أهلا بكم

على هذه الصفحة نثير التساؤلات ،، ونفكر ،، ولا نعرف حدوداً للتوقف

آخر الأخبار

حكمة اليوم

اشترك في القائمة البريدية

ادخل بريدك الالكتروني

ابحث

سبتمبر 22، 2016

حياة مؤجلة


اعتاد "نزار" وهو في صف التوجيهي أن يحمل كتاب المطالعة والنصوص ويصعد إلى سطح بيته، ويذرعه جيئة وذهابا مئات المرات.. قبل أن يحفظ قصيدة واحدة، أو يفهم نصا ما.. فقد كان يطيل في تأمله لمشهدين، الأول: منظر الجبل المقابل له، والذي يقع على بعد ميلين. وللأمانة ؛كان منظره بديعا، صفوف من أشجار الزيتون في ركنه الجنوبي، وأشجار لوز مبعثرة في وسطه.. أما جانبه الشمالي، والذي أتى في شكله أقرب للهضبة، فقد كان مزروعا بالبرسيم والشعير والقمح، بتداخل مثير بين مشتقات الأخضر والأصفر.. كان يزدان جمالا وتألقا كلما هبت عليه نسمة ريح؛ فتبدأ بتمشيط الحقول وهز الأشجار.. فيرتد صدى موسيقاها إلى القرية.. المشهد الثاني: "حسين" و"وداد".. وقصة عشقهما الصامتة..

من على السطح، كان "نزار" يتخذ زاوية مخفية، تعطيه مجالا لمراقبة جاره الذي يكبره بسنوات "حسين نمر"، دون أن يراه، وهو يقف وحيدا على شباكه وبجانبه مسجل ستيريو، غالبا ما كان يختار أغاني فريد الأطرش، أو أم كلثوم.. لا أحد يعرف ماذا كان يتأمل "حسين" لساعات متواصلة، لم يكن يتحدث لأحد، إذا أن هذا الركن القصي من القرية نادرا ما يمر به إنسان.. النافذة التي قبالته مباشرة والتي تعود لجيرانه "دار أبو بسام"، دائما شبه مغلقة، بستائر بنية كلحت من كثرة ما لسعتها الشمس...

لم يحتاج نزار سوى طلعة استكشافية واحدة ليكشف السر.. كانت "وداد" تتمدد على سريرها وتطفئ الأنوار، وتترك جزءاً صغيرا من شباكها مفتوحا.. ليتسلل منه صوت الأغنيات، ونظرات العاشق، وأحلامهما المؤجلة، وأحاديثهما الصامتة..

في سنوات الثمانينات كانت الدول الاشتراكية تستقبل سنويا ألوف الطلبة، وبتكلفة معقولة، لذلك كانت وجهة أغلبهم، خاصة الذين لم يُقبلوا في الجامعات الفلسطينية.. فما أن أنهى "نزار" سنة التوجيهي بمعدل متوسط، حتى غادر إلى رومانيا.. وهناك انقطعت أخباره لثلاثين سنة..

قبل رحيله بسنة واحدة، كان "حسين" قد فاتح أباه بموضوع خطبة جارتهم "وداد"، إلا أن رفضه هو وكل العائلة كان شديدا، ومصمما.. "هاي البنت سمعتها مش منيحة"، "ولو بتموت ما بنوافق على هالجيزة"... ألحَّ "حسين" في طلبه، وزاد عناد الأهل وتعنتهم.. حتى صارت بينهم قطيعة دامت لسنتين، إلى أن رضخ "حسين" أخيرا لقانون العائلة، وتزوج من بنت عمه "ميسر".. لكن عشقه القديم ظل مشتعلا..

لم يكمل "حسين" تعليمه، كانت لديهم مزرعة تدر عليهم دخلا معقولا، لكنه لم يكن يهتم بها كثيرا، فكان ينهي أعمال الحقل بعد شروق الشمس بساعات قليلة.. ثم يعود لشباكه وأغنياته وتأملاته، حتى ساعة متأخر من الليل.. كانت زوجته متطلبة، عصبية، مثل كثيرات من نساء القرية، لا تعرف من الحياة الزوجية سوى الطبخ وأعمال التنظيف.. أما حياتها الخاصة فلم تكن تتعدى حدود جلسات النميمة مع الجارات.. خاصة مع "أم سليم"..

"أم سليم"؛ كانت مصدر الحكايات في القرية، إليها تُنسب عشرات الشائعات، وكشفُ عشرات القصص، وفضح أبطالها.. لكنها في الواقع، لم تكن أكثر من "محطة تقوية للبث"؛ فقد كان أي واحد في القرية يؤلف قصة، أو يتصدى لتفسير ظاهرة.. وما عليه إلا أن يوصلها بأي طريقة لأم سليم، التي تتولى بدورها تعميمها، ونشرها، بعد إضافة لمساتها الخاصة، ووضع لزوم الحبكة والإثارة.. والناس تتسلى بحكاياتها، وتنتظرها بشغف..

كانت "أم سليم" هاجس "حسين" وكابوسه، كان يخشى أن تحس أو تسمع عن مشاعره تجاه جارته "وداد"، وربما أو أكيد أن "وداد" كانت تخشاها بنفس القدر.. ولهذا السبب ظلت قصة عشقهما صامتة، وسرية.. لم يجرؤ "حسين" على التفكير بموضوع طلاقه من "ميسر".. ولم يتقدم لخطبة "وداد" أحد، كما كانت تشيع "أم سليم".. لكن "وداد" أكدت أن كثيرين تقدموا لها، لكنها رفضت، وعزفت عن فكرة الزواج.. 

في العام الماضي عاد "نزار" من غيبته الطويلة.. رجل أعمال ناجح، اشترى منزلا في نابلس، لكنه حنَّ لقريته وذكرياته فيها.. وحين زارها في عطلة نهاية الأسبوع، توجه على الفور إلى سطح بيته القديم.. تذكر "حسين" و"وداد"، وشباكهما شبه المغلق.. ألقى نظرة على نفس المكان، ولشدة دهشته، وجدهما يجلسان بجانب بعضهما على طرف الشارع، ومن داخل المنزل كانت تنبعث أغنيات أم كلثوم، فيما كانت "وداد" تمسك سيجارتها، وتطلق زفرات من دخانها بصمت.. أحس أن الزمان عاد به ثلاثين سنة دفعة واحدة، أو إنه تجمد عند تلك اللحظة..

لم يتردد ثانية، فتوجه إليهما مبتسما، ألقى عليهما السلام، فردا عليه بترحاب ظاهر.. كانت آثار السنين بادية تماما على وجهيهما.. الشيب، التجاعيد، انحناء الظهر، الوهن.. تأمل وجه "وداد" وكانت هذه أول مرة يراها بهذا الوضوح، أيقن أنها كانت جميلة، وأن قوامها كان فاتنا.. لكنها الآن خسرت معظم معالم أنوثتها.. وهي اليوم في أواخر الستينات.. سحب كرسيا وجلس إلى جانب "حسين".. وبعد الأسئلة التقليدية عن أحوال البلد وأخباره في بلاد الغربة.. اقترب "نزار" منه وهمس في أذنه.. أقول مبروك؟ مبروك على إيش يا ابني!! رد عليه بصوت خافت: أظنك تزوجت أخيرا من جارتك "وداد"؟ أجابه بصوت يقطر حسرة: لا والله يا ابني.. من بعد ما توفت زوجتي "ميسر" قبل خمس سنين وأنا لم أعد أصلح للزواج..

في المساء، عاد "نزار" لزيارة جاره القديم "حسين"، وفي ذهنه تفاصيل غامضة، وأسئلة تلح في طلب الإجابة.. قال له: سأعترف لك بسر صغير.. أنا أعرف قصتكم.. وكنت أراقبكما وأنتما تتبادلان الحب بصمت من خلف الستائر.. وكنت أظن أنكما ستتزوجان.. وعندما رأيتكما صبيحة هذا اليوم تجلسان معا بحرية وبشكل علني، وتسمعان أم كلثوم بطرب واضح.. تأكدت من حبكما لبعض.. ولكني لم أفهم ما الذي يحدث!!

لمعت عيناه بتعجب، ثم استدرك وقال بصوت ينز بالأسى، مع تنهيدة طويلة: يا إبني هاي قصة طويلة.. وأنا فشلت فيها.. ولكني دفعت ثمن غالي.. دفعت عمري كله.. عشت زمني السابق بلا حياة.. كنت أرى حياتي الحقيقية مؤجلة، تنازلت عن كثير من الأشياء.. عشت حياتي كلها معذبا، وأنا أنتظر هذه اللحظة؟؟
-        أي لحظة؟!!

-        لحظة ما أصير ختيار، وتصير وداد ختيارة.. ونكعد جنب بعض بدون خوف، لا من أم سليم ولا من غيرها.. نكعد نسمع أم كلثوم، ونحب بعض بطريقتنا الخاصة.. لآخر يوم في حياتنا..  

0 التعليقات:

إرسال تعليق

الكاتب

م. عبد الغني سلامه

فلسطين

أحدث الادراجات

كاريكاتير اليوم

احصاءات العالم

احصاءات العالم

عدد الزوار