أحست سوزان بألم شديد أسفل بطنها، وبدأت تتصبب عرقا، وقد تملكها الخوف:
أرجوك هاني أسرع، لقد أتاني المخاض على نحو مفاجئ، وإذا لم نصل أقرب مستشفى سألد
في هذه السيارة اللعينة، أرجوك أسرع، سأموت..
استبد بي القلق، وضغطت بكل قوتي على دواسة البنزين، وراحت السيارة تنطلق
بسرعة جنونية وأنا أركز عيني على الطريق، محاولا تهدئة مخاوف زوجتي، ولكن دون
جدوى، المشكلة أننا في منطقة مقطوعة، ولا أثر لمدينة أو قرية قريبة، وهذا الشارع
اللعين يمتد بلا نهاية، حتى أنه خلا من جميع أنواع المركبات، ومن البشر، وحتى من الطيور..
- لم أتوقع أن يأتيني المخاض وأنا في الشهر السابع، لو
توقعت ذلك لما خرجت من بيتي..
- لا تقلقي حبيبتي، سنصل قريبا.. المهم أن تصمدي..
مضت ساعتان، والطريق ما زال فارغا وطويلا، وآلام الطلق تزداد حدة، بنوبات
وجع متتالية تروح وتجيء، وحين تعود تأتي أشد من سابقتها، وصراخ سوزان يملأ
الآفاق.. وأخيرا ظهرت شاخصة صغيرة على يمين الطريق "بلدة سيلمة ترحب
بكم"، شعرت ببعض الارتياح، بعد أقل من ميل أخذ الطريق يتعرّج ويزداد وعورة
مما أجبرني على تخفيف السرعة، وخلال نصف ساعة بدأت تظهر ملامح البيوت، ضغطتُ على
دعسة البنزين بقوة إضافية إلى أن وصلنا شارع رئيسي تحيط جانبيه المحلات والبيوت،
وعشرات المشاة يروحون ويجيئون، فسألت أحدهم أين أقرب مستشفى أو عيادة؟ فأشار إلي
أن أتجه صوب اليمين، عند الدخلة الثانية..
كانت بناية متوسطة الحجم، وقد علقت فوق بوابتها يافطة "مركز قيادة
سيلمة"، ويافطات أخرى كتبت عليها شعارات مختلفة لم أشغل بالي بقرائتها، سألت
السيدة التي تقف عند الباب: أين الطبيب؟ زوجتي على وشك الولادة، أرجوكِ أسرعي في
طلبه، ردت بهدوء مريب، انتظر قليلا، سيأتي الخضر خلال دقائق.
- من هو الخضر هذا؟ طبيب، أم ماذا؟
- إنه سادن بيت الرب.
- ماذا! سادن ماذا؟ هل هو شيخ، أم خوري، أو حاخام، أم
كاهن؟
لم تجب السيدة، بل رمقتني بنظرة مخيفة، ثم تناولت سماعة الهاتف.
- أريد طبيبا على الفور، أرجوكِ سيدتي..
- سيأتي ومعه سامي، القائد الأمني للمنطقة.
- وما حاجتي بقائد الأمن، وسادن الزفت؟؟
بالفعل، حضر رجلان، الأول يبدو في السبعينيات من عمره، ذا لحية كثيفة،
وعينين غائرتين، قامته مهيبة، ومن ثيابه التقليدية توقعت أنه الخضر، أما الثاني
فرجل في العقد الرابع من عمره، مربوع القامة، شاربيه عريضين يتخللهما بعض الشيب،
وعيناه حادتان تنمان عن لؤم أو خباثة، من المؤكد أنه قائد الأمن.
أمسك الخضر بيدي برفق وأخذني
جانبا، وقال لي بهدوء وصوت واثق: إسمع يا ابني، ستساعد السيدة جولان زوجتك على أن
تضع مولودها بسلام، فلا داعي للقلق، لكنّ ما سأقوله لك سيبدو غريبا وجنونيا، أعلم
ذلك، وقد اختبرت هذا الشعور عشرات المرات، أعلم أنك لن تصدقني، لكنك لا تملك
خيارات كثيرة..
شعرت بالقلق، وساورتني أفكار مخيفة، ومع ذلك حاولت التماسك، وإظهار بعض
الشجاعة، فقلت له ما الأمر؟
- حاليا، وبعد قيام زوجتك بالسلامة، سترتاحون هنا حتى
المساء، وحتى ذلك الوقت سأجهز لك بيتا صغيرا تقيمان فيه..
- لكني أريد العودة إلى بلدتي، وبيتي.. من قال لك إني أريد
الإقامة هنا؟
- حسناً، سأقولها لك للمرة الثانية، وبكل وضوح، وأرجو ألا
تعتبر كلامي تهديدا، مهما حاولت لن تستطيع المغادرة.
هنا، شعرت بخوف حقيقي، وأدركت إني واقع في فخ أعد بعناية، أو أن الصدفة
اللعينة قادتني إلى هؤلاء القوم لكي يبتزوني بالمال، وربما يسرقوني علانية..
- إسمع، لا نريد منك مالا في الوقت الحالي، ستحصل على بيتك
بالمجان، لقاء عملك في خدمة البلدة، بالمناسبة ما هو عملك؟
- أنا كاتب.
- كاتب؟ تكتب عرائض يعني؟ أم ماذا؟
- لا، بل أكتب مقالات في الجرائد، وأؤلف روايات وكتب،
وهكذا..
- لا حاجة لنا بكاتب ومؤلف قصص وكلام فارغ، ستختار مهنة
تناسبك، أو تعمل في زراعة الحنطة، أو في حراسة الحظيرة من الذئاب.. وستحصل على أجر
معقول..
شعرتُ أن أي جدال في هذا الموضوع سيكون بلا طائل، وأن هذا الرجل مجنون
رسمي، لذا قررت مسايرته إلى أن اطمئن على سوزان، سنبيت الليلة هنا، وفي الصباح
نستقل سيارتنا ونغادر..
كان الليل قد تجاوز منتصفه حين قمت من فراشي أتصبب عرقا، خرجت استنشق بعض
الهواء، كنت أشعر بالضيق والتعب، ربما من طول الانتظار والقلق، فمضيت أتسكع في
الشارع الضيق الذي اختاره ذلك الرجل المريب مكانا لإقامتنا، شعرت بنسمات الليل
الباردة الرطبة تلامس وجهي، كان لدي فضول لاستكشف المكان، يعتريني خوف غامض من هذا
الصمت الرهيب.. لم يطل بي المسير، فقد رأيت سامي ومعه ثلة من الرجال المسلحين
بالمسدسات والهراوات يقبلون نحوي مباشرة، أوقفني بإشارة من يده، وقال بهدوء: أعلم
أنك جديد على البلدة، وربما لا تعرف أن التجول ممنوع في هذا الوقت، لذا أطلب منك
العودة لمنزلك سريعا..
قبل شروق الشمس، تسللت من المنزل بهدوء، أنا وسوزان وطفلنا البكر سالم،
دخلنا السيارة محاولين ألا نثير أي ضجة، ثم أدرت المحرك وانطلقت بأقصى سرعة، ما
أثار استغرابي أن عددا من المواطنين شاهدونا ونحن نغادر بلدتهم، دون أن يحاولوا
إيقافنا، بل كانوا يرمقونا بنظرات عتاب وسخرية.. حتى أن سامي قائد الأمن رآنا ولوح
لنا بيده مودعا.. لم أتوقع أن يمضي الأمر بهذه السهولة، تنفسنا الصعداء، وكأننا
أفقنا من كابوس مرعب، واصلتُ السير شرقا، حتى وصلت الشارع الرئيس الذي جئنا منه،
قررت العودة بالاتجاه الذي أتينا منه، لأن الطريق في الاتجاه الآخر غير مضمونة،
وخشيت أن نعود إلى تلك البلدة المريبة، خاصة بعد مغامرة اليوم السابق..
مضت ساعات ونحن نسير في شارع مستقيم بانحنائة بسيطة تكاد لا تُلاخظ، وحدها
الشمس اللاهبة كانت فوقنا، بلا ظل يقينا حرها، سوى الظل الساخن في جوف السيارة،
وهو ليس ظلا بالمعنى المطلوب.. لم نعثر على أي شاخصة، الغريب أن مناظر التلال
والصخور على يمين ويسار الشارع هي ذاتها التي رأيناها سابقا، ومع ذلك واصلت
المسير، طريق ممل كله حفر وأشواك، المفاجأة الصاعقة حين رأيت شاخصة "بلدة
سيلمة ترحب بكم".. اللعنة، كيف حصل ذلك؟ مستحيل، لقد غادرنا صوب الشمال،
وكانت الشمس طيلة الصباح على يميننا، إذا، من المستحيل أن نعود من حيث انطلقنا!
ولشدة دهشتنا، وجدنا أنفسنا عند مدخل البلدة مرة ثانية، قلت في نفسي ربما
هذه بلدة أخرى تشبهها وتحمل الاسم ذاته؛ سيلمة الفوقا وسيلمة التحتا مثلا، ولكن
الصاعقة الأشد كانت حين رأينا الخضر وسامي يلوحان لنا مع ابتسامة شامتة، وحولهما
مجموعة من الرجال يقهقهون بصوت صاخب. كدت حينها من فرط الإحباط أن أقع..
دخلنا المنزل، فتحتُ خارطة غوغل، وبحثت عن بلدة سيلمة، وجدتها بصعوبة، ولكن
دون أي إشارة إلى أي معلم حضاري، لا مطعم، ولا مستشفى، ولا جامعة أو معهد، أو
نادي، ولا حتى طرق معبدة تصل إليها..
المهم، أني لم أتأخر في التعرف على البلدة، والتكيف مع إيقاع الحياة
الجديدة، في كل صباح يخرج الأهالي إلى حقولهم ومشاغلهم ويعودون قبيل الغروب وقد
نال منهم التعب، ينشغلون في بعض أمورهم البيتية ويقضون وقتا قصيرا في سهراتهم
السريعة، وبعد المغيب بساعة يُحظر التجول نهائيا، وبعدها بساعة أخرى تُطفأ جميع
الأضواء، فيسود ليل بهيم غارق في العتمة والصمت، فلا تسمع سوى نقيق الضفادع، أو
خوار بقرة منهكة، أو نهيق حمار نال حصة وافرة من الضرب ذلك اليوم، أو عواء ذئاب
بعيدة..تذكرت الليلة الأولى حين أوقفني قائد الأمن، إذاً وحده سامي وبالتأكيد معه
الخضر من يتجولون ليلا، لا أحد يعرف ذلك، ولا أحد يعرف ماذا يفعلون في تلك الليالي
الصامتة والموحشة.
في عطلة نهاية الأسبوع يتأخر حظر التجوال إلى منتصف الليل، حيث يتجمع
الرجال في مقهى الانشكاح، ليستمعوا إلى قصص أبو الليل، كان حكاءا ماهرا، وذكيا،
يسرد القصص بأسلوب مشوق، يبدأ بقصص السابقين، وبطولات الأولين، وأمجادهم التليدة،
وغزواتهم المظفرة، ويبقي على قصص النساء حتى آخر السهرة، وهو يعرف أن الجميع
ينتظرها بشوق وشغف، يبدأ بالحديث عن نساء المدينة الحسان، وعن فتيات الليل،
وغنجهن، وفساتينهن القصيرة والشفافة، عن أثدائهن المكورة، وحلماتهن النافرات،
وسيقانهن المنحوتات ببراعة، كان يصف كل شيء بلا تحفظ، فيما الجميع ينصتون إليه
باهتمام بالغ، فيتدفق الأدرينالين في أوردتهم، وتنهض هرموناتهم الذكورية فيسارعون
إلى زوجاتهم، فيما يظل العازبون حتى سماع آخر قصة، لتمتليء خيالاتهم الجنسية بما
يكفيهم لممارسة الاستمناء..
مع مرور الوقت عرفت أن للبلدة أربعة مخارج في الاتجاهات الأربعة، على مدى
الأيام التالية كنا نخرج كل يوم صباحا، ننظر إلى هذا البيت المؤقت، وإلى أثاثه
التافه وكأننا نراه للمرة الأخيرة، ونجرب طريقا جديدا، والمفاجأة الصادمة أن
تجربتنا في المسير تتكرر بحذافيرها، وتعود بنا في كل مرة إلى البلدة، قبل دخولها
أشعر وكأننا في مركب متهالك في طريقه المحتم نحو شلال، وكأن البلدة تقبع في مركز
ثقب أسود، تبتلع الطرق الخارجة منها.. وبعد عشرات المحاولات الفاشلة قررنا التوقف،
وقد أدركنا أننا في دوامة، وأن علينا الانتظار والتكيف إلى تحصل معجزة ما، أو
نهتدي إلى سبيل لم نتوصل إليه سابقا..
في اليوم الثاني، وقبيل إطفاء الأضواء ببرهة، سمعتُ نحنحة خارج البيت، فقمت
على الفور، فإذا بالخضر قادما حاملا معه لوحة قديمة، كتبت عليها الوصايا العشر بخط
قديم مائل، وطلب مني أن أعلقها قبالة الشباك حتى يتسنى للمراقب الليلي رؤيتها فلا
يضطر لدخول بيتكم، وقال إنها تميمة مباركة ستمنحكم الرزق الوفير، وستدخل البركة
لبيتكم، وستقيكم من الأمراض ومن الوحوش واللصوص، وقبل مغادرته أكد عليَّ ألا أزيل
اللوحة أبدا.
لم أجبه، فقد ازدحمت في رأسي أسئلة كثيرة ومحيرة؛ من هذا الخضر؟ وكيف يسيطر
على الناس بهذه السهولة؟ وهل سيطول بنا المقام هنا؟ وأثناء ذلك كان الخضر قد مشى
عدة خطوات، فاستدار نحوي وقال لي بما يشبه التحذير: الحياة هنا سهلة، والناس
طيبون، وأنا واثق بأنك طيب مثلهم، حتى لكنتك الشمالية ستعتدل، وستتحدث بلهجتنا
سريعا.. وقبل أن يسمع مني إجابة، كان قد مضى واختفى بين الضباب، وكأنه لم يأتِ
أصلا..
مع مرور الأيام، عرفت أن الخضر وسالم يسيطران على السكان بشكل قوي وغامض،
ولا أحد يجرؤ على مخالفتهما، وكل أمور البلدة لا بد أن تمر من تحت أيديهم،
وبمعرفتهم وموافقتهم: شهادات الميلاد، الزواج، الطلاق، الميراث، مخازن الحبوب،
الماشية وحليبها ولحومها وجلودها، بيادر الحنطة، وحقول البطاطا، وبساتين التفاح
والكرز، الأسواق، أسعار السلع، الضرائب، أوقات الخروج والمبيت.. إلخ.
كانت تخطر في ذهني أحيانا أفكارا غريبة ومتداخلة، كنت أسرح بخيالي وأنا
أرقب الناس هنا، الغريب أنهم كانو يبدون كالسكارى، يشبهون بعضهم بعضا، نظراتهم بلا
معنى، أو غير مفهومة، يمشون ويتحركون ويتحدثون وكأنهم آلات صماء، أو مخدرون،
تحركهم قوة غامضة، لكن مشاعرهم جياشة، بعضهم يبكي لأتفه الأسباب، يقدسون الخضر إلى
درجة أنهم ينتفضون بمجرد سماع اسمه، يقفون احتراما له كلما مر، يقبّلون يديه صباح
مساء، ومع ذلك كانوا سعداء وراضون بواقعهم، قانعون بكل شيء، الحياة هنا في منتهى
البساطة، تمشي بروتين متكرر وممل..
مع أن البلدة كبيرة وسكانها كثر، بيد أنها تخلو من المرافق التي نراها في
مدن أخرى: ساحات عامة مبلطة، حدائق، مطاعم، الملفت للنظر أن للبلدة مقبرة قديمة،
مساحتها أكبر من مساحة البلدة نفسها! كما عرفت لاحقا أن البناية الضخمة ذات اللون
الكحلي القابعة على أطراف البلدة هي سجن، وبالطبع لم أتوقع وجود سينما أو مسرح،
المعلم الوحيد المنفرد بمعماره هو المعبد، ينتصب وسط مساحة فسيحة على شكل برج،
بأربع بوابات على شكل أقواس حجرية، تعلوه مسلة طويلة.. في النهار يبدو جميلا
وفخما، وفي الليل يبدو مثل وحش خرافي مرعب، وفي الليالي المظلمة التي تصيبني
بالأرق، كنت أرى المعبد من شباكي وأتساءل: هل يعاني العتمة والوحدة مثلنا؟ هل يخاف
منا كما نخاف منه؟
كبر ابني سالم بسرعة، التحق بالمدرسة الابتدائية الوحيدة في البلدة، كنت
قلقا على مستقبله، فسألت الخضر ذات مرة: لماذا لا تبنون مدرسة ثانوية، أو معهدا
متخصصا، أو تستضيفون في بلدتكم الجميلة فرعا لإحدى الجامعات؟ أجابني بحزم: ما
حاجتنا إلى كل ذلك؟ سيأتي أساتذة مدعون بربطات عنق سخيفة، ويملئون رؤوس أولادنا
بالترهات، والفلسفات الفارغة، والعلوم الدنيوية، سيضيعون أموالنا ووقت عمالنا على
الفنون والأفكار الغريبة التي فائدة منها، وسنضيع قيمنا المتوارثة في حفلات الغناء
الماجنة، وسنفقد سيطرتنا على نسائنا وأطفالنا.. لا يا صديقي، لن أسمح بهذا نهائياً
ما دمت على قيد الحياة.. أنا سادن بيت الرب، المؤتمن من قِبل عليائه على البلدة
وعلى شعبها، ولن أخون الأمانة أبدا.. سنظل كما كان أسلافنا، أوفياء للقيم، وللدين،
وسنموت على ذلك..
- طيب، لماذا أنتم معزولون عن العالم..
- إذا سمحنا للغرباء أن يأتوا بلدتنا سيخربون معيشتنا،
وسينهبون ثرواتنا، ألا تعلم أن العالم كله يتربص بنا، وينتظر لحظة الانقضاص
علينا..
- لكن يا سيدي الناس في الخارج تغيروا، والحياة تطورت..
- ومن قال إننا متأخرون؟ نحن نواكب التطور أولاً بأول، كنا
نحرث على البغال، واليوم نستخدم الجرارات الآلية.. كنا نقضي حاجتنا في الخلاء
ونستحم في عين البلد، اليوم لدى كل منزل حمّام نظيف.. لو دخلت أي بيت ستجد فيه
الغسالة والثلاجة والفرن الكهربائي، وجلاية الصحون..
كبر سالم بسرعة فائقة، وصار نسخة عني، يشبهني إلى حد كبير، كان من يرانا
يظن أننا توأمان، والبعض يظن أننا شخص واحد، كنا بين الحين والآخر نتجادل وطالما
اختلفنا بشأن البلدة، والإقامة فيها، كنت أحدثه عن مدن العالم الكبيرة والجميلة،
وأساليب الحياة العصرية، أحيانا ينبهر بها، وفي أغلب الأحيان لا يكترث، بل يصمم
على رأيه بأن الحياة هنا أجمل.. فأقول له لأنك لم تسافر، فلا يقتنع..
كبر سالم أكثر، وظهرت بعض التجاعيد أسفل عينيه، وبدأ الشيب يغزو شعره، وصار
يبدو أكبر مني سناً.. وصار يعيد شعارات الخضر في كل مناسبة، ويسرد قوانين البلدة
وكأنه هو من كتبها! ولم يعد راغبا بمغادرة البلدة، حينها شعرت بخوف شديد، وقلت في
نفسي، لن أتحمل بعد ذلك يوما واحدا، لا بد لي أن اتصرف، وصرخت في سوزان لم أنتِ
صامتة طيلة هذا الوقت؟ متى ستتصرفين؟
ظلت سوزان صامتة طيلة الوقت، بيد أنها كانت تخبئ حكمتها في انتظار اللحظة
المناسبة.. وذات مساء، نطقت بها: لن نخرج من هذه البلدة الملعونة إلا إذا قتلت
الخضر وقائد الأمن وهدمت المعبد فوق رأسيهما.. نطقتها كأنها تفجر عبوة ناسفة..
ما أن سمعت كلمة قتل حتى سرت في بدني قشعريرة، وأخذ قلبي يخفق بشدة، وكأني
أرفض الفكرة تماما..
- لكنه رجل طيب، ولسانه حلو، ولم يؤذنا بشكل مباشر.. وحتى
سامي لا أراه يستحق القتل..
ردت باستنكار
وعصبية: طيب! لم يؤذنا بشكل مباشر؟ وهل هناك أذية أكثر من حبسنا في هذا البؤس،
ومنعنا من مغادرة البلدة؟!
- لا أحد يمنعنا، وأنت رأيتي بنفسك حين كنا نهم بالمغادرة
كل مرة لم نشاهد سوى بعض القبور المتناثرة هنا وهناك، ولم نرى أسوارا ولا أسلاكا
شائكة تحيط بالبلدة..
- القبور تخص كل من حاول الهروب والنجاة بنفسه قبلنا، أما
الأسوار والأسلاك فقد بناها الخضر وسامي في عقول الناس، وها هي بدأت تتشكل في
رأسك، ورأس ابنك.
ما أن دخل سامي باب المعبد، حتى هويتُ عليه بضربة قوية
ب"الكريك"، أصابت مؤخرة رأسه مباشرة، فسقط مغشيا عليه، فيما وقف الخضر
مرعوبا مرتبكا، وقبل أن يتحرك عاجلته بطعنة نجلاء استقرت في صدره، ثم عاودت الكرة
بطعنة ثانية وثالثة، إلى أن تركته مخضبا بدمه، وعيناه تفقدان آخر بريق لهما، حتى
بدتا كزجاجتنين معتمتين، تركت السكين غائرا في صدره، ومسحت يدي بخرقة، ولم أتأكد
إذا كان سامي قد مات أم أنه مغمى عليه، توجهنا على الفور نحو السيارة، وانطلقنا
بأقصى سرعة..
كان الفجر يتهيأ للبزوغ، وكانت الأشياء غير واضحة تماما، تبين وتختفي ما
بين العتمة والنور، ولأول مرة أتنشق عطر الصباح، كانت رائحة الأرض والزهور فواحة،
وتحفز على الفرح.. تخيلت نفسي أمام البحر، عاريا تماما، رأيت نفسي أسبح فيه
بانسياب، وحرية.. كانت الشمس في موقعها وسط السماء، وكأنها في انتظارنا، أحسست
فجأة برغبة جامحة لسيجارة..
على بعد عدة أميال رأينا ولأول مرة دورية شرطة تقف على يمين الشارع، وقد
خرج منها شرطيا يلوح لنا بالوقوف، فقلت في نفسي باستسلام: لن أضيع وقتي بالتحقيق
والتعذيب، سأعترف على الفور بقتل الخضر وسامي، وسأقول إنه دفاع عن النفس، وأنه لم
يكن أمامي مفر من قتلهما.. سأقبل بحكم القاضي مهما كان، كل شيء بالنسبة لي أهون من
العيش في تلك البلدة التعيسة..
