أهلا بكم

على هذه الصفحة نثير التساؤلات ،، ونفكر ،، ولا نعرف حدوداً للتوقف

آخر الأخبار

حكمة اليوم

اشترك في القائمة البريدية

ادخل بريدك الالكتروني

ابحث

سبتمبر 08، 2013

تمرد على الظلم في غزة .. وجهة نظر


هنالك تباين كبير بين وجهتي النظر اللتان تقيّمان تجربة حماس في الحُكم: خطاب حماس يغلب عليه أسلوب الخطابة، واللغة الإنشائية، بينما تصريحات خصومها تسيطر عليها الأحكام المسبقة، وتلك الخطابات بهذه الطريقة تُبعد الناس عن الحقيقة؛ ولكنها تضعنا دفعة واحدة أمام السؤال الصعب: هل نجحت حماس أم أخفقت في حكمها ؟ وبالطبع، من الصعوبة اختزال الإجابة بكلمة واحدة: نعم أو لا. ذلك لأن الإجابة تعتمد على مفهومنا للنجاح، وعلى المعايير التي سنستخدمها في التقييم، وفي النهاية تبقَ الأحكام نسبية.
وعلى ضوء الإجابة على هذا السؤال؛ سنطرح سؤالنا الأهم: هل من ضرورة للتمرد على حكومة حماس ؟؟
منذ اليوم الأول لسيطرتها على غزة، سعت حماس للجمع بين ثنائيات متناقضة، فهي أرادت أن تُظهر نفسها كحركة مقاومة، وفي نفس الوقت كانت تسعى لدخول النادي الدولي وأن يعترف العالم بها، بكل ما يعني ذلك من مقتضيات العمل السياسي واشتراطاته الدولية. وأرادت تثبيت التهدئة، دون أن تُتهم بالتخلي عن المقاومة، وأن تفرض نظاما ينسجم مع أيديولوجيتها دون أن تُتهم بأنها تقيد الحريات العامة، وبأنها نظام استبدادي ثيوقراطي، وأرادت أن تقيم حكومة خالية من الفساد، ولكنها سعت لتوظيف الآلاف من عناصرها ومؤيديها .. وإلى غير ذلك من متناقضات يستحيل الجمع بينها.
ومنذ البداية، واجهت حماس مأزق العمل في سلطة تحت الاحتلال، أي في بيئة لا تملك فيها مفاتيح القرار الحقيقي، ولا إمكانية التغيير على الأرض؛ لذلك وقعت في سلسلة من الإرباكات والتناقضات، والإحراجات السياسية، وقد تجلّى ذلك في الخلط بين برنامج الحكومة وميثاق الحركة، ثم في العلاقة مع المجتمع الدولي، ودول الجوار، والتعامل اليومي المباشر مع إسرائيل، وعلاقتها بفصائل المقاومة ومع حركة فتح، ولم تستطع تنفيذ برنامجها الإصلاحي، كما تعرّض أداؤها الحكومي للعديد من الانتقادات.

فإذا كانت حماس قد برهنت أنها حركة مرنة، وقادرة على قراءة المتغيرات والتعامل معها ببراغماتية، وقادرة على الإدارة والحكم بطريقة فعالة، وبمستوى جيد من التنظيم والتطوير المؤسسي، وأنها فرضت حضورها في النظام السياسي الفلسطيني، واستطاعت الصمود رغم كل المعيقات. إلا أنه في المقابل ثَبُتَ أنه من غير الممكن عملياً المزج بين السلطة والمقاومة، وإن الفرضية التي بنَت عليها قيادة حماس قرارها دخول السلطة، عبّرت عن قصور في إدراك حجم التناقض الذي ينطوي عليه هذا القرار، أو عن مبالغة في تقدير استيعاب برنامج الحركة لهذه المعادلة شبه المستحيلة.

صحيح أن عهد حماس اتسم بفرض القانون والنظام، وتثبيت الأمن الداخلي؛ إلا أن ذلك تحقق على حساب الحريات العامة، فقد فرَضته حماس بأسلوب بوليسي قمعي، نشأ عنه نظام استبدادي. فلو استعرضنا الحالات الأمنية التي وقعت في غزة، سنجد أنها تعاملت معها بطريقة عنيفة، وقد انتهت معظمها بمذابح أو بمقتل وجرح مدنيين، أو بالقمع التعسفي، وبالتالي لا بد أن نتساءل: ما هو الفرق بين الحجج والذرائع التي قدمتها حماس لتبرير قيامها بعمليات القمع على هذا النحو العنيف، وبين الذرائع التي دأبت على تقديمها كل الأنظمة الديكتاتورية على مدار التاريخ ؟! أليست هي نفسها، حجة فرض الأمن والنظام ؟ ووصْف كل من يعارضها بالخائن والعميل، أو المجنون ؟! ألم تكن مأثرة "طالبان" "الوحيدة" هي ترسيخ الأمن ؟!
وقد تكون حماس نجحت بالفعل بالصمود كل هذه الفترة، بالرغم من الضربات التي كانت تتلقاها من كل صوب وحدب، ولكن طول البقاء ليس هو معيار النجاح، فنظام القذافي في ليبيا دام 42 سنة، وعندما سقط في النهاية، تكشّف عن مقدار الاحتقان الذي ظل مختزنا في صدور الناس كل هذه السنين.

من الممكن أن حماس نجحت فعلا في مجال الحكم، إلا أنه لا قيمة لنجاح الحكومة إداريا، إذا لم يكن الإنسان محور اهتمامها، وإذا وُظّفت الجماهير لخدمة الشعار، بل وجعلتها ضحية له، وإذا صارت القضية الوطنية برمتها في خدمة الحزب الحاكم، ورهينة بيده، وإذا فَقَد المواطن حقوقه، وبل وحياته في سبيل الحفاظ على هذه الحكومة، ولا قيمة لنجاح الحكومة، إذا كانت البطالة والفقر حالة ملازمة للمجتمع، وإذا شعر الناس أنهم في سجن كبير.

وإذا نجحت حماس كحزب يناضل من أجل أيديولوجيا معينة، ونجحت كحركة سياسية وصلت للسلطة وناضلت للحفاظ عليها، وبرهنت على تماسك بنيانها الداخلي، ونجحت كحكومة متمسّكة بخطابها السياسي حسب الثوابت التي أعلنتها، بالرغم من حجم الضغوطات الواقعة عليها. ولكن نموذجها هذا يشبه "بنجاحه" النماذج التي قدمتها كل الأحزاب الشمولية الحاكمة في العالم الثالث.

فهل هذا هو النجاح الذي كان ينتظره الشعب الفلسطيني (الذي انتخب حماس) !؟ أم هو النجاح الذي حرصت عليه حماس بعقلية ومنهج الحزب الحاكم الأوحد ؟! فهناك بون شاسع بين نجاح الحزب في الوصول للسلطة والبقاء فيها، وبين نجاحه في تحقيق أهداف الشعب العليا، والدفاع عن مصالحه الحيوية، وتمثيل قضيته الوطنية، وتأمين حياة كريمة لائقة له، تشرع أبوابها على المستقبل، وتتصالح مع المجتمع الدولي.

في عهد حماس شهدت الأوضاع الاقتصادية تدهورا وتراجعا على كافة المستويات، ولا يكفي هنا أن نحمّل "الحصار" كامل المسؤولية، فحماس بسياستها الأحادية وخطابها (المرفوض دوليا) كانت توفر الذريعة لإسرائيل لمواصلة حصارها، وبسبب الصراع على السلطة، فشلت كل من حماس وفتح في إيجاد آلية لفتح معبر رفح.
ومن ناحية أخرى، فقد تعرض السلم الأهلي في غزة للخطر أكثر من مرة، فإذا كانت الديمقراطية شرطا لازما لتحقيق السِّلم الأهلي لأي مجتمع، لأنها الإطار الوحيد القادر على احتواء المجتمع بكل تناقضاته واتجاهاته، بدون أن يقصي أحدٌ الآخر. فإن هذه الديمقراطية قد تم استبعادها من الحياة السياسية في غزة، لتُستبدل بنظام شبه ثيوقراطي ومستبد.

فقد غدت الديمقراطية هيكلا فارغا بلا مضمون، وتم التهرب من الانتخابات؛ ولم تسمح حماس بإجراء الانتخابات العامة، ولا حتى انتخابات البلديات ومجالس الطلبة والنقابات المهنية. كما تراجعت الحريات العامة، وتفاقم الفقر والبطالة ومعدلات الجريمة، ولم يتحقق أي نوع من الازدهار والتنمية. وفي النهاية لم تقدم حماس نموذجا للحكم الصالح.

وخلال فترة حكمها، وبسبب ممارساتها وفشل سياساتها، فقدت حماس الكثير من بريقها، وخسرت من شعبيتها، وظهرت العديد من المبادرات والحركات الاحتجاجية التي كانت تدعو لإنهاء سيطرتها على القطاع، آخرها ما سمي بحملة "تمرد على الظلم في غزة" وهي مبادرة شبابية واعدة، من المتوقع أن تتصاعد أكثر في الأيام المقبلة، إذا ما أحسنت التصرف، ولم تتحول إلى مناكفات حزبية.

يمكن فهم حملة تمرد على أنها رد فعل طبيعي على سبعة سنوات "عجاف" عاشها أهل غزة تحت حكم حماس، ولكن حتى تظل في إطار الاحتجاجات الجماهيرية المشروعة، وحتى تحقق نتائجها المرجوّة؛ على الحملة أن تركز على موضوع إنهاء الانقسام، واستعادة الوحدة الوطنية، والشراكة في الحكم دون إقصاء لأحد، والتركيز على عقد الانتخابات وإعادة الاعتبار للشعب، والتوجه ببرنامج وطني مقاوم يضع تصعيد المقاومة بكافة أشكالها على رأس سلم أولوياته.

وعلى فتح ألا تسقط خيار المصالحة الوطنية، وأن تبدأ بخطوات جادة لإصلاح منظمة التحرير، لتكون البيت الفلسطيني الذي يضم الجميع.

وعلى حماس أن تتوقف عن التعامل مع كل الانتقادات والحركات الاحتجاجية على أنها عدائية، وأنها مؤامرة خبيثة .. عليها أن تفتش عن مكامن الخلل في داخلها .. لأنها ستجد الكثير.

ومع كل ما سبق، من الظلم أن نحمّل حماس وحدها مسؤولية الحصار، والانقسام، وتدهور الأوضاع الاقتصادية، وتراجع مكانة القضية الفلسطينية، وتشويه صورة النضال الفلسطيني، وتراجع الديمقراطية، وتغييب مبدأ تداول السلطة .. فإذا كانت حماس تتحمل مسؤولية كبيرة عن كل ما تقدم، إلا أنه لا ينبغي تجاهل دور الاحتلال الإسرائيلي. وأيضاً، لا بد من تحميل حركة فتح جزء من المسؤولية، لضعفها وترهّلها، وفشلها في تقديم نموذج صالح في الحكم. 


0 التعليقات:

إرسال تعليق

الكاتب

م. عبد الغني سلامه

فلسطين

أحدث الادراجات

كاريكاتير اليوم

احصاءات العالم

احصاءات العالم

عدد الزوار