أهلا بكم

على هذه الصفحة نثير التساؤلات ،، ونفكر ،، ولا نعرف حدوداً للتوقف

آخر الأخبار

حكمة اليوم

اشترك في القائمة البريدية

ادخل بريدك الالكتروني

ابحث

مارس 27، 2014

أسبوع في بلاد قوس قزح


إلى الشمال من بريتوريا، على بُعد ساعة بالسيارة بأقصى ما لديها من سرعة، نسلك طريقاً ترابياً متعرجاً يبدأ بفضاء مفتوح، سرعان ما تبتلعه الغابة على مدى خمسة أميال .. حتى نصل إلى بوابة حجرية واسعة، تخفي ورائها عالما آخر .. أسمه "مساكن الزيبـرا" .. أكواخ صغيرة وأخرى كبيرة مسقوفة بغطاء نباتي خاص، تحيط بساحة معشوبة يتوسطها موقد خشبي، بُنيت على الطراز الإفريقي، ولكن بمواصفات عصرية، وسط محمية طبيعية مترامية الأطراف.

لم يكن للمنتجع أية أسوار؛ إذ يراهن أصحابه على أن الحيوانات هي التي ستهرب من الإنسان، نظراً لسمعته السيئة، وسجله الحافل بجرائم قتل لا حصر لها، أغلبها بلا سبب، فقط لمجرد المتعة، وفي الحالات التي كان يمتنع فيها عن قتل الحيوانات، كان يأخذ صغارها، ويحكم عليها بالسجن المؤبد بتهمة أنها جميلة، ويريد أن يمتّع أطفاله بمنظرها ..

وصلنا بعيد الظهر، ذُهلنا بجمالية المشهد وعبقرية الطبيعة؛ بحيرة صغيرة تحيط بها سهول ضيقة، تنتهي بغابات مطيرة تكسو الجبال الممتدة على مدى النظر بتدرجات الأخضر والأصفر والبرتقالي، في عناق مدهش وتداخل أنيق بين ألوان الأرض والسماء، سيّما مع دنو الغروب، واختفاء الشمس وراء الأفق مخلفة ورائها سحب رمادية، تاركة المكان بأسره ليغرق في سكون الليل المطبق.

في الصباح الباكر، يلف المنطقة صمت كامل، لا يقطعه سوى أصوات طيور صغيرة تحلق فوق سماء البحيرة، ومواء القطط الكبيرة الآتي من أطراف الغابة .. جميع الكائنات تتأهب لاستقبال خيوط الشمس، لتحيك منها قصة يومها الجديد، أو لتعدَّ وجبتها من ضوئها .. نسمة لطيفة فيها أثر من برودة الفجر، تهبُّ علينا، تثير فينا قشعريرة صغيرة، سرعان ما تذوب مع حرارة الجو، ما أن تصعد الشمسُ درجة أخرى في سلم السماء .. نخرج من غرفنا واحدا تلو الآخر, نعبُّ من هواء الصبح الطازج، ونتنشق رائحة الأرض العذراء .. نتبادل الابتسامات بدون كلام، في يد كل واحد كاميرا، يصوب عدستها هنا أو هناك .. فأينما وليت وجهك فثمة منظر بديع .. يطلب منك تصويره .. بعضنا أخذ يتمشى على ضفة البحيرة، وبعضنا اختار رياضة الجري .. بدأنا بالهرولة مأخوذين بسحر المكان، حتى بلغنا أول الحقل، وكنا كلما اقتربنا من الحيوانات، هربت منا خائفة، حتى الكبيرة منها، وحدها الخيول البرية كانت تظل ترعى بهدوء وثقة، وإذا أرادت الركض، فإنها تفعل ذلك لأسباب مختلفة .. كانت تركض لأنها حرة، لأنها وُلدت في البراري المفتوحة .. تصهل بجنون، وتجوب السهول الفسيحة وهي تسابق الريح. الأيائل والظباء تتقافز من حولنا بخفّة حتى تخالها تكاد تطير .. الحمُر الوحشية وقطعان المو، وغزلان الجودو، والبافلو، والزرافات .. جميعها ترعى بنهم وشهية، تهيم في شتى الاتجاهات ..  لترسم لوحة الطبيعة الأجمل ..

أمضينا نحو أسبوع في عزلة تامة، منغمسين في أحضان الطبيعة البكر، بلا ضجيج، ولا تلوث، ولا مسؤوليات، متحررين قدر الإمكان من كل شيء .. كل واحد يجوب عالمه الخاص، مطلاً على أشواقه ،، وحنينه ،، وتأملاته .. هذه المرة لم تُتَح لنا فرصة التواصل مع السكان المحليين، مررنا من المدن مرور الكرام .. لكنها كانت فرصة لفهم البلد، أو لفهم أنفسنا قبل أي شيء .. أو لفهم العالم كله بطريقة جديدة ومختلفة؛ بالتأمل الصوفي، بالتخفف من كل القيود، بترك الطبيعة تأخذ مداها بانسياب وأناة، وأن تفعل بنا فعلها كما تشاء .. تجلي قلوبنا من كل ما تراكم فيها من كبت، وتخلّصنا من أدران المدينة، ومن ضغوطات الحياة، وتعيد إنتاجنا من جديد، وتشحننا بطاقة الأرض الإيجابية، وتملأ قلوبنا بالحب والإيمان .. واليقين .. ولكن باليقين الذي يسمح لنا بطرح كل الأسئلة بدون خوف .. 

وسط الأدغال وبين أعشاب السافانا، انطلقنا في رحلة "سفاري" في سيارة مكشوفة تجعلنا كما لو أننا جزءً متصلا بالطبيعة، برياحها التي تدهم صدورنا برقة، ورائحة التراب والمطر، وأصوات الكائنات وهي تعزف موسيقى الكون، على مدى ساعات عشنا روح مغامرة لا تُنسى.

في الليلة قبل الأخيرة، أقيم لنا حفل عشاء. على ضوء قمرٍ شبه مكتمل، وحول موقد الشواء، قدمتْ فرقة محلية ترتدي الزي التقليدي بألوانه الزاهية والغنية عرضا فنيا، على إيقاع الطبول ورقصات النار، والموسيقى الإفريقية التي تشلع القلوب، والأغنيات الفلكلورية التي تعكس تعدد ثقافات البلد وتنوع فنونه. كان الجميع مفعما بالروح الإفريقية، ويرقص بحماس، ولم يكن ممكنا التمييز بين الزولو والكوسا، أو بين الجماعات الهندية والبيض الإفريكانز .. ليس في هذه الحفلة وحسب؛ وبل وفي الشارع والمؤسسات وأمام القانون.

أتينا من عشرين دولة، وفي جعبتنا الكثير من الأسئلة والصور، ضمن حلقة نقاش خاصة عن الموارد الوراثية، وللإطلاع عن كثب على تجربة جنوب إفريقيا الفريدة من نوعها .. قبل أن تطأ أقدامنا أرض الرجاء الصالح، كانت لدى الكثير منا صورة مبهمة عن هذا البلد؛ مقترنة بزمن الأبارتهايد، أو بنمط الحياة الإفريقي، والذاكرة المثقلة بالحروب الأهلية، والفقر والمجاعات والانقلابات العسكرية التي ابتليت بها القارة السمراء .. لكن جنوب إفريقيا على خلاف بقية الأقطار الإفريقية، شيء مختلف تماما؛ بلدٌ منيع، ومستقر، ومتقدم، لا يقل تطورا عن أي بلد أوروبي، ويضاهي بجماله جنان الأرض وفردوسها المفقود، وهي على عكس شمال الأرض بفصول السنة، ذات مناخ معتدل، تمتنع فيها الأمطار طوال فصل الشتاء البارد، وتتساقط بنعومة طوال بقية العام.

وبالرغم أن الشعب أسقط نظام الفصل العنصري قبل عقدين من الزمان، وإلى غير رجعة، وأن البلاد تحولت للنظام الديمقراطي التعددي، إلا أن بعضاً من آثار العهد البائد ما زالت ماثلة في النفوس، وفي النظام الاقتصادي، وربما تحتاج جيلا أو جيلين حتى تتعافى تماما، ومع ذلك فهي تستحق بجدارة تسمية "بلاد قوس قزح"، لتنوعها المذهل وثرائها الفاحش بالثقافات والأعراق واللغات .. 

جنوب إفريقيا لم تكتفي بتقديم صورة مدهشة عن جمال الطبيعة واحترامها؛ فقد منحتنا درسا إنسانياً في التسامح والتطلع للمستقبل، ونبذ الكراهية والتعصب.


0 التعليقات:

إرسال تعليق

الكاتب

م. عبد الغني سلامه

فلسطين

أحدث الادراجات

كاريكاتير اليوم

احصاءات العالم

احصاءات العالم

عدد الزوار