ابتسم لي الشرطي، وقال باستغراب: ماذا تفعلان هنا في هذه المنطقة المقطوعة،
وكيف وصلتما هنا أصلا؟
- سيادة الضابط، سأعترف لك بكل شيء..
- حسنا ماذا لديك؟ وماذا تخفي؟ وقبل أن تخرج رافعا يديك،
افتح لي صندوق السيارة لأفتشه..
وجه مسدسه نحو وجهي، وأمرني بحزم أن أضع يدي على المقود، فيما بدأ الشرطي
الآخر بتفتيش السيارة، فتشها بدقة، وتفقد أوراقنا الثبوتية ورخصة القيادة، وتأكد
أنني لست سكرانا، حينها هدأت مخاوفه سيما وأنني كنتُ متعاوناً معه، وأتحدث بلباقة
وهدوء..
- حسناً، بماذا ستعترف؟
- لقد قتلت الخضر وسامي، لقد طعنتهما عشر طعنات على الأقل،
وهربت من تلك البلدة اللعينة.
- ولماذا قتلتهما؟
- قتلتهما، لأخلص أهل البلدة من خوفهم وبؤسهم.. ولو انتظرت
قليلا سترى أفواجا منهم يتبعوني.. أنظر هناك في أول الطريق.. انتظرهم سيأتون..
التفت إلي الضابط باستغراب، وقال: عن أية بلدة تتحدث؟
- عن سيلمة
حدق بي لبرهة، وصاح بدهشة أكبر: سيلمة؟ لكنها قرية مهجورة، لقد غادرها
أهلها قبل مئات السنين، ولا أحد يسكنها، وهي الآن تعتبر محمية أثرية، ولا يدخلها
سوى المنقبون والمؤرخون، حتى أن اللصوص توقفوا عن دخولها منذ أمد بعيد، بعد أن
يئسوا في العثور على أي شيء ذو قيمة.
- يعني وكأنك تقول أن كل ما أقوله لك كذب؟ طيب، هل أنا
أيضا كذبة؟ هل ابني سالم الذي ولد وكبر هناك أيضا كذبة؟
نظر إليَّ الشرطي بتوجس، وقال: وأين هو ابنك؟ لا أرى سوى هذه السيدة
الفاضلة! والتي يبدو أنها حامل.. نظرت نحو سوزان بتعجب وذهول، وشعرت بأن رأسي
ثقيلة، وأني أسقط في هوة سحيقة..
- إسمع، هذه البلدة ملعونة، وما كان يجدر بكما دخولها، كل
من دخلها أصابه مس من الجنون، وكل سكان القرى المجاورة يعرفون ذلك، وطالما تناقلوا
عنها حكايات وأساطير، وقصصا مرعبة عن أشباح مخيفة وجثثا محنطة وأرواح هائمة تخرج
في الليل..
التفتُّ نحو سوزان مرة ثانية، بدت مطمئنة تماما وهي تتحسس بطنها المتكور، كانت
تناغي جنينها وتتفحص ركلاته اللطيفة، وتغني له بصمت وحنان..
أمرني الضابط أن أغادر المنطقة على الفور، قبل أن يوجه لي تهمة القيادة تحت
تأثير الكحول، مضيت تاركا إياه في حيرته، كان ينظر بالاتجاه المعاكس وعلى ما يبدو
ينتظر قدوم سيارات أخرى يقودها سكارى.. أما أنا فواصلت المسير، وكنت أنظر خلفي بين
الفينة والأخرى على أمل قدوم أحد من سكان تلك البلدة الغامضة، على الأقل لأعرف إن
كان ما عشته طوال السنين الفائتة حقيقة أم وهم..
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق