أهلا بكم

على هذه الصفحة نثير التساؤلات ،، ونفكر ،، ولا نعرف حدوداً للتوقف

آخر الأخبار

أغسطس 03، 2018

الطوفان



جلس "جوا" في ظل شجرة البلوط الباسقة، يلتقط أنفاسه ويمسح بخرقة عن وجهه وعنقه ما تصبب من عرق، ويتأمل ما أنجزه من بناء، ثم نادى على بنتيه "تينا" و"زليفة" والشبان الثلاثة الذي يعانوه، "جدعون"، "حزقون"، و"نابت".. تعالوا يا أبنائي تفيئوا بعض الظل، لا بد أن التعب قد نال منكم..
وبينما هم جلوس، يحتسون نقيع البابونج، ويتجادلون في الأخشاب، وصلابتها، وصعوبة نشرها، مـرَّ عليهم رجل غريب، حياهم، فحيوه، وبادرهم بالسؤال: ما هذا البناء الجميل؟ أتراه منزلكم الجديد، أم هو بيت للرب "ناندي" إله المطر والصواعق؟
صمت الجميع هنيهة، ثم أشاروا برؤوسهم بحركة تلقائية نحو معلمهم "جوا"، فأجابه بهدوء: لا هذا ولا ذاك؛ إنها سفينة..

-  سفينة؟!! هنا وسط البراري!! ما حاجتكم لسفينة؟
-  لتحمينا من الطوفان..
-  طوفان؟! في هذا الوقت من السنة! والسماء قائظة، شحيحة الغيوم!
- إنها قصة طويلة يا بني، إجلس لأحكي لك ما أثار تعجبك..
أشار "جوا" لبنتيه وعمّاله الثلاثة للإنصراف، والعودة للعمل، فيما طلب من الغريب أن يجلس قبالته ليقص عليه القصة..
عدّل "جوا" جلسته، وانتقل إلى حيث أرخت الشجرة ظلها، أخذ تنهيدة عميقة، وعينيه شاردتان نحو الأفق البعيد، وبصوت خفيض أقرب للبوح: أي بني؛ إني كما ترى رجل كهل، وقد تساقط شعري منذ سنين بعيدة، بعد أن أكله الشيب.. وقد رأيت من هذي الدنيا العجب العجاب.. عشت راضيا ردحا من عمري، أدعو قومي للخير، وعمل الصواب، لكنهم لم يسمعوا لي، بل أهانوني، ونبذوني، وكفروا بي.. وقد دعوت إلهنا الأعظم "ناندي" أن ينتقم منهم، وقد وعدني بذلك، وطلب مني أن أبني هذه السفينة..
ظل الغريب صامتا، يستمع بفضول لقصة هذا العجوز، وفي الأثناء باغته بسؤال: ولكني لا أرى زوجتك تعاونك في البناء!!
- زوجتي! تلك اللعينة الساقطة، إنها لا تكتفي بتكذيبي، بل تحـرّض القوم عليّ..
- يبدو أن العلاقة بينكما ليست بأفضل حالاتها؟
- هذا صحيح، وأزيدك من الشعر بيتا.. زوجتى تخونني.. ربما نامت مع معظم شبان البلدة..
لم يثر هذا الاعتراف المباشر استهجان الغريب، حتى أنه لم يحرك ساكنا، وظل وجهه كما هو.. ويبدو أن قضية الجنس في ذلك الزمن الغابر لم تكن على هذا النحو من التعقيد، وربما كانت مستباحة ومقبولة إلى حد ما.. لكن الغريب، فاجأه بسؤال آخر: طيب، فأين أولادك إذن؟! هل هم هؤلاء الشبان؟
- كلا.. هؤلاء رهطي، وحدهم من صدّق بي، وتبعني.. أولادي أيضا لا يصدقونني.. خبّرتهم عن أمر الطوفان، خوفتهم منه، ولم يتاثروا.. قالو بسخرية: حتى لو أتى الطوفان، سنصعد إلى أعلى الجبل، حيث لا يصل الماء، حتى لو دام المطر شهرا كاملا..
بدأ الغريب يشكك في قصة العجوز، وأخذ ينظر إليه بإشفاق، بين مصدق ومكذب، وهو مسترسل في قَصِّ حكايته، والشكوى من سوء أخلاق قومه، وتكبرهم عليه، وطغيانهم، وإساءاتهم المتكررة بحقه.. وفي هذا الأثناء استرق الغريب نظرة نحو "تينا" ابنته الصغرى، وهي تمسك طرف ثوبها بفمها، وقد أحاطت به كومة حطب، فبان فخذيها ببريق أخاذ، ما جعل عينيه تتسعان بنظرة شبقة..
تنبه العجوز "جوا" لنظرات الشاب الغريب الشهوانية، فخطرت له فكرة على الفور.. وبصوت هامس:
- ما قولك بأن تنضم إلينا؟ تعاوننا في بناء السفينة، وإذا فرغنا من بنائها زوجتك إحدى ابنتي؟
لاقت لفكرة استحسان الغريب، فأومأ بالموافقة دون تردد.. فماذا يريد أفضل من هذا العرض: عملٌ، ومبيت في أرض غريبة، لا أهل له فيها ولا أقرباء، وفوق هذا زوجة جميلة، فاتنة القوام..
كان العم "جوا" قد أعطى وعد الزواج من بنتيه للشبان الثلاثة، كلٌ على حدة، ولا يدري كيف سيتدبر الأمر، وها هي المشكلة قد تعقدت أكثر، إذ صاروا أربعة شبان لبنتين، ولن يقبل أحدهم بالشراكة، ولا بالتنازل.. ظل يقول في نفسه: لننتظر ونرى.. بعد أن ننهي بناء السفينة إما أن يموت أحدهم من تلقاء نفسه، أو يقتل أحدهم الآخر.. وإذا لم يحصل ذلك، سأقنعهم بتأجيل الموضوع ريثما ينقضي الطوفان، حينئذ سيكونون ممتنين لي بأني أنقذت حياتهم، وحينها سنجد حلا ما..
كان "جوا" طيب القلب، صبورا، بيد أنه صار نزقا في سنواته الأخيرة، ورغم تقدمه بالسن صحيح البدن، نشيطا، لا يشكو من علة.. لحيته طويلة جدا، شديدة البياض، نظراته ثاقبة، تنم عن حكمة ورزانة، محياه، ونبرة صوته، وطريقته في الكلام توحي بأنه أحد الأنبياء، وقد اعتاد أن يصحو باكرا مع أول خيوط الشمس، يتجول بين الحقول، يأكل من حشاش الأرض وخيراتها.. أحفاده كانوا يقولون إنه بلغ المائة وخمسين من عمره.. فيما أكد آخرون أنه تجاوز المائتين.. ورغم هدوئه ووقاره الظاهرين، إلا أن الأولاد كان يزدرونه، ويرمون عليه الحصى، ربما بتحريض من أهاليهم..
منذ سنتين وأكثر، والعمل في بناء السفينة متواصلا.. لكنه يمشي ببطء شديد، فهي عملية مضنية ومعقدة، تبدأ باختيار الأشجار الضخمة، وقص جذوعها، ونشرها على شكل ألواح، وربطها معا بإحكام، وتثبيتها بالأسافين، ثم طلائها بالقطران من الداخل والخارج، والتأكد من عدم وجود ثقوب، أو مسافات بين الألواح، مهما كانت صغيرة.. وبعد ذلك بناء حجرات معزولة..
كل يوم تقريبا، و"جوا" يراوده نفس الحلم: بروق وصواعق مخيفة، أمطار غزيرة تتواصل شهرين كاملين، حتى تتفجر كل الينابيع، وتفيض الأنهر، وترتفع البحار والمحيطات ستون ذراعا، حتى تغمر المياه كل الأرض، فلا يبقَ فيها إنس ولا جان، ولا شجرة، ولا ماعز، ولا طير، ولا كائن يمشي على رجليه، أو يزحف على بطنه.. لا ينجو أحد سوى ركاب السفينة..
يصحو "جوا" مفزوعا متعرقا، يرفع أكفه نحو السماء، ويطلب من إلهه "ناندي" أن يضمن سلامته وسلامة أسرته الصغيرة، ويقص ما رآه في المنام على بنتيه، يعيد سرد القصة مرارا وتكرارا بنفس الأسلوب، كمن يقرأ خطابا جاهزا.. فتشير عليه "زليفة" بأن يحمل معهم في السفينة بعض الماشية والدواجن، والكثير من المؤن والحبوب، فبعد أن ينتهي الطوفان، وتعود الأرض لسابق عهدها لن يجدوا ما يأكلوه؛ فيموتون جوعا، بعد نجاتهم من الغرق.. والأهم من ذلك، لن يبقَ أحدا يعبد "ناندي".. سيظل إلها تافها متروكا بمفرده ،كذكرى بائسة يريد الكل نسيانها..
في كل يوم يجول "جوا" شوارع البلدة، ويطرق أبواب بيوتها.. يحدثهم عن حلمه، وما يحدق بهم من مخاطر إن عصوه، ينذرهم بالطوفان.. لكنهم يشيحون بوجوههم عنه، ومن كثر ما سمعوا بالقصة صارت لهم مثل نكته، يتندرون بها.. فيزيد سخطه عليهم، وتزداد العداوة والبغضاء بينهما.. إلى أن يطلب من الرب "ناندي" بأن يهلكهم كلهم.. دون رأفة..
بعد أن أكمل "جوا" بناء السفينة، واطمئن إليها.. وكان الشتاء على الأبواب.. أمضى قرابة الشهرين في جمع الحبوب والبقول وبعض الفاكهة المجففة، وكميات من اللحم المقدد، ثم جلب دجاجاته الثلاثة وديكا، وبطتين، وخاروفين وتيس، وبقرتين وثور، وزوجين من الحمام الزاجل، وثلاثة من الأوز، وقطتين وكلب، وسلحفاة صغيرة، وجحش وإتان، وحشرهما جميعا في ثلاث حجرات صغيرة، وكدس في حجرة رابعة كميات من الحشائش والأعلاف.. وأبقى على أربع حجرات له، ولبنتيه، وللشبان الأربعة، وحجرة أخرى للمؤونة.. أما الحجرة الأخيرة فخصصها لتمثال خشبي بديع وضخم للإله "ناندي"..
تلبدت السماء بالغيوم الداكنة، وبدأ المطر ينهمر غزيرا سخيا.. صعدوا جميعا للسفينة، وقد أخذت الرياح تشتد على نحو مجنون، فقال "جوا" بما يشبه النذير: منذ الساعة، سيغلق الرب "ناندي" كل منافذ الوادي، لن يسمح لأحد بالهروب، سيغمرهم الطوفان.. سيموتون جميعا بسبب عنادهم، لقد غضب الرب "ناندي" عليهم، فالأرض فسدت، وانتشرت المعاصي.. ولم يعد قادرا على تحمّلهم، أو تقبل ذنوبهم.. سوف يهلكهم أجمعين..
تواصَل هطول المطر لأيام عديدة، لم يتوقف لحظة، أخذت الرياح العاتية تقتلع الأشجار، وتهدم البيوت، وتعصف بكل ما في طريقها، فيما تجرف المياه كل ما تذروه الرياح، أظلمت السماء واكفرهت، ولم يعد بالإمكان تمييز الليل عن النهار، لأسبوع كامل، لم تهدأ العاصفة، بل كانت في كل يوم تزداد جنونا وعنفا.. وسكان السفينة السبعة في حجراتهم قابعين، يرتعدون خوفا، كلما برقت السماء ودوى الرعد بصوته الرهيب، فلم يكونوا يتوقعون كل هذا العنف من الطبيعة.. وقد أيقنوا بأن كل من على اليابسة قد لقي حتفه، استبد بهم القلق والخوف، إذ بدأت المياه ترتفع من حولهم، حتى غطت نصف السفينة، علا صراخهم، حتى صار كالنحيب، فيما لم تتوقف الصبيتين عن البكاء والشهيق، و"جوا" يطمئنهم بأن الرب قد وعده بالنجاة، وأن السفينة سترتفع عن الأرض بمجرد أن ترتفع المياه أكثر، سينساب الماء من تحتها كهدير الشلال، ثم سيحملها بكل رفق، كما تحمل الأم رضيعها، وسنرسوا على بر الأمان، هذا وعد "ناندي"، الذي لا يخلف وعده..
لكن السفينة ظلت قابعة في مكانها، وركابها يزداد خوفهم، فأشاروا على "جوا" بأن يتخفف من أحمالها، فبسبب وزنها الزائد تعجز عن الارتفاع والطفو.. ومع الإلحاح وافق "جوا" على التخلص من بعض المؤونة الخاصة بالحيوانات، ومع تواصل الأمطار، قرروا التخلص من الجحش والإتان، لكن السفينة ظلت تراوح مكانها، فتخلصوا من الثور، ثم من البقرتين.. ثم من التيس، إلى أن تخلصوا من الخاروفين.. وظلت السفينة محلها تأبى أن تتزحزح..
في اليوم العاشر، كانت المياه قد وصلت أعلى السفينة، وبدأت بالتسرب من الأعلى، ثم مع الضغط، بدأت الألواح تتفكك عن بعضها.. إلى أن غمرتها المياه كليا..
في أقل من ربع ساعة، كان كل من في السفينة قد مات غرقا..
دخلت الأسماك من الفتحات الكثيرة، بدأت تلتهم الجثث الهزيلة، حتى أتت عليها، ولم يتبقَّ أمامها إلا تمثال الإله "ناندي"..

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق