أهلا بكم

على هذه الصفحة نثير التساؤلات ،، ونفكر ،، ولا نعرف حدوداً للتوقف

آخر الأخبار

حكمة اليوم

اشترك في القائمة البريدية

ادخل بريدك الالكتروني

ابحث

ديسمبر 23، 2012

يوميات أبو عماد


كان يقول عنهما الجيران "نصفي برتقالة"، إلا أنهما في حقيقة الأمر ليسا كذلك تماما؛ بالرغم أنهما تقاسما الهم والأحزان سنينا طويلة، قاسية .. أكلا خلالها المــر، وشربا البرد .. لكن حصّة كل واحد منهما كانت تختلف عن الثاني؛ كانت معاناة "سُعاد" على وتيرة واحدة، متشابهة؛ فقد ولدت نصف دزينة من الصبيان والبنات، ربتهم وسهرت عليهم، وصبرت على الجوع والحرمان. فيما تنوعت معاناة "أبو عماد" وتعددت أشكالها، ولكنه كان دوما يقول لزوجته: "والله إنك صبرت عليّ، وتحملت كثير يا أصيلة"، فتهز رأسها وتغرق في الصمت ..
لتسعة سنوات متواصلة، عمل أبو عماد سائقا على خط البلد - الهاشمي الشمالي، بسيارة مرسيدس 190، موديل 1964، بيضاء اللون. اعتاد في كل صباح أن يصلي الفجر، ثم يشرب مع أم عماد كاسة شاي دبل، وأحيانا يتناول كسرة خبز يغمسها في الزيت والزعتر، وقبل أن يخرج يتأكد من حمله كيس الفراطة، (قطع نقدية من فئة القرش والشلن والبريزة)، لأنه كان يجد حرجا عندما يعطيه أحد الركاب دينارا كاملا لدفع ثمانية قروش أجرة الراكب .. وكان يقول: "يا فتاح يا عليم، على هالصبح حدا اشتغل بدينار كامل !!".
أصابه "ديسك" في أسفل ظهره، و"رماتيزم" في ركبته اليسرى .. صار يخرج للعمل متثاقلا، وهو يقول: "إيمته الله بده يتوب علينا من هالشغلة ؟" .. في كل شهر يضطر لتبديل البريكات، فيقول له زملاؤه على الخط: "يا زلمة ركّب بريكات أصلية بتخدمك سنة .. أوفرلك"، فيجيب: "بعين الله، هو أنا لاقيها من المخالفات، والا من الترخيص، والا التأمين، والا مصاريف البيت ؟؟" ..
وأخيرا، صدر فرمان من دائرة السير، يمنع تجديد ترخيص سيارات المرسيدس 190، وعلى كل سائق أن يشتري سيارة جديدة. بدأت شركات السيارات تتسابق على تقديم العروض .. إلا أن أبو عماد كان قد قرر تغيير "الكار" كليا ..
اتفق مع جاره أبو سليم على أن تعد أم سليم كل يوم صينية هرايس، ويقوم هو ببيعها .. وشو الله بيقسم، عالنص .. وهكذا .. على الأقل يرتاح من مزاجية الركاب، وتعسف شرطة السير، الذين كان يقول لهم (في سـرّه طبعا): "تاركين كل قضايا الوطن، ومش لاقيين بطولات إلا في إعطائي مخالفة كل يومين ثلاث!!".
بعد فترة اكتشف أن الناس لا يشترون من بضاعته إلا في الفترة ما بين قبيل الظهر وحتى ساعات المساء، فقال لنفسه: "مزبوط، حدا بيجي على باله هرايس عَ الصبح !!" .. فتوصل لحل هو أن يبيع جرائد في ساعات الصباح الأولى، وبقية النهار هرايس. ثم أضاف: ولماذا لا أستفيد من ساعات المساء ؟؟ ولماذا أشارك دار أبو سليم في تعبي ؟؟
في تلك الليلة طلب من أم عماد أن تتعلم عمل الترمُس والبليلة والسحلب .. فهذه أكلات مطلوبة في أيام الشتاء .. وفي الصيف نفكر ما يمكن عمله .. وهكذا صار أبو عماد يعمل من أول الصباح حتى آخر الليل .. ويبيع كل فئة من المجتمع ما يلبي حاجتها ..
"يا أبو عماد، بنتك "هداية" صارلها ثلاثة أيام ما أكلت شي، عم تضعف، شوية شوية .. كمان سنة رح تختفي"، رد على زوجته بحسم: "هالمرة ما في مجال، لازم ناخذها عالدكتور". بعد أن كشَف عليها الطبيب، سألهم بلوم: "لماذا تأخرتم عليها كل هذه المدة؟" .. يسكت قليلا ثم يضيف: "على كل حال لازمها بعض التحليلات وصور الأشعة قبل ما أتأكد" .
في الزيارة الثانية، قال الطبيب: "حالتها تستدعي عدة عمليات، وعلاج طبيعي، وفرص نجاحها تتضاءل كلما تأخرتم، والأفضل أن تفكروا بعلاج فوري ومستمر، لأن التوقف يعني فشل العلاج"، ثم يضيف: "يعني الموضوع يكلف خمسة آلاف دينار على الأقل، عدى أجرة الطبيب وتكلفة العلاج الطبيعي، يعني لازم تدوروا على حل".
في أيام البرد، وحين يصير المطر شرسا، يتعذر عليه التجوال أو الوقوف تحت المطر، فيجلس أبو عماد مع عائلته، ويطل من شباك منزله في جبل التاج، فيرى عمّان بأكملها أمامه .. مفرودة مثل صينية هرايس .. تقطعها الشوارع والأزقة والأحياء .. يتذكرها عندما كانت صغيرة .. كانت تبتدئ من أول طلوع المصدار وتنتهي بعد سجن المحطة بقليل .. اليوم هي شيء مختلف تماما، لم يكن يخطر على باله أبدا .. كبرت عمّان وتضخمت .. منزله المتواضع صار أضيق، بنايات عمّان التي كانت لا تتجاوز بضعة طوابق صارت أبراجا شاهقة .. سقف منزله ما زال يندف كل شتاء، وهو عاجز عن إصلاحه .. المدينة تكبر وأحلامه تتضاءل .. المدينة تتطور .. وصغاره يكبرون وتزداد مصاريفهم .. المدينة تخنقه ..
حين كان شابا كان يشعر أن عمّان توأمه .. فهما من نفس الجيل .. لكنها خذلته، وغدرت به، وسبقته بكثير .. تركته وراءها .. عاريا .. خائفا .. هو الآن يحس أنه مجرد حجر مركون على جانب رصيف مهجور ..
المدينة على اتساعها، صارت ضيقة أكثر، لم يعد فيها حيزا لبَسْـطة أبو عماد !! موظفو الأمانة يلاحقون الباعة الجائلين .. يطاردونهم من رصيف لآخر، صادروا بضاعته أكثر من مرة، في المرة الأخيرة صادروا عربته بحمولتها .. عليه أن يدفع غرامة، أو يدبّر واسطة .. قال لزوجته: "الفقير اللي مثلي، لو عنده واسطة، أو معاه ثمن المخالفة .. كان ما اشتغل بيّاع بَسْـطة". ثم يضيف: "على كل حال، بطَّل حدا يقرأ جرايد، صار في شي اسمه النت، وبطَّل حدا ياكل هرايس وترمس وحكي فاضي .. في أنواع جديدة من الحلويات عمر أبوكِ ما سمع فيها"، يتنهد أبو عماد بحسرة ويقول: "هالشغلة ما عادت تجيب همّها"، ثم يقول بصوت خافت كما لو أنه يحدث نفسه: "لازم أدوّر على شغلة ثانية".
"هداية" تزداد ضمورا، وأبو عماد يخرج في كل صباح، ويتجه إلى ساحة الجامع الحسيني وسط البلد، ينتظر مع العمّال، وما أن تأتي سيارة بكب أب حتى يهجم عليها مع الهاجمين، ونظرا لكبر سنّه، لم يكن مرغوبا؛ فكان يعمل يوما ويعود خائبا بقية الأسبوع .. جرّب حظّه في مطعم شعبي في سقف السيل، كان عليه أن يقف طوال النهار على قدميه، يجلي الصحون والقدور .. مقابل خمسة دنانير في اليوم، على الأقل كان في بعض الأيام يعود آخر المساء وفي يده كيس يحتوي على بقايا طعام مما فاض عن حاجة الزبائن، بعد شهرين اكتشفه صاحب المطعم، اتهمه بالسرقة.
"هداية" يتهدّدها خطر الإعاقة الدائمة .. اشترى أبو عماد ورقة يانصيب، صار يمشي طوال اليوم، يجوب الشوارع في قاع المدينة، وفي ضواحيها .. يكلم نفسه، ويحلم .. لا يكتشف تعبه إلا حين يأوي للفراش مهدود الحيل، حلم بأشياء كثيرة ورائعة؛ فالفقراء أيضا يحلمون .. كانت أم عماد توقظه من حلمه في كل وقت: "حنفية المطبخ صارلها شهرين بتنقط، رامي بده بوت، رانيا بدها مريول جديد .. الصغيرة هداية حرارتها مرتفعة، والدوا اللي بتجيبه كل مرة ما عاد ينفع" .. فيجيبها (في سـرّه أيضا): "احنا الفقرا فش أهبل منا؛ عشان نوفر دينارين حق دوا منع الحمل بنخلف نص دزينة، وفي الآخر بمصوا دمنا وعافيتنا، ويا ريتهم بفلحوا".
كانت "هداية" جرحـهِ المفتوح، ووجعِهِ الذي لا ينتهي، لكنه كان يشعر بأسى خاص تجاه ابنه عماد؛ فقد أجبره على ترك المدرسة. كانت أم عماد تؤنبه باستمرار: "لا هو تعلم صنعة يستفيد منها لمستقبله، ولا هو أكمل تعليمه .. ويا دوب الأكم دينار اللي بروح فيهم آخر النهار تكفينا شي، وكمان عشان تكمل صار يدخّن".
بعد سنوات من الشقاء، بين البطالة والعمل المتقطع، أخيرا، وجد عملا معقولا في بناية قيد الإنشاء، حارس ليلي .. ليس عليه سوى الجلوس وحيدا والسهر حتى الصباح، مقابل مائتي دينار شهريا، وهو أجر زهيد جدا، في مدينة فاحشة قاسية، ولأسرة تكافح بضراوة لتعليم أبنائها، وعلاج "هداية". ولكنه مع ذلك كان راضيا بهذه الفرصة؛ فقد كان يمضي الليل وهو يحلم بورقة اليانصيب .. في الصباح يعود متعبا للبيت، فينام بضعة ساعات، ثم يصحو ظهرا، يخرج مع ابنه عماد يبحثان عن عمل .. عن فرصة .. عن أمل .. على الأقل عندما يخرجان يريحان البيت من عصبيتهما ونزقهما ..
لم يترك أحدا من معارفه، إلا وقصده، لكن المشكلة أن كل من يعرفهم ليسوا أفضل حالاً منه. أخيرا، وذات مساء بارد، جاء أحد أقرباء أبو عماد، لم يكن قريبا مباشرا، إنما من نفس البلد، طرق الباب بهدوء، سأل عن أبو عماد، قالت له رنا: أبي في الورشة، لكن أمي موجودة، تفضل .. دخل مبتسما، جلس على كرسي البلاستيك الوحيد، لم يشأ أن يضيع وقتا، فقال على الفور: "دبرتلكم واسطة؛ كرت تأمين صحي، بإمكانكم معالجة هداية في أحسن مستشفيات الحكومة، بالمجان، وأيضا عماد سيشتغل عندي، براتب ثلاثمائة دينار، ويمكنه استلام عمله من بكره الصبح".
كانت المفاجأة صادمة، لم تعرف أم عماد ماذا تقول، ظللت تردد: "الله يبارك فيك، الله يعطيك، الله يخلي أولادك ..." وصل سيارته، وأدار محركها، وأم عماد ما زالت تدعي، وتشكر .. وهي في حالة ذهول.
نادت على عماد: "اذهب فورا عند أبوك، خبّره، قل له أخيرا جاء الفرج، خلليه يفرح"، ثم تتراجع: " أقللك بس احكيله تعال بسرعة، أمي بدها إياك". أجاب عماد: "يا أمي ألا ترين المطر في الخارج، البرد يقص المسمار، انتظري للصباح، سيأتي هو بنفسه، وحينها قولي له ما تشائين" .. لم تعرف العائلة النوم في تلك الليلة ..
"الساعة صارت سبعة ونص وأبوك لسه ما إجا !! روح شوف ليش تأخر ؟؟ هاي أول مرة بعملها". شعر عماد بالقلق؛ لبسَ معطفه، وانطلق خارجا، لأول مرة يشعر بأن الطريق للورشة طويل .. وصل بعد نصف ساعة، دخل إلى الصالة في الطابق الأرضي، كانت أرضيتها مغطاة بقطع متناثرة من الأخشاب والمسامير والطوب وأكياس الإسمنت .. وكانت نيران الموقد مطفأة، والريح قد طيّرت ما فيها من رماد، صُدم عماد من المنظر، كتم صرخته وقد تجمد الدم في عروقه .. كان أبو عماد جالسا على طوبة فوقها كرتونة، وساندا ظهره للحائط .. عيناه مغلقتان، وعلى محيّاه بقايا ابتسامة غامضة .. كان جسده باردا تماما .. وفي يده ورقة يانصيب .. 

0 التعليقات:

إرسال تعليق

الكاتب

م. عبد الغني سلامه

فلسطين

أحدث الادراجات

كاريكاتير اليوم

احصاءات العالم

احصاءات العالم

عدد الزوار