاتق الوكالة، ومسؤولية إسرائيل بصفتها المحتلة، كما قال السيد أبو مرزوق..

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق