أهلا بكم

على هذه الصفحة نثير التساؤلات ،، ونفكر ،، ولا نعرف حدوداً للتوقف

آخر الأخبار

حكمة اليوم

اشترك في القائمة البريدية

ادخل بريدك الالكتروني

ابحث

نوفمبر 13، 2012

كانَ وجْهُكِ ضَاحِكَ القَسَماتِ .. طَلْـقُ



الطفلة التي كانت تلبس فستانها الزهري، وتكلّم دميتها بمرح، وتقفز بصخب من غرفة إلى أخرى، وجدوا دميتها ممزقة، وعليها طبقة كثيفة من الغبار، ولم يجدوا من كانت تلاعبها قبل قليل.

الأم التي كانت تدغدغ خاصرة ابنتها بكل رقة؛ كي تصحو مبتسمة، ثم تجدّل ضفيرتها، وتتحايل عليها لشرب كوب الحليب، وقبل أن تخرج تتفقد علبة ألوانها ودفاتر الرسم والحساب .. صارت تصحو قبل الظهر بقليل، لتهرب من ذكريات الصباح مع طفلتها القتيلة.

الفتية الذين كانوا يركضون في زقاق ضيق خلف الكرة، وصراخهم يصل إلى أول الحي، لم يعد أحد يسمع صوتهم، فقد صار الزقاق كومة ركام، ولا يصلح حتى للمرور.

الصبيّة التي كانت تمنح نصف صباحها للمرآة، ونصف ظهيرتها للتسوق، ونصف مسائها للثرثرة، منحت كل أوقاتها للنوح، والبكاء على من فقدتهم فجأة، وعلى حياتها التي انقلبت رأسا على عقب.

والفتاة التي كانت تمشي على أطراف أصابعها باستحياء مصطنع، مزهوّة بفتيان الحي ونظراتهم، وتترقب تعليقا من شاب أسمر نحيل، ستمضي بقية حياتها على كرسي مدولب، هاربة من نظرات الشفقة.

العروس التي رفضت أن تتنازل لخطيبها عن فستانها وحفل زفافها، انكسرت أخيرا، وكتمت صرخاتها وبكت في أعماقها بكل حرقة، وهي ترى أمها تومئ بالموافقة على تزويجها من "ســتّيني" جاء للتضامن مع خِيام النازحين.

المرأة التي كانت في ميعة صباها تنام على أغنيات العندليب، وتصحو على صوت فيروز، ويحمر وجهها وتضطرب عندما تقرأ نزار قباني لإحساسها أنه يكلمها، وتحلم بكوخ في زاويته مدفأة، وأمامها زوج يشبه كاظم الساهر .. ها هي الآن تجلس العصارى وحيدة تحت جدار مهدم، ولا تسمع إلا دوي المدافع، وأخبار الموتى.

الأم التي اعتادت أن تسقي خمسين شتلة كل يوم، زرعتها في فناء الدار وعلى شرفاته، ثم تسقي زوج الكناري، ثم توقظ كنّتها الكسولة لتشرب معها قهوة الصباح معطرة بالرياحين .. وتقفل الباب خلف زوجها بعد أن تعدد له طلباتها من السوق .. صارت تعانقه كل صباح، وتودعه باكية، خائفة أن يكون هذا هو وداعه الأخير.

الآن وهناك في الشام، لا شيء كالمعتاد، ولا يوم يشبه الآخر، حتى الموتى لا يتشابهون .. راحت تلك الأيام التي كان يمكن تجميعها كذكريات وادعة، أشياء كثيرة اختفت: ضحكات الأطفال، سهرات العائلة، خلافات الأب مع أبنائه على اختيار القناة المفضلة، أغاني ميادة حناوي، الورد الدمشقي، آذان الفجر وهو يكسر صمت السَّحَر بنعومة ..

ذبلت الياسمينة، وشجرة الكرز .. وراح الذين نحبهم .. وانقلب المشهد .. رائحة الدم الممزوج بالتراب تعبق في كل مكان، باب الحارة تكسر، والقتل والانتقام صار المسلسل الوحيد الذي يمكن مشاهدته بالمجان، انهزم القمر مذعورا من وهج القذائف، وصمْتُ الليل مزقه عواء الذئاب، وتبدَّد ألف قطعة وقطعة ..

سورية التي تعرفونها موجوعة .. سورية التي تحبونها تتألم .. تبكي بصمت .. أسواق حلب، الجامع الأموي، المزة، بردى، بابا عمرو، الجبل والأرياف والضِّيَع، سهل حوران والغوطة .. المدارس والجوامع والكنائس، نواعير حماة .. قبر ابن الوليد، والأيوبي، والعظْمة والأطرش .. الناس الطيبون .. الأيام المخبأة في علب الوعود .. كلها تحتضر .. وعلى الهواء مباشرة ..
سبعة آلاف سنة تُذبح بدم بارد ..

وقلعة العروبة على وشك أن تصبح ضاحية من ضواحي قطر !!

والمدافعون عن الحياة يهتفون:

وللحرية الحمراء بابٌ .. بكل يدٍ مضرجة يُدقُّ
وسلامٌ عليكِ يا دمشقُ ..
سلامٌ عليكِ يا دمشقُ ..

0 التعليقات:

إرسال تعليق

الكاتب

م. عبد الغني سلامه

فلسطين

أحدث الادراجات

كاريكاتير اليوم

احصاءات العالم

احصاءات العالم

عدد الزوار