أثناء دراستي الجامعية في العراق (زراعة)، كانت تأتينا
أسئلة في الامتحانات من نوع: "متى زار السيد الرئيس مصنع ألبان أبو
غريب؟"، أو: "ماذا قال السيد الرئيس في اجتماع القيادة يوم 7 نيسان
1984؟".. ولا غرابة في ذلك؛ فقد كان النظام كله مؤسسا على تقديس الزعيم، بما
في ذلك بالطبع مناهج التعليم، وكانت خطابات الرئيس وتصريحاته مادة تدرّس، من
الابتدائي حتى الدكتوراه، يشمل ذلك التخصصات العلمية.. وكنت تجد لافتات على جنبات
الطرق مكتوب عليها مقولات للسيد الرئيس، أذكر منها "إذا أضيء اللون الأحمر
يجب على السيارات أن تنطلق بسرعة، حتى لا تؤخر من هم خلفها".. ربما أراد من
كتب هذه اللافتة نيل رضا الرئيس، ولكن لو صدف أن قرأ الرئيس هذه اللافتة ربما أعدم
كاتبها، لسخافتها..
كان صدام بعثيا صادقا، ووطنيا مخلصا.. لكن نفاق وخوف المحيطين
به حوّله إلى طاغية.. هذا لا ينفي جبروته وقسوته.. ومع أنه قرب إليه كل الموالين
والتابعين والمصفقين، وذوي القربى.. إلا أنهم جميعا تخلوا عنه لحظة الحقيقة.. فوجد
نفسه معزولا دون غطاء جماهيري..
لا يختلف النظام السوري بشيء عن العراقي، خاصة فيما يتعلق
بتقديس الرئيس، ونرى بوضوح إلى أين أدى ذلك، إذ أن ثلث الشعب السوري بين قتيل
ولاجئ ومشرد..
في ليبيا، كنت تقرأ مقتبسات من الكتاب الأخضر ومن تصريحات
القذافي في كل مكان، على الجدران، في الكتب المدرسية، على التلفزيون.. ورغم كل
ذلك، انتهى به الأمر مختبأ في حفرة، هاربا من الشعب..
الشعوب هي التي تصنع طغاتها.. عندما تبدأ بتقديس زعمائها،
وعندما تسكت عن ظلمهم..
معظم القادة المستبدين كانوا في بدايات حياتهم السياسية
قادة مخلصين، ولديهم نوايا طيبة، لكنهم انتهوا دكتاتوريين.. لأنهم كانوا لا يسمعون
إلا من المقربين منهم، ومن مستشاريهم، ومن وزرائهم.. وهؤلاء لا يقولون للرئيس إلا
ما يسره، ولا ينقلون إليه من التقارير إلا ما يرضيه، ولا يعرضون عليه إلا ما
تستريح إليه عيناه.. وهكذا ينفصم عن الواقع، وينعزل عن الشعب، ويبدأ بالتصديق أنه
رئيس فوق العادة، ولديه قدرات خارقة، وأن الشعب مستعد لأن يموت من أجله..
هل تعلمنا نحن الفلسطينيين من دروس الشعوب الأخرى؟ هل يرى
قادتنا ما حل بالزعماء الآخرين، وكيف كانت نهاياتهم؟ هل يعرف وزير التربية ماذا
حلَّ بالكتاب الأحمر لماوتسي تونغ؟ وماذا أنتجت كتب وأقوال كيم إيل سونغ؟
ضمن مبادرة "لأجل فلسطين نتعلم"، أطلقت وزارة
التربية والتعليم، كتيب "قدوتنا رئيسنا"، الذي يستلهم اقتباسات من كتب للرئيس
محمود عباس.
وقد أكّد وزير التربية والتعليم مروان عورتاني على
أهمية هذه المبادرة في تنمية مهارات الطلبة الإبداعية لإبراز الهوية الوطنية، ولفت
إلى ضرورة وجود توجه مزدوج للمزج بين البعد الوطني والمعرفة، مؤكدا التزام الوزارة
بطباعة هذا الكتيب وتعميمه على كافة مدارس الوطن.
حسب هذا الخبر، الذي نقلته وكالة وفا، فهمتُ أن الكتيب
سيتضمن مقولات للرئيس عباس.. وأن هدف الوزارة من هذه الخطوة المزج بين التربية
الوطنية والمعرفة والتعليم..
لا خلاف على أهمية إطلاق مبادرات متنوعة، مثل "لأجل
فلسطين نتعلم"، ولا خلاف على أن الرئيس أبو مازن يتمتع بحكمة كبيرة، وهذه
الحكمة تُدرَّس.. لكن ثمة أسئلة ينبغي طرحها:
هل فعلا هذه المبادرة تخدم العملية التربوية؟ أم تخدم وزير
التربية؟
هل مثل هذه الكتيبات تعزز الثقافة الوطنية؟ أم تعزز ثقافة
التبعية والولاء؟
هل تؤسس لعقلية نقدية، وتحث على التفكير، والبحث، والتقصي،
والإبداع (كما ينبغي أن يكون هدف التربية والتعليم)؟ أم تؤسس لعقلية تسحيج ومبايعة
وطاعة وانقياد؟
هل تؤدي إلى إنتاج جيل وطني حر؟ أم تساهم في صناعة
الدكتاتورية؟
إذا شاعت مثل هذه الوسائل، بماذا سنختلف عن الأنظمة
الشمولية والمستبدة؟
ليست المشكلة في محتوى الكتيب، فالرئيس عباس لديه مؤلفات
عديدة، ومهمة، عن إسرائيل والصهيونية والنازية كتبها أثناء تحضير اطروحته للدكتوراه..
وكتب عن العملية السلمية، وعن الصراع العربي الصهيوني.. ومن حق أي باحث أن ينشر
كتابا حول فكر ومواقف الرئيس وعن سيرته الذاتية.. وأن يطرحه في المكتبات، مثل أي
كتاب آخر.. ولكن أن تقوم وزارة التربية بطرحه مقررا في المدارس فهذا شيء خطير جدا،
ومن شأنه ترسيخ عقلية تقديس الأشخاص..
أوافق أن تتضمن المناهج المدرسية عرض مواقف وسرد سيرة شخصية
لقادة فلسطينيين، إذ يتوجب على أجيالنا معرفة عز الدين القسام، وعبد القادر
الحسيني، وياسر عرفات، وجورج حبش، وأحمد ياسين، وصلاح خلف، وخليل الوزير، وغيرهم..
ولكن دون تقديس.. ويتوجب أيضا تدريس أفكار ونتاج شخصيات فلسطينية من الوسط الأدبي
والثقافي والعلمي.. إدوارد سعيد، محمود درويش، غسان كنفاني، هشام شرابي.. وعشرات
غيرهم.. ولكن على أن يتم ذلك بطريقة نقدية، تتيح طرح الأسئلة، وتعرض الجوانب
المختلفة والمتناقضة في شخصياتهم وأطروحاتهم..
هكذا نؤسس عقلية نقدية، ونعود الطلبة على حرية التعبير، دون
خوف ولا خجل، ونعلمهم منهج البحث العلمي، والتفكير المنطقي، وكيف يعترضون، وكيف
يقيّمون الآخرين ومواقفهم دون تهجم وافتراء، ودون تبجيل وتأليه.. وهذا شرط أساسي
لبناء جيل حر متعلم قادر على التغيير، وصناعة المستقبل..
ما زلنا نأمل خيرا بهذه الحكومة الجديدة، وأن تصوب هذا
الخطأ (الفضيحة) قبل فوات الأوان.. وما زلنا نأمل من وزارة التربية أن تهتم بإدخال
الموسيقى والمسرح والفنون بأنواعها إلى المناهج التعليمية، وأن تهتم أكثر
بالرياضة، وبدعم المواهب، وتشجيع إنشاء نوادي أدبية ومسابقات ثقافية، وتشجيع
المطالعة الحرة.. وزيادة النشاطات اللامنهجية التي تحفز التفكير العقلاني الحر،
وتطلق المبادرات، وتستخرج الطاقات المكبوتة لدى الطلبة.. ونأمل منها تنقية المناهج
من العبارات الطائفية والرجعية والسلفية.. بدلا من هذا الهراء..
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق