أهلا بكم

على هذه الصفحة نثير التساؤلات ،، ونفكر ،، ولا نعرف حدوداً للتوقف

آخر الأخبار

فبراير 21، 2015

عوامل تغذية العنف والإرهاب


تابعنا بحزن بالغ، وقلق شديد الأنباء التي تحدثت عن لعبة مميتة، نفّذها أطفالٌ يمانيون قبل أيام بحرق طفلٍ آخر، بنفس أسلوب إحراق الشهيد الكساسبة، وربما تساءل كثيرون منا كيف حدث ذلك ؟ ومن المسؤول ؟ وفي سياق متصل نسأل أيضاً: ما الذي يغري الشبان للإنضمام إلى داعش وغيرها من الجماعات المتطرفة والعنيفة !؟ وهل تعودنا على مشاهد القتل والدم، ولم تعد تثير اشمئزازنا ودهشتنا وصدمتنا ؟!! 

في البحث عن إجابات، سنجد من بين الأسباب مناهج التعليم، التي تحرض على العنف بطرق مباشرة وغير مباشرة وتحت مسميات ودعاوى مختلفة. ثم تأتي الثقافة المجتمعية كثاني مصدر يغذي نزعات العنف في الفرد؛ إذْ أنها تُعلي من شأن الثأر والانتقام والقوة والشهادة، وتقلل من قيمة الحياة، بل وتحتقر معانيها الجميلة. وأيضا هناك الخطاب الديني السلفي المتشدد، الآخذ بالانتشار والهيمنة على المجتمع خاصة في المساجد، وهو خطاب عابس متزمت، يرفض الآخر ولا يكتفي بنبذه، بل يدعو للقضاء عليه .. لكن المصدر الأكثر انتشاراً وتأثيراً هو الإعلام، سواء الإعلام الحزبي والرسمي المليء بالشعارات ولغة الخطابة والتحريض، أم الإعلام الترفيهي، وربما يكون هذا هو المصدر الأهم والأكثر خطورة؛ فأي شخص قبل أن يبلغ الخامسة والعشرين من عمره يكون قد شاهد في البرامج والمسلسلات والأفلام الهوليودية أكثر من 500 حرب دامية، وما يقرب ال 200 ألف جريمة قتل، وحوالي 450 ألف "شلوت"، و800 ألف "بوكس"، ومليون "طوشة" تستخدم العنف اللفظي، وإذا أضفنا ألعاب الفيديو، التي صارت شغف الجيل الحالي، فنضرب الأرقام السابقة في عشرة على الأقل. (هذه الإحصاءات من عندي، ولكن أتحدى من يجدها خاطئة)، والسؤال: ماذا نتوقع بعد هذا الكم الهائل من المشاهد العنيفة !؟

والغريب (المتوقع) أن تقنيات الإعلام الحديثة استطاعت أن توجهنا بالطريقة التي تريدها، فمثلا قد نشاهد فيلما عنيفا، يموت فيه حوالي 30 ألف شخص، وتتهدم فيه بنايات تعادل مدينة متوسطة، وتتحطم سيارات يكفي ثمنها أن يعيش سكان أربعة مخيمات ثلاثة سنوات متتالية عيشة رغدة، ومع ذلك نظل نتابع بطل الفيلم وحبيبته، ونحبس أنفاسنا خوفا عليهما، ونرجو المخرج أن يضع نهاية سعيدة لهما، والبقية الله لا يردهم !! فضلا عن تمريرها لقطات عنصرية، قادرة ليس فقط على تكريس تفوق العنصر الأبيض والبطل الأمريكي الخارق؛ بل وأيضا على توليد شعور غامض بالدونية، ورغبة عميقة بالانتقام.

وسائل التواصل الاجتماعي وخاصة اليوتيوب، زادت الطين بلّة؛ فصار المراهقون والكبار يبحثون عن أفلام الإثارة (أفلام الجنس، الرعب، العنف) التي تجمعها قدرتها المدهشة على كسر المحرمات، وتحطيم التابو، ومحاكاة النزعات البدائية في الإنسان، وتلبية حاجاته الغرائزية، سواء الفطرية الطبيعية أم تلك الشاذة والمريضة. وخطورة هذا النوع من الإعلام أنه غير خاضع لأي سيطرة أو رقابة، وقد صار جزء من البزنس المربح، ووسيلة سهلة للشهرة والانتشار، وصارا سوقا رائجة للأيديولوجيات، وميدانا للتنافس والتسابق على جذب المشاهدين.

النتيجة الطبيعية لكل ما سبق أن كثيرا منا تعود على مشاهد القتل والقصف والدمار، حتى صارت مألوفة لديهم، وصاروا يبحثون عمّا هو أفظع وأشد قسوة، ثم صاروا يطالبون بجرعات أعلى من الترويع والإثارة، ومع نشرات الأخبار التي معظمها عن التفجيرات والحروب والاغتيالات والقصف وسقوط ضحايا ومشردين، الأمر الذي يولد مشاعر الإحباط والإحساس بالظلم، والرغبة الجامحة بالثأر ... وبذلك، تكون قد أطبقت حولنا دائرة من المحرضات على العنف، ما ينقصها فقط فرصة مواتية.

لا مخرج لنا من هذه الدائرة الشريرة، سوى تعميم ثقافة التسامح والتعايش، وإعلاء قيمة الحب والحياة والفرح، ونبذ التعصب والكراهية والأحقاد، وهذه مسألة ليست هينة، وتحتاج جهودا جبارة وسنوات طويلة حتى يحدث التغيير المنشود، ولكن لا بد من البدء، والمحاولة، قبل أن تحرقنا جميعا نيران العنف والكراهية.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق