أهلا بكم

على هذه الصفحة نثير التساؤلات ،، ونفكر ،، ولا نعرف حدوداً للتوقف

آخر الأخبار

يونيو 10، 2015

كتيبة الجرمق الطلابية

"كتيبة الجرمق"، جُل أبنائها مثقفين ومتعلمين، مقاتلون لا يشق لهم غبار، ولا يعرفون الاستسلام، قال عنهم "أبو إياد": إنهم ضمير "فتح"، وكانت القيادة تستدعيهم للمهمات الصعبة، وفي أسخن المواقع، أما الأهالي فكانوا يستبشرون خيرا حين يعرفون أن من يسيطر على المنطقة هم أبناء الجرمق، لما عُرف عنهم من أخلاق ثورية. بعد انتهاء معركة الليطاني، قال رئيس اﻷركان الصهيوني "مردخاي غور": "إن الوحدات التي واجهتنا في بنت جبيل ومارون الراس تختلف عن جميع الوحدات التي واجهناها سابقاً". وبعد معركة الشقيف قال "شارون" بانكسار: "فقدنا خيرة ضباطنا وجنودنا" أما رئيس هيئة الأركان "رفائيل إيتان" فقد أدى التحية العسكرية للشهداء وهم مضرجون بدمائهم، اعترافا منه بشجاعتهم.


في ذكرى نكسة حزيران عرضت قناة الجزيرة الوثائقية فيلماً وثائقياً حمل عنوان "من السريّة إلى السرايا"، استعرض بشكل موجز تاريخ الكتيبة الطلابية (الجرمق) منذ نشأتها في بداية السبعينات وحتى تفككها في أواخر الثمانينات. وكما هو متوقع؛ فإن الفيلم عجز عن الإحاطة بالتجربة من كافة جوانبها، ولم يقُل كل ما يتوجب قوله؛ إذ أن ساعة واحدة لا تكفي لمقابلة كل الشخوص، ولتبيان كل الحقائق والأحداث التي شكلت تلك الظاهرة الاستثنائية في تاريخ الكفاح الفلسطيني، ومع ذلك فإن الفيلم نجح بتسليط الضوء على أهم المفاصل والحيثيات التي تعطي فكرة عامة. ونظراً لأهمية الموضوع؛ ولمزيد من التوسع وتقديم قراءة أوسع وأشمل، فقد قمت بمراجعة الحوار الذي أجراه كل من "إلياس خوري" رئيس تحرير "مجلة الدراسات الفلسطينية" ومدير تحريرها "ميشال نوفل" مع الأخ "معين الطاهر"، قائد الكتيبة، التي ستلعب دورا محوريا بالغ الأهمية في العقد الأهم والأكثر سخونة في تاريخ لبنان المعاصر، وهذا الحوار سيشكل المادة الأساسية للكتاب الذي سيحمل عنوان "حوار مع معين الطاهر". في هذا المقال سأقتبس بعضا مما قاله الأخ "معين".

من خلاصة القراءة، يمكن القول أن كتيبة الجرمق، أو السريّة الطلابية، لم تكن مجرد تجربة عسكرية متميزة؛ بل كانت ساحة لحوار عقلاني ناضج، تفاعلت فيها الأفكار والنظريات بين اليسار واليمين، وبين الوطنية والقومية والأممية. كما أنها لم تكن تجربة فلسطينية محضة؛ إذْ أنها ضمّت ناشطون لبنانيون وسوريون من جميع الطوائف والتيارات الفكرية، ومن جنسيات عربية وأجنبية مختلفة. وأهم ما ميزها إلى جانب الكفاءة العسكرية، الروح الانضباطية العالية، والإلتزام بأخلاق الثائر الإنسان.

عن البدايات الأولى يقول الأخ "معين": التحقتُ بـ "فتح" لأنها مثلت حركة المقاومة الأهم ضد الاحتلال الصهيوني، ولأنها  بحكم منهجها وبنيتها هي حركة الشعب الفلسطيني بجميع أطيافه وفئاته؛ تسمح للفرد، بغضّ النظر عن خلفيته الفكرية وعن اتجاهه الأيديولوجي، بالانتماء إليها، ما دام يؤمن بأن التناقض الرئيسي هو مع العدو الصهيوني.

ويضيف "معين": بعد معركة الكرامة التحقنا بقواعد الفدائيين في اﻷغوار تحسباً لتطور الهجوم، ثم أسّسنا في معسكرات اﻷشبال في إربد نواة للتنظيم الطلابي ضم نحو 300 طالب مدرب ومسلح، بقيادة الشاعر "خالد أبو خالد".

وعن الإرهاصات الفكرية والسياسية التي سبقت التجربة، يصف"معين" مرحلة ما بعد أحداث أيلول، وانتقال قوات الثورة  إلى لبنان، حيث دار جدل وحوار بين مجموعات كبيرة من مثقفي وكوادر فتح، ممن ينادون بضرورة تقييم ومراجعة تجربة الثورة في الأردن، ويحملون وجهة نظر نقدية تجاه القيادة، وتجاه العديد من المسلكيات والشعارات والسياسات التي مورست في تلك المرحلة، عُرفت هذه المجموعات باسم يسار "فتح".

 وحسب "معين"، فإن تلك النقاشات لم تؤدّ إلى نتيجة، إذ كانت حوارات يغلب عليها بشكل أساسي انتقاد القيادة من دون أي برامج عملية. أما عن نقطة التحول العملي لتأسيس الكتيبة، يقول "معين": في خضم تلك الحوارات قال "أبو حسن قاسم": "أريد أن أطلب شيئاً واحداً؛ أعطوني مجموعة واحدة ودعونا ننزلها دورية إلى الأرض المحتلة ونعمل شيئاً أساسياً هناك، وأنا أقول لكم إن كل الحديث الذي يشغلنا يصبح قابلاً للتطبيق". وبهذا القول بلور "أبو حسن قاسم" ومعه "سعد جرادات" و"مروان كيالي" و"نذير الأوبري" و"إدي زنانيري" و"علي أبو طوق" وعدداً آخر من الكوادر، بلوروا نظرية متماسكة عن العمل اليساري والثوري الفتحاوي تختلف جوهرياً عن اليسار الفتحاوي الذي راح يتجه في أغلبيته نحو الخط السوفياتي. وأصبح الحوار يدور مع مجموعة أضيق قليلاً في إطار التنظيم الطلابي الذي ضم أيضا "حمدي التميمي" و"محمود العالول"، وكذلك حالة حوارية مع "ناجي علوش" و"أبو داود" و"منير شفيق". وهذه كانت النواة الأساسية التي بدأت تتشكل حول تيار يمتلك برنامجاً كاملاً يعتمد أساساً على التنظيم الطلابي وجزء مهم من القطاع الغربي، وقوات العاصفة.

ويصف "معين" البيئة الفكرية التي حكمت توجهات القوى الوطنية في لبنان (قبل اندلاع الحرب الأهلية)، حيث كانت توجد نظريتان للعمل الوطني: الأولى تقوم على أساس الصراع الطبقي، والثانية تعطي الأولوية للنضال الوطني والتصدي للاعتداءات الإسرائيلية، جاعلة تناقضها المركزي مع العدو الصهيوني. ومن جهة ثانية كانت الحركة الوطنية اللبنانية، أو اليسار اللبناني، يشهدان في داخلهما تفاعلات كبيرة ناجمة عن نكسة حزيران 1967، على إثرها راحت مجموعات كبيرة من اليسار تترك منظماتها، وتنضم إلى "فتح". ونظرا للنزعة اليسارية الجديدة والمختلفة لهذه الحالة الطلابية الفتحاوية فقد انضمت إليها مجموعات يسارية عربية أخرى من ذوي الاتجاهات الماركسية المتأثرة بالماوية، الأمر الذي أوجد بُعداً فكرياً أيديولوجياً إضافياً لهذا التيار. وهكذا تحولت الكتيبة إلى نقطة استقطاب، ليس فقط للعرب، بل حتى للإيرانيين والأتراك وبعض اليساريين الغربيين. ومع ذلك، لم تكن ضمن أولويات الكتيبة قصة الإمبريالية والاشتراكية. كانت المسألة الأهم هي الحفاظ على استقلالية الثورة الفلسطينية بعيداً عن محاور الاستقطاب الدولي.

النقطة الأُخرى التي شكلت أرضية سياسية للكتيبة هي النتائج السياسية لحرب تشرين واحتمالات التسوية، إلى جانب الموقف الرافض لبرنامج النقاط العشر. وعن هذه النقطة يتحدث "معين": "في جامعة بيروت العربية كنا نسلط مكبرات الصوت في اتجاه مكتب أبو عمار الذي كان يبعد 50 متراً، ونظلُّ ننتقد ليلاً ونهاراً النقاط العشر ومشروع السلطة الوطنية، وفي آخر الليل يدعونا أبو عمار إلى الاجتماع فنتكلم ونختلف ونتفق، وينام أبو عمار بحراسة بنادق معارضيه.

في هذه الأثناء أُنشئ معسكر "مصياف" في سورية، ليكون معسكراً تثقيفياً وعسكرياً لإعادة تأهيل وتدريب التنظيم الطلابي ككل، ثم تحول إلى كتيبة، بعدما قرر عدد من الإخوة أن يتفرغوا كمقاتلين محترفين، بتشجيع من "سعد صايل" الذي أحاط الكتيبة برعايته وربطته بها علاقة حميمة. لكن بقي كل التنظيم السياسي والخط السياسي، سواء في الجامعات أو خارجها، بمثابة رديف لهذه الكتيبة المقاتلة.

على صعيد الإنجازات العسكرية، فقد قاتلت الكتيبة الطلابية بضراوة وشجاعة، وتصدت ببسالة لكافة الاجتياحات الإسرائيلية بدءأ من العرقوب والليطاني ومعركة الشقيف، وحتى اجتياح بيروت 1982، وأوقعت خسائر فادحة في صفوف الإسرائيليين، حيث أسقطت طائرة مروحية وطائرة "سكاي هوك"، وأسرت طيارها، كما أسرت ثمانية جنود إسرائيليين وبادلتهم في صفقتين: الأولى تحرر بموجبها كافة أسرى معتقل أنصار مع عدد محدود من أسرى الداخل، وفي الثانية (تمت مع القيادة العامة) تم تحرير 1150 أسيرا من السجون الإسرائيلية، كما نفذت الكتيبة العديد من العمليات الفدائية أشهرها عملية دلال المغربي، السافوي، الدبويا، ومحاولة تفجير مقر الكنيست، وغيرها العشرات. وفي انتفاضة الأقصى واصل عدد من كوادر الكتيبة مسيرة الكفاح المسلح، منهم "جهاد العمري" و"مروان زلوم" و"ميسرة" وغيرهم، وقاموا بتشكيل كتائب شهداء اﻷقصى في الضفة وغزة.

وفي أثناء الحرب اللبنانية، لعبت الكتيبة دورا مهما في حماية الثورة، والدفاع عن المخيمات (استشهد "سعد جرادات" في معركة البرجاوي، في محاولة لفك الحصار عن تل الزعتر، واستشهد "علي ابو طوق" دفاعا عن مخيمات شاتيلا وبرج البراجنة)، وقد حاولت تجنب التورط في الحرب الأهلية، إلا أنها كانت تجد نفسها مجبرة على الانخراط فيها، للدفاع عن النفس، فمثلا، يقول الأخ "معين": "كنا نقاتل حزب الكتائب دفاعاً عن مواقعنا ودفاعاً عن الثورة، وليس تحت شعار أن الطريق إلى فلسطين تمر بجونيه. وكنّا نرى أن شعار عزل الكتائب يؤدي إلى عزل المجتمع المسيحي وإلى تقسيم لبنان". ويضيف: "كان رأينا أنه يجب أن نتفادى المواجهة مع السوريين، باعتبار أن المشروع الأساسي للكتيبة هو إقامة قواعد ارتكاز داخل الأرض المحتلة، والتمركز في الجنوب اللبناني للتصدي للهجمات الإسرائيلية، ومنع أي انتشار لقوات سعد حداد".

 في الوقت الذي تورط فيه الجميع في مستنقع الحرب الأهلية، وارتكبوا الكثير من الأخطاء والجرائم، وبينما توحشت الكثير من الأطراف المتصارعة، وانقادت لغرائزها العدوانية؛ كانت الكتيبة الطلابية شيء مختلف تماما؛ كانت تقيم أفضل العلاقات مع الأهالي، وتركّز على قواعد السلوك الأخلاقي، وترفض أي إعتداء على الناس، وتحارب كل محاولات الاستقواء على السكان بالسلاح، بل أنها كانت تحارب العدو لأنه غازي ومعتدي، وليس لأنها تريد الانتقام منه، وقد اعتاد أبناء الكتيبة على القيام بمراجعات ومكاشفات دائمة، وعمليات نقد ذاتي جريئة، على قاعدة مكافحة الخطأ نفسه وليس المخطئ. وكان الفدائيون في استراحاتهم يتجمعون حول أحدهم وهو يعزف على آلته الموسيقية، أو يشدو بيرغوله، ويرددون من خلفه الأغاني الوطنية والإنسانية، حتى تُصقل نفسياتهم، وتُنقى من نزعات الانتقام والعنف المجرد، للتأكيد على أن الثورة ليست فقط بندقية ومقاتل، بقدر ما هي أغنية وقصيدة ولوحة وإبداع إنساني تدعو للتمسك بالحياة الحرة الكريمة.


حقا، كانت كتيبة الجرمق ضمير الثورة الفلسطينية، وفخرها ومجدها ... لشهدائها ومقاتليها أنحني احتراما وتقديرا.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق