أهلا بكم

على هذه الصفحة نثير التساؤلات ،، ونفكر ،، ولا نعرف حدوداً للتوقف

آخر الأخبار

سبتمبر 27، 2023

رحلات مريخية، قصة قصيرة


(1)

على مدى الأشهر الثلاثة الأخيرة ظل الملياردير الأمريكي "فايلون ديسك" مواظبا على زيارة مختبر الطاقة الهيدروجينية التابع لمركز الأبحاث والصناعات الفضائية (FDC)، وهذا المركز تعود ملكيته له، ويشرف على أبحاثه وتجاربه بشكل شخصي ومباشر.. في تلك الفترة عاش فايلون في قلق مشوب بالتفاؤل، إذ شارفت المهلة الممنوحة لعلماء ومهندسي المركز على الانتهاء (وكانت مدتها خمس سنوات) للتوصل إلى ابتداع طاقة تنتج عن الاندماج الهيدروجيني بحيث تكون آمنة ومستدامة، ولا تحتاج إلى طاقة ذرية هائلة لإطلاقها وتحريرها، ليتم استخدامها في المركبات الفضائية، وتكون قادرة على تسريعها بشكل ثوري وغير مسبوق.

كان فايلون يطمح للوصول إلى المريخ بفترة لا تتجاوز السنة ضمن الجيل الثاني من المركبات، وعلى أمل تقليص الفترة في الأجيال التالية من المركبات لتصل إلى ستة أشهر، وفي أحلامه بعيدة المدى أن تصير المدة خلال أيام معدودات..

(2)

-      يابا أنا سجلت في رحلة رايحة عالمريخ

-      هههههههه

-      عنجد بحكي

-      شو عنجد؟ ببتخوث إنت؟

-      والله بحكي جد

-      بعدين مع هالليلة؟!

-      يابا في إعلان منتشر على جميع المواقع للتسجيل في رحلة إلى المريخ، والشروط بتنطبق عليّ

-      ولك إنت ما معك أجرة تكسي للبلد.. بدك تروح عالمريخ مرة واحدة؟!

-      الرحلة مجانية..

-      شو مجانية با مجنون؟ إذا كانت رحلة ساعتين في مركبة حول فضاء الأرض فقط تكلف ملايين؟ فما بالك برحلة إلى المريخ؟!

-      يما يا أدهم، الله يرضة عليك، بلا هبل ومريخ وبطيخ، بدك تروح وتتخلى عنا؟ وبعدين إحنا مقصرين معك شي؟

-      لا والله يماّ، أنتو الخير والبركة، بس شو بطلع بئيدكم؟ إنتو مقصرين بحق أنفسكم أصلا.. وبعدين هاي عيشة اللي عايشينها؟ بتفكروا حالكم عايشين عنجد؟

(3)

حمل أدهم فنجان قهوته وأخذ رشفة سريعة، ثم جر نفسا عميقا من سيجارته مصوّبا ناظريه إلى الأفق البعيد، ثم تناول هاتفه المحمول ليجد خبرا أثار انتباهه بشكل خاص: نجحت شركة فايلون في تجربة إطلاق مركبة فضائية تحملها صواريخ عملاقة فائقة السرعة، باستخدام مصادر طاقة غير معهودة، وبوسعها الوصول إلى المريخ في غضون أسبوع.. بعد أن صارت تصل القمر في ست ساعات، وقد بنت على سطحه خمس محطات انطلاق ضخمة للاستفادة من جاذبية القمر الضعيفة.

يعرف فايلون، كما يعرف أدهم، وحتى طلاب الابتدائي يعرفون أنَّ الوصول إلى المريخ ليس المشكلة الأهم في الموضوع، الإشكالية الكبرى تكمن في طبيعة جوه المعادية، حيث لا أوكسجين، ولا مياه، ولا نباتات، ودرجات الحرارة هناك متطرفة جدا، ولا يتحملها البشر.. وهذا الموضوع أخذ الكثير من وقت وجهود العلماء لإيجاد حلول عملية له، حتى توصلوا لفكرة بناء محطات استقبال على شكل خلايا مغلقة مكونة من ألياف الكربون بعض أجزائها زجاجي، وبعضها معتم، بحيث تحافظ على درجة حرارة ورطوبة ملائمة، مع مضخات هواء تزود المقيمين فيها بحاجتهم الطبيعية، إضافة إلى توفير كميات كبيرة من المواد الغذائية والتموينية، وما يحتاجونه من معدات للإقامة الطويلة وتنفيذ ما يُطلب منهم من مهمات علمية وبحثية، وإنشاء محطات جديدة تستوعب أعداد أكبر للقادمين من الأرض.

المشكلة الأخرى هي العثور على علماء ومهندسين ومختصين يوافقون على فكرة الرحيل إلى المريخ، حيث العودة إلى الأرض لن تكون سهلة، والإقامة هناك محفوفة بكل أنواع المخاطر، والأهم أنها لن تكون إقامة سعيدة.. إضافة إلى أن الفكرة التي كانت تراود فايلون هي بناء مستوطنات بشرية تمهيدا لنقل سكان الأرض إلى المريخ بعد أن تحل بالأرض الكارثة المحتمة التي ستقتل معظم الكائنات الحية، وستجعل الحياة مستحيلة لمن نجا منها..

ولحل إشكالية الحياة على المريخ اقترح العلماء فكرة نثر ملايين الخلايا والبذور على سطح الكوكب الأحمر لنوع معين من النباتات تستطيع إنتاج الأوكسجين بكميات كبيرة مكتفية بضوء الشمس، ونوع آخر من النباتات بوسعها تحويل الغازات المتوفرة إلى مياه سائلة.. وهذه النباتات تم تجريبها في مختبرات الشركة بظروف بالغة السرية، وقد احتاجت عشرات السنين للوصول إلى نتائج مرضية.

(4)

مـرّر أدهم هاتفه المحمول إلى أصدقائه وطلب منهم قراءة الإعلان الذي انتشر على معظم المواقع الإخبارية والعديد من وسائل التواصل الاجتماعي: "تمكن العلماء في مرصد فايلون ديسك الفلكي من رصد كويكب صغير بحجم قمة إفرست على بعد 200 مليون ميل خارج المجموعة الشمسية، وهو في طريقه مباشرة إلى الأرض، ومن المرجح وصوله خلال سنتين، وفي حال ارتطامه سيحدث زلزالا بقوة 12 درجة على مقياس رختر، وسيطلق كل براكين الأرض، وسيكون مصير البشر كمصير الديناصورات، على حد تعبير بيان المرصد، لكن علماء "ناسا" قللوا من شأن الموضوع، ونفوا إمكانية وصول النيزك إلى الأرض".

- أظنها مؤامرة أخرى على الجنس البشري، يريدون الوصول للمليار الذهبي، وسيختلقون زلازل في كل مكان..

- لا ، مستحيل، أنت مهووس بنظرية المؤامرة.

(5)

هذه المرة كان أدهم بمفرده، يتناول إفطاره على عجل، وكعادته أثناء تناوله الطعام يتصفح هاتفه الخلوي، باحثا عن نكتة، أو خبر صاعق، أو بشرى سارة غير متوقعة، حتى قرأ إعلانا مثيراً، وعلى الفور اتصل بصديقه معتصم، وطلب منه الاطلاع على الإعلان.

-  يا إلهي سنصبح مشهورين، وسأثبت لك أخيرا أن الأرض كروية..

-  شو القصة؟ أثرت فضولي!

- إذا وافقت على الرحلة، ستخرج من عزلتك وكآبتك، وستؤكد لنفسك أنّ لك قيمة..

 "تعلن شركة فايلون ديسك عن فتح باب القبول لطلبات الاشتراك في أول رحلة فضائية إلى كوكب المريخ، شريطة أن يكون المتقدم بصحة جيدة، ولديه الاستعداد لتعلم تقنيات السفر والإقامة هناك، وألا يتجاوز عمره الثلاثون عاما، وستكون الرحلة مجانية لمن تنطبق عليه الشروط ويجتاز امتحانات القبول، علما أن الرحلة باتجاه واحد، ولن يحظى المشترك بفرصة الرجوع إلى الأرض".

رد معتصم على الفور: أريد أن أغادر الكوكب بأي طريقة، حتى لو في رحلة إلى الثقب الأسود.

(6)

خلافا لمعظم التوقعات، فقد كان الإقبال على المشاركة في الرحلة المريخية كبيرا جدا، وفاق توقعات أكثر المتفائلين، فقد ورد إلى بريد الشركة عشرات الآلاف من طلبات الالتحاق في الرحلة، ومن شتى بقاع العالم، وعليه شكّلت الشركة لجنة فنية للنظر في الطلبات، واختيار أول دفعة مكونة من عشرين مسافرا فقط..

وبالطبع كانت أغلبية المتقدمين تنطبق عليهم الشروط الأساسية، لذا صار الفرز بينهم بناء على الرسالة المرفقة والتي يكتب فيها المتقدم أهدافه من المشاركة، ويشرح أسباب قبوله للمخاطرة، ولماذا هو مستعد لترك الأرض..إلخ

على مدى أشهر واظبت اللجنة على فرز الطلبات، وقراءة الرسائل، والاتصال بالمتقدمين وطرح عليهم بعض الأسئلة الإضافية..

"أنا زهقان من هذه الحياة، ومستعد لفعل أي شيء مجنون".. "ليس لدي ما أخسره".. "أشعر من الآن بتدفق الأدرينالين في عروقي، لا أستطيع الانتظار أكثر".. "لدي فضول قاتل لاكتشاف ما هو غريب وغير متوقع".. "بعد سبع محاولات فاشلة للانتحار، قلت لأجرب طريقة جديدة ومضمونة".. "الحياة على هذا الكوكب لم تعد تُطاق".. "أريد أن أنفع البشرية بعد أن فشلت في تقديم أي شء نافع، سوى إطعام قطتنا السمينة".. "لم اختبر الطيران من قبل، ستكون تجربة مدهشة".. "فرصة للإفلات من الدائنين، وأولهم صاحب الشقة، سأرسل له رسالة تشفّي من الفضاء، سأقول له تباً لك ولكوكب الأرض كله".. "وسيلتي الوحيدة للتهرب من قروض البنك".. "أنا لا شيء، لا أحد يزورني، وإذا مت لن يتذكرني أحد".. "سيكون رائعا حين يتردد اسمي في نشرات المساء الإخبارية".. "يهمني جدا أن أكلّف شركتكم السخيفة تكاليف مسافر بلا فائدة، المهم أن أخسّركم.. ههههه".. "بدلا من انتظار النيزك، والموت خوفا، علينا مواجهته.. سنحرقه قبل أن يحرقنا".. "أظن أن سكان المريخ سيكونون أرحم من البشر".. "هناك لن يعثر عليّ عزرائيل، وحين تقوم القيامة، ويخسف الله الأرض بمن عليها سأكون في مأمن".. "من هناك، سأراقب الأرض، وسأتسلى بمنظر البشر وهو يتحاربون ويعذبون بعضهم بعضا"..

(7)

وصلت أول مجموعة بسلام إلى المريخ، كان الهبوط صعبا ومخيفا، وكان عددهم عشرون مسافرا، عشرة منهم علماء ومهندسين من تخصصات مختلفة، والبقية من المترشحين الذين فازوا في التصفيات واجتازوا امتحانات القبول.. وما أن أكملوا إجرءات الهبوط والخروج من المركبة حتى استقلوا حافلات خاصة وتوجهوا إلى موقع محدد، عبارة عن سهل رملي ممتد، وبدؤوا على الفور بتفريغ الحقائب، وإخراج المعدات ونصب القوائم، والجدران التي ستأويهم مؤقتا إلى حين بناء الخلايا الدائمة التي سيعيشون في داخلها لأمد غير معروف.. وخلال أسبوع كانوا قد أكملوا تجهيزات الإقامة، ونصب أبراج الاتصال مع الأرض..

وبحسب الخطة سيعود خمسة علماء إلى الأرض على نفس المركبة، على أن يعود الخمسة الباقين بعد وصول الرحلة التالية من الأرض، والتي ستضم نفس التركيبة، بحيث يتبقى دوما خمسة علماء ومختصين، ويعود خمسة وهكذا.. أما الآخرين فلا فرصة لهم بالرجوع.. كان هذا واضحا في العقود المبرمة معهم قبل سفرهم..

(8)

تذكّر أدهم تلك الغصة المريرة التي ما زال طعمها في حلقه، حين أخبر صديقه معتصم أن اللجنة رفضت طلبه، بل إنها أساسا لم تنظر فيه.. تذكر ليلته الأخيرة على الأرض، وشعر بندم شديد أنه أخفى موعد السفر عن أهله، ليتني حظيت بوداع لائق، يا ترى كيف استقبلت أمي الخبر؟ ماذا يفعل أبي الآن؟ كان بوسعي إقناعهم، على الأقل ليتدبروا أمرهم، أنا الآن عاجز حتى عن الاتصال بهم..

كانت مفاجأته صاعقة حين هبط سطح المريخ، شعر بثقل شديد وهو يتعثر بخطواته الأولى فوق الرمل الناعم.. كان الصمت المخيف يلف المكان، أحس بالاختناق وأن رأسه يغلي داخل تلك الخوذة الزجاجية اللعينة، ومع تعمق إحساسه بالخوف والكآبة ذرف دموعه بصمت، أراد أن يبكي، وأن يصرخ بأعلى صوته: أعيدوني للأرض.. أنا حمار، ما هذا الذي ورطت نفسي فيه؟!

لم يسمعه أحد، كان الآخرون مثله تماما مشغولون بأنفسهم، وبمخاوفهم، ويواجهون رعبهم باستسلام.. كان ألبرت قائد الفريق وحده القادر على التقاط أنفاسه والتحكم في أعصابه، فأخذ يطمئن فريقه بأن الأمور ستسير على ما يرام، وأنهم سيعتادون على الجو الخانق والحرارة الشديدة مع مرور الوقت.

بعد مرور شهر بدأت ترد إلى المحطة الأرضية التقارير الفنية القادمة من المريخ، مع صور مبهرة للرواد الأوائل..

أما أدهم فقد هدأت أعصابه بعض الشيء، وبعد أن أيقن أنه لا مفر من مواجهة الواقع الجديد، وأنّ عليه التكيف بقدر ما يستطيع، أخذ يعزي نفسه، محاولا التركيز على بعض الجوانب الإيجابية لهذه المغامرة المجنونة، وما ساعده على ذلك أن جميع زملائه كانوا متعاونين، وداعمين لبعضهم، كانوا طيبين ومسالمين، وكان العلماء يبذلون جهودا مضاعفة للتخفيف عن غيرهم، والإجابة على أسئلتهم، فشعر أنهم أصدقاء أو عائلة صغيرة، وأن الحياة هنا عموما هادئة، ولا توجد مفترسات ولا حشرات ولا شرطة، ولا حروب، ولا حتى حوادث سير.. وإذا سارت الأمور على هذا النحو، والتزم الجميع بالقواعد والتعليمات فبوسعهم خلق حياة جديدة ومختلفة، وربما تكون سعيدة..

(9)

عادت أول دفعة من علماء المريخ، حاملة معها الأخبار المفرحة إلى سكان الأرض، ورسائل شوق ممن تركوهم خلفهم، وصورا ملونة شديدة الوضوح للكوكب الأحمر وسكانه الجدد، والأهم، ما كان ينتظره فايلون وشركته بقلق بالغ، ومعهم كبريات الشركات المنافسة؛ تلك التقارير التي تشير لنجاحات مبهرة لتزايد نسبة الأوكسجين في غلاف المريخ، وإلى تخزين كميات معقولة من المياه، وأن الحياة هناك ليست مستحيلة كما كان شائعا ومسلّما به في الأوساط العلمية..

لم تتأخر الرحلة الثانية، وقد حملت هذه المرة مائة مسافر. ومع انتشار أخبار المريخيين، وتداول قصصا عنهم بعضها مثل الأساطير، تزايدت طلبات اللجوء للمريخ وصارت بالملايين، حينها بدأت الشركة تضع شروطا أصعب للقبول، ومن ضمنها دفع تكاليف السفر، والتي كانت في البداية بحدود العشرة آلاف دولار للمسافر، حتى وصلت إلى مليون دولار في الرحلة الخامسة، ومن المؤكد أن الرقم سيرتفع أكثر مع مرور الوقت..

لم يعد موضوع المريخ واحتكاره من قبل شركة فايلون مقبولا لدى الشركات الأخرى، فقد تمكنت مراكز بحثية عديدة من التوصل إلى تكنولوجيا الطاقة الهيدروجينية، وصار بوسعها تنظيم رحلات مشابهة للمريخ، وبأسعار منافسة، وصارت أعداد المسافرين بالآلاف، ونشأت على هامش الرحلات المريخية صناعات عديدة: صناعات أدوية خاصة بسكان المريخ، وأطعمة ومأكولات مريخية، وملابس فضائية، وشركات متخصصة لمعدات السفر ولوازمه، وأخرى لصيانة المركبات، ودخلت على الخط شركات التنقيب الطامعة بالعثور على معادن نفيسة على سطح المريخ، وشركات التأمين، والبنوك المستعدة لمنح القروض للمسافرين وللمشاريع البحثية المريخية.. وصار المريخ حديث الناس، وشغلهم الشاغل، حتى نسوا الأرض وبلاويها ومصائبها..

(10)

كان العلماء الذين يرجعون إلى الأرض، يعودون بعقلية ونفسية مختلفة، فقد لوحظ أنهم لا يعودون كما كانوا في حيواتهم السابقة، يعودون بأفكار وسلوكيات مغايرة، يطيلون جلسات التأمل، ويفضلون الانعزال عن الناس، ومنهم من ينخرط في جمعيات خيرية، أو في فعاليات مؤيدة لحقوق الإنسان، ومناهضة للعنصرية، يتبرعون بأموالهم للفقراء، صاروا أكثر رقة ولطفا، وأكثر حكمة، وقد امتلأت قلوبهم بالسكينة..

وبحسب متخصصين، مرد ذلك لأنهم رأوا كوكب الأرض من علو، في تلك اللحظة الفريدة أدركوا الحقيقة المغيبة، أدركوها بوضوح شديد، أدركوا أن سكان الأرض جميعهم يتشاركون في غرفة واحدة لكنها تكفيهم جميعا، غرفة أكبر بكثير من ذواتهم الضيقة.

(11)

كان أدهم في طليعة مستقبلي الزائرين الجدد، يتفهم مخاوفهم وقلقهم، في داخل المستعمرة المغلقة كان أدهم وبقية السكان ينزعون خوذهم ويتخففون من ملابسهم الفضائية الثقيلة، فيبدو بلحيته الكثة الطويلة بمظهر الناسك الحكيم، كان يشعر أنه والدهم، ويحاول مساعدتهم مدعيا أنه زعيم الكوكب وحلاّل المشاكل.. ومع تنامي المستعمرات وتزايد أعداد الوافدين أخذ أدهم يدعو لتشكيل لجان قيادية تتولى مسؤولية مختلف القضايا: الأمن، الطعام، الأوكسجين، النباتات، بناء الخلايا الكربونية، التنسيق بين المستعمرات، الاتصالات مع الأرض..

بدأ حماس أدهم يخبو شيئا فشيئا، وأخذ اليأس يأكل قلبه، مع حنينه لأهله وأصدقائه وللحياة الأرضية، ومع ظهور مشاكل جديدة في كل مرة بين الوافدين، سيما أنهم من بيئات وثقافات مختلفة، ولكلٍ أسبابه في القدوم، وهمومه التي تركها خلف ظهره، ومطامعه وتوقعاته في الحياة الجديدة.. أكثر ما كان يثير استغرابه أولئك الأثرياء الذين دفعوا ملايين الدولارات لقاء رحلة انتحارية..

لم يمضِ وقت طويل حتى بدأت حالات الوفاة بين سكان المستعمرات تتزايد بشكل مخيف، وما كان يعوض عددهم، بل ويزيدهم، فقط تلك الرحلات القادمة من الأرض.. فقد تزايدت المستعمرات البشرية هناك من اثنتين في السنة الأولى حتى صارت عشرين مستعمرة في غضون ثلاث سنوات.. وقد أيقن أدهم أن هؤلاء جميعا مجرد فئران تجارب، ومجرد أرقام في حسابات أرباح الشركات المريخية، وأولها شركته الناقلة FDC.

المشكلة أن أمراض الأرضيين وصراعاتهم وأطماعهم بدأت تنتقل للمريخيين، وبدأت تظهر بوادر نزاعات وصراعات على المناطق الأفضل والأصلح لزراعة نباتات الأوكسجين، وعلى المناطق التي تضم موارد ومعادن محتملة، وسباق محموم فيما بينها للتواصل مع مشغليهم الأرضيين بتقارير كاذبة، بغية الحصول على إمدادات إضافية من الأوكسجين والأطعمة والمشروبات..

لم يدم شهر العسل المريخي طويلا، فمع اشتداد التنافس بين المستعمرات المريخية وأصحابها على كوكب الأرض، بدأت ولأول مرة ظاهرة السلاح، بعد ثبوت حالات تهريب لأسلحة وذخائر مع مسافرين جدد.. وقد سجلت أول جريمة قتل على المريخ بعد سنة واحدة فقط.. قيدت حينها ضد مجهول بعد أن فشلت اللجنة الأمنية المشتركة في العثور على القاتل، تبعتها جرائم أخرى، حتى صارت ظاهرة شبه يومية. 

لم تعد حالات القتل فردية، فقد نشبت أول حرب بين مستعمرتين في السنة الثانية، نجم عنها تدمير مستعمرة "فايلون 2" بالكامل، ومقتل سكانها المائة اختناقا، بسبب اختراق قذيفة لسطحها ونفاذ الأوكسجين منها..

ثم أخذت ظاهرة الهروب من مستعمرة لأخرى، وظاهرة الانشقاقات عن المستعمرة، والنزاعات بداخلها، وتقلب التحالفات بين المستعمرات، حتى تورطت جميع المستعمرات في صراع دموي، أدى إلى نشوب الحرب المريخية الأولى.. والأخيرة.

بعد تسرب أخبار هلاكهم جميعهم، انقطعت أخبار المريخيين.. وتوقفت جميع الرحلات إلى هناك، وفي أقل من سنة توقفت كل الصناعات المريخية، وعاد الأرضيون إلى سيرتهم الأولى..


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق