أهلا بكم

على هذه الصفحة نثير التساؤلات ،، ونفكر ،، ولا نعرف حدوداً للتوقف

آخر الأخبار

حكمة اليوم

اشترك في القائمة البريدية

ادخل بريدك الالكتروني

ابحث

ديسمبر 27، 2012

الناس العاديّون


-        كيف هي أحوالكم في الضفة الغربية ؟ نسمع عن أخبار الاجتياحات، نحن قلقون عليكم.
-        نحن بخير، والحمد لله، ولكن كيف حصلت على رقمي ؟؟
-        رأيت أخاك اليوم بعد صلاة الجمعة .. لا تتخيل كم أنا مشتاقٌ إليك، لا تكاد تغيب عن بالي ..
-        وأنت أيضا يا "شكري"، دوما في بالي .. سآتي هذا الصيف إلى عمّان .. لا بد أن أراك.
مضى عامان آخران على آخر مكالمة، لم أغادر رام الله منذ زمن طويل، كنت دائما أقول: على المرء أن يسافر مرة على الأقل كل عام، حتى لا يختنق .. لكن ظروفي لم تكن لتسمح .. وأخيرا، وقبل أن أختنق بقليل، جاءت الفرصة، وعبرتُ الجسر.
بعد يومين من لقاء الأهل، طرقتُ بابه، كان لقاء مؤثرا ودافئا .. جاء بعد فراق دام أكثر من عشرين سنة .. عرّفني على أولاده .. تذكّرنا الأصدقاء واحداً واحدا .. وعندما سألته عن "محمد كامل" أجاب بصوت ضعيف: لقد مات منذ سنتين .. كان يهم بركوب الحافلة، في وسط الطريق العام، جاءته جلطة، لم تمهله طويلا، ركبَ بدلا منها سيارة الإسعاف .. شعرتُ بالصدمة .. بلعتُ ريقي بصعوبة .. سنتين وهو ميت !! حتى أنني لم يتسنى لي أن أحزن !! يا لقسوة الفراق ..
ثم سألته عن "سيف"، قال هو بخير، لنتصل به .. بعد أقل من ساعة كان سيف بيننا .. قلت له البقية بحياتكم، صديقنا "محمد كامل" مات .. صدقني لم أعرف إلا للتو .. فتحَ "سيفٌ" فمه مستغربا، ثم قال بلهجة عصبية: متى مات ؟؟ قبل يومين كنا معاً، التقيته وسط البلد .. كان بصحة جيدة .. أصابنا الذهول .. حملقت بوجه "شكري" .. طلبت تفسيرا .. قال أنا متأكد مما قلت .. رد "سيف" بحسم ربما أنك خلطت بين "محمد" و"ناجح" .. "ناجح" هو الذي مات بنفس الظروف التي ذكرتها .. استدرك "شكري" الأمر .. قال فعلا .. حتى أيام المدرسة كنتُ أحيانا أخلط بينهما .. وبالقدر الذي حزنّا فيه على "ناجح" .. فرحنا بعودة "محمد" من الموت ..
قلت لهما: لمَ لا ندعو بقية الأصدقاء .. لنسهر سوية في أحد الأماكن .. نجدّد أيام الصبا .. بدت فكرة رائعة .. لكن "شكري" قال لي: أرجوك لا تخبر "محمد" بقصة موته .. ضحكنا .. قلت له ربما ..
تولى "سيف" الجوانب الفنية للدعوة، أما لماذا كان اللقاء في بيت "حسّان"، فهذا ما سيتضح لنا عندما يسرد علينا حكايته. وبالفعل، في نهاية الأسبوع، وعند مدخل بيته في "الرابية"؛ بدأ الأصدقاء يتوافدون .. كانت لحظات فريدة، عشت فيها متعة الاستكشاف .. يبدو أني بالقدر الذي أحب فيه استكشاف كل ما هو جديد وغريب، إلا أني مسكون بالحنين للماضي .. حتى وأنا أحملق بوجوههم وأستكشف التغيرات التي أحدثها الزمن فيها، كنت أرى صورهم كما كنا جميعا: تلاميذ اشقياء في مدرسة الوكالة في صويلح.
لثواني معدودات، استعدت الشريط المصور لوقائع تسعة سنوات متصلة عشناها معا في تلك المدرسة الضيقة، التي تحولت لبيت سكني، وأول ما برَقَ في ذاكرتي مشهد ما زلت أتذكره منذ أربعين عاما؛ حدث في اليوم الأول لدخولنا المدرسة في الصف الأول الابتدائي: كان ثلاثة أطفال يمسكون بأيدي بعضهم البعض ويهمّون بعبور الشارع المقابل للمدرسة تماما والمؤدي إلى "وادي السير"، جاءت سيارة شيفروليت عليها لوحة خليجية وصدمتهم معاً، ألقت بهم مسافة لا تقل عن العشرة أمتار .. عندما توقفوا عن التدحرج كانوا قد وصلوا أمامي مباشرة .. جاءت عيني في عين أحدهم .. استغربت أنه لا يبكي من ألم الصدمة .. عرفتُ حينها أن الموت المفاجئ لا يسبب الألم (للميت) .. وطالما تساءلت: لولا تلك الحادثة، هل سيكون أحدهم صديقنا الذي سندعوه على العشاء هذا المساء ؟؟ هل سيكون لأحدهم تأثير على حياتي بحيث أكون شخصا آخر يختلف عني الآن ؟!  
جلسنا معا على نفس الطاولة؛ عشرة أصدقاء قدامى، بعد فراق تجاوز العشرين عاما .. نظرتُ إليهم كما لو أنهم عينة عشوائية مأخوذة من المجتمع، كان مِنّا الأصلع، والقصير، والطويل، والشايب، بعضنا كان متورد الوجه نضرا، وبعضنا كان الزمن قد فعل أفاعيله بوجهه، لم يكن أحدنا بكرش واضح، وهذا يعني أن العينة غير ممثلة تماما، ولكن عندما تسمعون قصة كل واحد مِنّا ستشعرون أننا نمثل واقع المجتمع وتنوعه من نواحي أخرى.
ما أن رأيت "محمد كامل" حتى عانقته بقوة كما لو أنه بالفعل عائد من الموت، فقلت له مازحا: أهلا بالمرحوم .. استغرب من قولي هذا، فما كان مني إلا أن قصصت عليه القصة، أمام ضحكات وتعليقات الجميع الساخرة .. حتى "شكري" اشترك بالتعليق والضحك ..
بدأ كل واحد منا يسرد طرفة حصلت معه، وآخر يروي حكاية لم نكن نعلمها، وآخر يعترف بأحد الأسرار التي حيرتنا حينها، فيما يُذكّر آخرون بقصص اشتركنا فيها جميعا .. كانت ضحكاتنا تُسمع على بعد سبعة منازل .. والجميع يتسابق على الكلام .. هل هي جلسة تحشيش ؟ أم فرصة للهروب من الواقع ؟ أم هي اختبار لذة العيش في الماضي ؟؟ حيث لا توجد احتمالات ولا مخاطر .. فقط ذكريات .. هل هذا نوع من الوفاء للصداقة ؟ أم هي لحظات شوق مفعمة بالحنين للطفولة والبراءة ؟؟ أم هي عودة للزمن الجميل المخبأ في دواخلنا؟؟
تذكرنا قصة المعلم المتدرب (لم يتذكر أحد اسمه)، الذي فَرض علينا عقابا جماعيا، فقمنا في نهاية الدوام، بتقديم شكوى ضده لمدير المنطقة التعليمية، لا نعرف إذا كان قد أخذها على محمل الجد، أم لا .. المهم أنه كتب أسماءنا على ورقة .. في اليوم التالي، وأثناء الطابور الصباحي كان مدير المدرسة ينادي على أسمائنا واحداً واحدا .. وقفنا أمام الجميع، ولذهولنا بدأ بضربنا بعنف .. كان "محمد كامل" هو الذي قص علينا هذه الحادثة، ربما لأنه أمهرنا بسرد القصص؛ لذلك فقد تولى مهمة التذكير بكافة قصصنا المشتركة، ونحن نستمع إليه ونضحك .. لم تشهد جلسة مماثلة لأناسٍ آخرين هذا القدر من الضحك ..
كنا جميعا نذكر "عامر" ونذكره عندما أتى المدرسة في يوم شتائي قارص يرتدي بالطو نسائي، من المؤكد أنه لأمه، ولكنا لم نكن نعرف ما الذي دفعه لذلك، ولماذا رفض بشدة طلب الأستاذ "فوزي" له بأن يخلع معطفه ويعلقه على المشجب .. وحده "محمد" كان يعرف السبب، وسيفصح عنه الآن .. كان "عامر" أشدّنا فقرا، أو أنَّ حاله حال كثيرين منا؛ فقد كنا جميعا فقراء .. قبل يومٍ واحد غسلَتْ أم عامر كل ملابسه دفعة واحدة، (على أية حال هي ليست كثيرة)، وعلقتها على الحبل، في المساء هطل المطر وبللها، في الصباح لم يجد عامر ما يرتديه، اضطر أن يرتدي معطف أمه دون أن يكون تحته سوى شبّاح مهترئ وممزق ..
علَّقَ "خالد" على القصة قائلاً: ذكريات الفقر مثل حكايات ألف وليلة وليلة؛ لا تنتهي أبدا؛ أنا مثلا التقيت في بيت عزاء قبل فترة بالأستاذ عبد العزيز (أستاذ الرياضة)، قلت له: أتذكر حين استلمْتَني شهرا كاملا، وكنت تضربني كل حصة، إذا لم ارتدي بوت وملابس رياضية، قال نعم، قلت له: سأعترف لك لماذا وما الذي منعني من ذلك: كان أبي يعاني من خلع في كتفه الأيمن ومن آلام في أسفل ظهره، وكان متوقفا عن العمل منذ بداية السنة الدراسية، ولم يكن لدينا ترف طلب شيء كهذا، قلت لأبي دعني أخبر الأستاذ أنك عاجز عن العمل، وأنك لا تستطيع تأمين طلباتي، فكان يرد بحزم: لا .. قلْ له نسيت أو أي شيء آخر، لم يكن يعرف بقصة الضرب، وعندما عرف تحامل على نفسه وخرج للعمل يومان متتاليان، اشترى لي البوت وبدلة الرياضة، ثم أكمل سنته بين المستشفى والبيت لا يقوى على الحِراك .. قبل أن أكمل القصة كانت الدموع تغطي عيني الأستاذ ..
بعدها بدأت الاعترافات تنهمل على مسامعنا: مِنّا من قال أنه لم يكن يعرف أن الناس تبدّلُ ملابسها الداخلية كل يوم، وتشتري ملابس كاملة في كل فصل .. ومنّا من قال: "لم أكن أعلم أن الناس تأكل ثلاث وجبات يوميا إلا حين أكملت الصف التاسع". ومنا من قال أنه كان يتحايل على أمّـه ويرجوها أسبوعا كاملا  كي تقلي له بيضة .. يبدو أن البيض كان شيئا ثمينا، أو أننا كنا فقراء أكثر من اللزوم .. قال آخر: "أمي كانت تسمح لنا بقلي البيض في الأسبوع مرة (يوم الجمعة على الأغلب)، أما إذا تجرأ أحدنا وفكر بطلب قالب كيك، فعليه أن يناضل شهرا كاملا في سبيل ذلك" .. أكثرنا أكَّد أنه لم يكن يتقاضى من أهله مصروفه اليومي في معظم الأيام، وإذا أخذه فهو لا يتعدى ثلاثة قروش، بالكاد تشتري نصف ساندويش فلافل، أو حبتين علكة مخدات، أو حبة حلقوم مع قطعتين بسكويت .. بعضنا كان يحمل معه ساندويش سمنة بالسكر، أو معقود عنب، أو زيت وزعتر .. نتذكر كل هذه القصص عن الفقر والحرمان، ولكنا لا نتذكر بالضبط كيف كنا نصبر على الجوع .. كيف كنا نصل مدارسنا مشيا على الأقدام دون أن نتناول طعام الإفطار ..
وإذا كانت ذكرياتنا عن أيام المدرسة عند هذا المستوى من الفقر والعوز، ونحن نسكن مدينة، فكيف ستكون ذكريات من سكن المخيم، خاصة في سنوات الخمسينات والستينات !؟ كيف سيذكرون بيوت الصفيح، وصوت المطر على ألواح الزينكو، ودخوله غرف النوم غصبا عن ساكنيها، ووحل الطرق الضيقة، والجوع في زمن التشرد !!
أظهر "حسان" حرصا كبيرا على إكرام ضيوفه؛ فقد كان يقدم المشروبات بنفسه، ويكثر من التهليل والترحيب، ولم نتفاجأ بكرمه، ولا من قدرتنا العجيبة على إذابة جليد تراكم عبر سنوات طويلة خلال ثواني قليلة، إذْ بدأنا نتبادل المزاح والتعليقات الساخرة من اللحظة الأولى .. كان كل واحدٍ مِنّا يحسُّ أنَّ الزمن قد توقف عند تلك اللحظات، وأننا الآن منغمسين فيها حتى الثمالة ..
تذكّرنا كيف قمنا بتشكيل مجموعات (فدائية)، كل مجموعة أطلقت على نفسها اسما معينا (أبو الفداء، أبو الخناجر ..)، ذكّرنا "محمد كامل" كيف كانت مجموعتنا تصعد للجبل بعد الانتهاء من المدرسة للتدريب، وكيف كنا نصنع بنادق خشبية وأدوات قتالية بدائية، وكيف أحبط المدير خطتنا للهروب والتسلل إلى جنوب لبنان بعد أن وشى بنا "عيسى" لأننا رفضنا انضمامه إلينا، كان هذا عندما اجتاحت إسرائيل نهر الليطاني.
بدت لبعضنا ذكريات الطفولة، كما لو أنها حكايات سكان أحد الكواكب .. أو أنها مقتطعة من زمن آخر .. زمن سحيق لا يخصنا .. كان من المستحيل اختزالها، أو تذكرها كلها ..
اتفقنا أن يحكي كل واحد قصته، وأن يبدأ من لحظة فراقنا، بعد أن أنهينا التوجيهي قبل ربع قرن، وسلّمنا أنفسنا للأقدار .. وتوزعنا على مدن العالم .. قلنا، لنبدأ بقصة المضيف (حسّان)؛ ثم يتحدث الذي يليه .. وهكذا ..
حسان: بعد أن أنهيت الثانوية، درستُ في كلية المجتمع سنتين، وبعد التخرج عملتُ في مصنع بلاستيك محاسباً لمدة أربعة سنوات، كنت أتقاضى أجرا شهريا لا يتعدى المائة وخمسون دينار، طلبت منهم زيادة على الراتب؛ فرفض صاحب المصنع، وبما أني كنت قد تعلمت أسس الصنعة وأسرارها؛ فقررت أن أفتتح معملا بلاستيكيا على حسابي، كان في البداية بسيطا جدا، مجرد غرفة وفيها بعض الأدوات الأساسية، ثم صار مصنعا، وبدأتُ أصدّر للخارج، وفي غضون سنوات صرت من رجال الأعمال .. اليوم وبتوفيق من الله أكملت المليون الرابع ..
فرِحْنا لقصة النجاح التي أحرزها "حسان"، مثل فرح جمهور المشجعين حين يحرز ناديهم المفضل بطولة الدوري؛ فكل واحد مِنّا أحس أن نجاح "حسان" هو نجاح لمدرسة الوكالة التي تمثلنا بشكل أو بآخر .. لم نستغرب أن "حسان" كوَّنَ ثروة؛ فقد كان منذ صغره يحب العمل .. فبينما كُنّا نتحرق شوقا لانتهاء اليوم الدراسي لنركض صاخبين في الملاعب؛ كان "حسان" بمجرد أن ينهي دوامه حتى يتجه للعمل .. كان يغيب عن المدرسة أحيانا حين تلوح له فرصة عمل معينة، حتى عندما كان في المرحلة الابتدائية؛ كان يعمل في بيع التين وأنواع أخرى من الفاكهة، وفي حمل الطوب والحجارة، لدرجة أن هذا العمل أثَّـر في عموده الفقري فيما بعد. هو الآن لا يستطيع المشي لأكثر من خمسين مترا، ولا يستطيع الجلوس بشكل متواصل لأكثر من ساعة .. ومع تفهمه لقيمة المال والأعمال .. ظلَّ مواظبا على سماع أم كلثوم، وهذا غريب بالنسبة لمليونير.
محمد كامل: قلتم عني "المرحوم" .. وأنا بالفعل ميت منذ زمن بعيد .. أو بمعنى آخر أنا لم أولد أصلاً .. لم أعش حياة عادية .. أيامي عبارة عن مسلسل "تركي" من المآسي والمعاناة .. ظلَّ عملي على وتيرة واحدة؛ موظف حكومي .. لكن مشاكلي كانت مع أخوتي؛ أختي "غادة" توفيت باكرا وتركت لنا رضيعها، لنضمّه للأسرة، أخي الأصغر مني عبد الله؛ منذ صِغره كان متطلبا ومتطرفا، ترك الإخوان المسلمين، لأنهم لم يلبوا طموحه، وكان يقول عنهم عملاء للنظام، ثم غاب في بلاد الأفغان خمس سنوات، عندما رجع قلنا سيعقل، لكنه عاد يجر احباطاته وخيباته، فانتمى لِ "جيش محمد"، حمّلته المخابرات مسؤولية مقتل مواطنين، فحُكم بالإعدام، ثم خُفّف إلى المؤبد، وبعد عشر سنوات نال عفوا ملكيا، وطوال فترة سجنه كان أبواي يواظبان على زيارته أسبوعيا، استنـزف كل قدراتنا، وصحتنا، ووقتنا .. وعندما خرج اعتقدنا أن مشاكلنا انتهت، ولم نكن نعلم أنها مجرد بداية لمرحلة جديدة من الألم والعذاب .. خرج من السجن معقّدا مكتئبا .. انزوى على نفسه، رفض أن يعمل، صار مزاجيا لدرجة لا تُطاق .. ثم ترك البيت من جديد، وتفرغ للدعوة .. وبين فينة وأخرى يأتي طالبا المال .. أبي يحتضر في المستشفى منذ شهرين .. هل تصدقون أنه لم يزره مرة واحدة !! عبد الله قضى على نفسه؛ بل قضى علينا جميعاً ..
ليث: أنا درستُ صحافة وإعلام، تخرجت من موسكو قبل أن تتلوث بالبيروسترويكا، عملت مصورا متجولا، أبيع الصور لوكالات الأنباء .. همت على وجهي في ربوع الأرض، رأيت الشمس فوق مدار الجدي، ورقصت في كرنفال الريو في البرازيل، وشربت حليب الخيل في منغوليا، وتهتُ في شوارع نيويورك، صورتُ ثلاثة أهداف لِ"رونالدو"، نمتُ في الطابق العلوي لكوكب الأرض: في جبال الهملايا، هربتُ من جاموس غاضب في تنزانيا، وركضت أمام الثيران في مدريد، شهدت الغروب على جبل فيجي، وشربت قهوة الصباح في إسطنبول، سُرقت مني حقيبتي في سدني، وركبت الموج في الكاب تاون، وأكلت أشهى الأسماك في ألاسكا، وأسوأها في دلهي .. ذقت طعم المغامرة .. لكني لم أتزوج، لم أسمع كلمة بابا، ليس لي بيت .. ليس هناك من لا أنام إذا لم أره، لأني مشتاق لرؤيته .. كثيرا ما يتلبسني شعور بالضياع .. شعور بالحنين لشيء غامض ..
رمضان: أنا لا أعرف إذا ما سأقوله يعتبر قصة أم لا !! منذ أنهيت التوجيهي عملت في محل أبي لبيع الأقمشة، أصحو مع والدي باكرا، ومع ذلك نؤجل قهوتنا وإفطارنا حتى نصل المحل، نبدأ بالبيع والشراء ومقابلة الزبائن، والمساومة على السعر، وتقليب البضائع .. وشرح ميزات كل صنف ..  تأتي سيدة ما، وتجعلني أقلب لها المحل رأسا على عقب، وفي النهاية تخرج دون أن تشتري، ودون أن تعتذر .. ولكنا اعتدنا على هذه النوعيات من الزبائن .. ننهي عملنا العاشرة مساء .. نعود للبيت منهكين متعبين .. نتناول العشاء .. وخلال أقل من نصف ساعة نغط في النوم .. مات أبي قبل خمس سنوات، من بعدها صرت لا أخرج من المحل إلا ما ندر، وحتى إذا خرجت أتوجه لفروعنا الأخرى .. فقد افتتحت فرعاً في حي نزال، وآخر في الوحدات، وأفكر حاليا بافتتاح فرع في الزرقاء .. الأقمشة هي عالمي، هي حياتي .. لا أعرف شيئا سواها .. لا أوجع رأسي بالأخبار، أشتري الصحف للاطلاع على المناقصات .. لا أشجع ناديا معينا، أحيانا افتح الراديو وأستمع لأي أغنية تأتي ..  وطالما أن التجارة ماشية ليس عندي أي مشكلة تؤرقني .. أولادي بعد تخرجهم من الجامعة سيعملون معي في المحل ..
سيف: أنا لم أتمكن من دخول الجامعة بسبب ضيق ذات اليد، ولكني عملت مباشرة في مطبعة الوحدة، التي تحولت إلى دار نشر وتوزيع، ثم بعد سنوات افتتحت لها معرضا للكتب .. في السنوات العشرة الأخيرة صرت مديرا للمكتبة، وصار لدي وقتا طويلا للقراءة، وهكذا وجدت نفسي في عالم الكتب والمجلات، لا ألتقي إلا مع الكتّاب والمفكرين والشعراء .... وبين يدي مكتبة كاملة .. بدأت بالروايات، وجدتها عالما آخرا .. أنّبني ضمير ديستوفيسكي، وشاركتُ همنغواي في صيده، وغرقتُ في عزلة ماركيز، وسكنتُ مدن الملح، وأبحرتُ مع حنّا مينة .. ثم قرأت العبرات والنزعات والمعالم والنسبية .. رجعت إلى بابل، ثم حلقت مع غاغارين، تجادلت مع الجاحظ، تغزلت بجواري الرشيد، خشعت مع تراتيل العابدين في التبت، وتكبيرات الحجيج في الحجاز، ودرست طقوس حضارات الأنديز، ورقصت في مسارح فينا، وأوبرا القاهرة، تابعت مهرجانات كان، وشممت الجوري في حواري دمشق .. اعتكفت طويلا، لكني اختلفت مع نفسي، وجدت نفسي أبحث عن شيء ناقص، سرقني الوقت .. لم أختبر الركض في شارع مشجّر .. لم أنتبه لجسدي المترهل .. كنت أنسى لون البُكلة على جدائل صغيرتي، لم ألحظ دفتر الرسم في حقيبتها .. لم أتعرف على أصدقاء ابني، ولم أعرف ما هي هواياته .. زوجتي تقول عني مجنون ..
زاهر: أنا كما تعلمون، تركتكم بعد الصف التاسع، حيث بدأت أخرج مع أبي للعمل؛ أعاونه في "الجبلة"، احضار الحجارة، خلع الأخشاب وتنظيفها من المسامير، ثم اشتغلت عامل بناء لسنوات .. ثم بدأت أتعلم بناء الطوب، والطوبار، بعد أن كبر أبي ولم يعد يخرج للعمل، ورثتُ عنه العدة، وصرت معلما، وكانت المدينة حينها في فورة بناء عجيبة .. كنت أعمل طوال الأسبوع .. صار لدي عمّال، وراحت أيام الشقاء والتعب.. بنيت بيتا لي .. وبيتا لكل واحد من أولادي .. لكني لم أسافر إلا للحج مرتين، لم أشارك في مظاهرة، لم أقرأ رواية واحدة، لم أشاهد مباراة، في الشتاء أعتكف أمام المدفأة؛ لأني أخاف من المطر .. لا أعرف إذا كنت سعيدا أم لا، لكني بعد أن أصلي العشاء أشعر براحة وسكينة تدفعني مباشرة للنوم ..
كنا نستمع لقصصنا، ونصغي لكل راوٍ باهتمام، لا أعرف إذا كنتُ متوهما أم لا، فقد بدى لي أنهم ينتظرون سماع قصتي باهتمام خاص، كانوا لا يطلبون تفاصيل معينة عند سماعهم قصص الآخرين .. حتى أنهم كانوا أحيانا يطالبون بالاختصار ..لكن عندما أتى دوري، قالوا نريد سماع كل التفاصيل .. لم يتسنى لي معرفة لماذا كانوا مهتمين بقصتي أكثر .. هل لأني الوحيد من بينهم الذي عاد للوطن ؟! والوحيد الذي خاض تجربة الاعتقال ؟!
قلت لهم باختصار شديد: قصتي هي حكايات الناس العاديين .. تلك الحكايات المخبأة تحت رمال الصحراء .. 

0 التعليقات:

إرسال تعليق

الكاتب

م. عبد الغني سلامه

فلسطين

أحدث الادراجات

كاريكاتير اليوم

احصاءات العالم

احصاءات العالم

عدد الزوار