أهلا بكم

على هذه الصفحة نثير التساؤلات ،، ونفكر ،، ولا نعرف حدوداً للتوقف

آخر الأخبار

حكمة اليوم

اشترك في القائمة البريدية

ادخل بريدك الالكتروني

ابحث

فبراير 13، 2010

تطبيق الشريعة بين قيمة الإنسان وقيمة النص

في أيلول 1983، أعلن الرئيس السوداني الأسبق جعفر النميري قراراً بتطبيق الشريعة الإسلامية في عموم السودان ، وسواء كانت هذه الخطوة مجرد مكايدة سياسية للخصوم، أم كانت فتحا من فتوح الإسلام كما اعتبرها البعض، إلا أن أهميتها ستبرز أكثر في المراحل اللاحقة، حيث ظلت الشريعة الإسلامية من الثوابت السياسية السودانية طوال فترة الحكومات التي تعاقبت بعد سقوط النظام عام 1985، فعندما تولى حزب الأمة الحكم بزعامة الصادق المهدي أعلن أن دولته ملتزمة بالنهج الإسلامي، ولكن باستبدال "قوانين النميري" بقوانين ذات بعد ورؤية قومية، وفي عهد الرئيس عمر البشير الذي استلم الحكم في العام 1989 أخذت هذه القوانين زخما إضافيا ولكن بصبغة أيديولوجية.

وفي نيسان 2009 أقرّ البرلمان الصومالي بالإجماع قانون تطبيق الشريعة في الصومال والذي قدمته قوى المعارضة، حيث جاء هذا القرار استجابة لمطالبة الحزب الإسلامي الصومالي "المعارض" بإقرار الحكومة قانون تطبيق الشريعة كشرط من شروط بدء الحوار مع الحكومة الانتقالية التي يرأسها شريف شيخ أحمد.

وفي نفس الفترة أيضاً أقرّ الرئيس الباكستاني علي زرداي اتفاقية تطبيق الشريعة بوادي سوات والتي أبرمتها الحكومة المحلية مع حركة "طالبان باكستان" وجماعة "تطبيق الشريعة المحمدية" حيث تضمنت بنود الإتفاقية تطبيق نظام العقوبات في الإسلام في منطقة وادي سوات، وعلى إثر الإتفاقية المذكورة قامت حركة طالبان باكستان بإعلان وقف لإطلاق النار.

وفي نيجيريا تم تطبيق الشريعة الإسلامية في ولايات الشمال ذات الأغلبية المسلمة منذ تشرين أول 1999 على يد الحاج أحمد يرماساني ، وعلى أثر ذلك قدمت كل من السعودية والسودان الدعم والمساعدة في مجال المعلومات والإدارة للمحاكم الشرعية وفرض تدريس اللغة العربية على سكان الولايات، كما قدم بنك التنمية الإسلامي قرضًا بمقدار 500 مليون دولار.

ومنذ أن فرضت حركة حماس سيطرتها على قطاع غزة منفردة في صيف 2007، حتى بدأت الحركة بخطوات ممنهجة لأسلمة المجتمع من خلال فرض قوانين وتعليمات معينة أكثرها يتعلق بالحجاب وببعض السلوكيات، ومن الجدير بالذكر أن أعضاء المجلس التشريعي من حماس قبيل العدوان الإسرائيلي على القطاع كان قد صادقوا بالقراءة الثانية على قانون عقوبات منبثق من رؤية الحركة الأيديولوجية وتصورها لنظام الحكم .

وفي مصر والجزائر والأردن وبعض البلدان الإسلامية الأخرى تسعى الحركات الإسلامية بكل جهدها لفرض نظام حكم إسلامي من خلال إقامة دولة إسلامية، أو من خلال فرض تطبيق أحكام الشريعة على المجتمع، سواء من خلال المشاركة السياسية في النظام كدخول البرلمان والنقابات، أو من خلال العنف ومحاولة قلب النظام نفسه.

اليوم وبعد أكثر من ربع قرن على أول تجربة حكم إسلامي، نتساءل: ما هو حصاد تطبيق الشريعة الإسلامية في تلك المناطق؟ وهل تمكنت تلك الأنظمة من صياغة حياة بلدانها سياسيا واقتصاديا واجتماعيا على هدى الشريعة وبطريقة تلبي حاجات الناس؟

قبل الإجابة لابد من التوقف عند ملاحظتين: الأولى أن أغلب المناطق التي تم تطبيق الشريعة فيها أو التي تشهد حراكا سياسيا قويا بهذا الاتجاه، تُعد من بين أكثر مناطق العالم بؤسا وفقرا وتخلفا، وتعمها حالة من الفوضى والإقتتال الداخلي، ويعيش سكانها تحت خط الفقر وفي بيئات عشوائية وغير صحية ، والملاحظة الثانية أن من يسعى لتطبيق أحكام الشريعة سواء كانت الأنظمة أم الحركات الإسلامية فإنها عوضا عن السعي لإيجاد حل لمشكلات هؤلاء الناس وتحسين مستويات معيشتهم، فإن جُل اهتمامها يتركز في البداية على نظام العقوبات، وبعد فترة قصيرة سرعان ما تصطدم بالأسئلة الكبرى فتعجز عن الإجابة عليها، وللتغطية على فشلها فإنها تتحول فورا إلى أنظمة استبدادية تحكم شعوبها بمنطق القوة والبطش.

السودان مثلا ومنذ عهد النميري وخاصة بعد أن اشتعلت الحرب الأهلية في جنوبه، ظل كما لو أنه محكوم عليه بالفقر والجهل والمجاعات والجفاف والتخلف وحروب الإنفصال في الجنوب والشرق .. بالرغم من أنه بمقدوره أن يكون سلة الغذاء للعالم العربي، أما نيجيريا التي يتجاوز سكانها المائة والأربعون مليون يتوزعون على أكثر من مائة طائفة وإثنية ولغة، وبالرغم من ثرواتها النفطية إلا أن معظم سكانها من الفقراء، وتعد من بين أكثر الأنظمة فسادا في العالم، وتسودها صراعات داخلية طائفية وقبلية ومشاريع انفصال .

أما الصومال وأفغانستان ووادي سوات فهي مناطق تتشابه إلى حد كبير في استفحال حالة الفوضى والحروب الأهلية والدمار والخراب الذي يعمها، إلى جانب التدخل الأجنبي وزيادة نفوذ أمراء الحرب، وتفشي الأمية والفقر والمرض وغياب شبه تام للقانون، وانعدام مشاريع التنمية وانسداد آفاق المستقبل أمام الشباب الذي يعاني من نسب عالية من البطالة.

العراق يمثل حالة مختلفة، فبعد الإحتلال الأمريكي دخلت البلاد في نفق مظلم لا تبدو في المرحلة الحالية نهاية له، إذ أن معظم مناطقه تشهد صراعا طائفيا دمويا، وكل طائفة تسعى بكل ميليشياتها وانتحارييها وفقهائها ومتفجراتها وأيديولوجيتها إلى إلغاء الآخر وإقامة شرع الله على المنطقة التي حررها من أعدائه !! وفي النتيجة ضاعت البلاد وخسر المواطنون ديارهم وأمنهم وممتلكاتهم وحتى أرواحهم.

غزة تعاني من حصار ظالم وخانق منذ سنوات عدة، وهي في الأساس منطقة ذات كثافة سكانية مرتفعة ومستوى اقتصادي متدني وبيئة محصورة بين الصحراء والبحر وليس لها إلا منفذين، أحدهما تسده إسرائيل والآخر تسده تعقيدات المشهد السياسي، وفي هذه المنطقة يعاني الناس من نتائج الحصار وتدهور الاقتصاد والأمن، حيث تتحكم إسرائيل في كميات الماء والوقود والدواء والطعام التي تدخل للقطاع، فتمنعها حتى يكاد يموت الناس ثم تفتحها لتبقيهم على قيد حياة بائسة، وهكذا.

وبالربط بين الملاحظتين الأولى والثانية وباستعرض بعض الأمثلة قد نتوصل للإجابة على السؤال المركزي: هل استفادت هذه الشعوب من تطبيق أحكام الشريعة؟ وهل كان منهج هذه الأنظمة والحركات يمثل الإسلام الصحيح ؟؟

فمثلاً، كانت أولى قرارات نظام النميري الإسلامي إعدام زعيم الحزب الجمهوري المعارض "محمود محمد طه" ، بعد أن حكمت مجامع فقهية عليه بالكفر والردة، ثم دخل النظام في حرب شرسة ضد جماعة "جون غارانغ"، ولكن الطرفان بعد عشرين عاما توصلا إلى تفاهم ما، وصار زعيم الإنفصاليين الذي كان يصفه إعلام النظام بالخائن والمرتزقة صار نائبا للرئيس، ثم تفجرت أزمة دارفور التي قُتل فيها ما يزيد عن الثلاثمائة ألف إنسان وشُرد أكثر من مليون ، وفي ظل هذه الأزمات التي تخنق البلاد صار جل اهتمام النظام ملابس الناس ومقاساتها، فقد أمرت المحكمة بجَلد الصحافية "لبنى" أربعون جلدة بتهمة ارتدائها "بلطلون" !! ثم قامت شرطة النظام بجلد فتاة قاصر خمسون جلدة واسمها "سيلفا" وهي مسيحية ولم تبلغ السادسة عشر من عمرها، والتهمة كانت إرتداء "تنورة" !!

وفي الولايات الشمالية من نيجيريا وبالرغم من التطمينات التي قُدِّمت للسكان هناك من أجل تخفيف هواجس المعارضين للشريعة، بأن غير المسلمين في الولاية لن ينالهم أي أذى، وأن القانون الإسلامي سيُطبق على المسلمين فقط، إلا أن أعمال العنف والإضطرابات الطائفية قد اجتاحت الولايات وقتل وشُرد حينها الآلاف ، والسبب هو أن توجيه أي ضربة للنظام الفيدرالي الذي يحكم نيجيريا منذ عام 1947، والذي يسعى إلى إقامة توازن بين أكبر فئتين في البلاد وهما المسلمون في الشمال، والمسيحيون في الجنوب والغرب ، سيؤدي حتما إلى اشتعال العنف الطائفي، فالبلاد ذات التعداد السكاني الضخم والتركيبة الإثنية المعقدة لها تاريخ حافل بالحركات الانفصالية، وبالتالي فإن هذه الولايات إنما كانت تريد فيدرالية أقل تحكماً وأقل تقييداً، ولهذا لجأت لفكرة تطبيق الشريعة لأنها ستمثل الفرصة المواتية للمطالبة بمزيد من الاستقلالية التي تصل حد الإنفصال، فمثلا حركة "بوكو حرام" بزعامة محمد يوسف والتي تلقب بحركة طالبان النيجيرية والتي ظهرت في 2004، تسعى إلى تأسيس ما تسميه "دولة إسلامية طاهرة" شمال البلاد ، ولكن وبعد 10 سنوات على تطبيق الشريعة الاسلامية، تراجعت ثلاثة من تلك الولايات عن تطبيقها، وتصاعدت حدة الاتهامات المنددة بانتهازية الطبقة السياسية التي تزعم أنها تطبق الشريعة ، وذلك بعد تجربة بائسة تعمدت بالدم والضحايا، ففي البداية كان الناس يطالبون بتطبيق الشريعة بهدف وضع حد للظلم والفساد والفوضى، ثم تبين أن بعض الإنتهازيين من النخب السياسية استفادوا من الموجة الديموقراطية وركبوها لتحقيق مآربهم الشخصية، وفي النهاية لم يتغير شيء، بل وتفاقم الفساد أكثر.

في الصومال أصدر الإسلاميون قوانين تأمر النسوة بارتداء الحجاب وعدم التجول في الشوارع وإغلاق المحال التجارية خلال أوقات الصلاة فضلا عن تنفيذ أحكام العقوبات وأبرزها قطع الأيدي والأرجل والصلب والجلد وغيرها ، وكأن الناس هناك حلت جميع مشاكلها، وأن هذه العقوبات هي التي ستنقذ البلاد من الجفاف والمجاعات والتصحر وتخلصهم من أمراء الحرب الأهلية والقراصنة .. ولم يكتفو بذلك, فمع كل هذا الفقر والجوع صار الإسلاميون يضيقون الخناق على المنظمات الإنسانية المحلية والعالمية العاملة في مجال الإغاثة، حيث تم فرض مبالغ مالية سنوية وشهرية عليها مقابل السماح لها بالعمل في مناطقهم.

وفي قطاع غزة، بدأت حماس بفرض رؤيتها التربوية والاجتماعية الخاصة على المجتمع، فمثلا كان أول قرار اتخذه وزير الثقافة هو منع الرقص الشرقي، وإيجاد آلية لمنع الاختلاط في الأماكن العامة والرقابة على الأفلام !! ثم ألزمت المحاميات ارتداء الحجاب في المحاكم, ثم غيرت الزي المدرسي للفتيات بزي إسلامي, ثم منعت الرجال من ارتداء المايوه على الشاطيء, ونشرت شرطة الفضيلة، والتي كان من أهم إنجازاتها إلقاء القبض على الصحافية أسماء الغول، متلبسة على شاطئ غزة، ' بتهمة السباحة بالزي 'غير الشرعي'، والضحك بصوت عال في مكان عام !! وهي خطوات وإن بدت شكلية إلا أنها مقدمة لفرض أسلمة كاملة على المجتمع من خلال فرض "قانون العقوبات الحمساوي" الذي تجاوز في بعض بنوده ما جاء في نظام الطالبان، فهو إلى جانب تعارضه مع الدستور الفلسطيني، يعبر عن توجه عام للحركة وإستراتيجية تركز معظم جهدها إن لم يكن كله باتجاه القضايا الاجتماعية الصغيرة، وتجاهُل القضايا الكبرى المصيرية.

وعندما وقعت أفغانستان في قبضة الطالبان شهدت حكماً لأسوأ أنواع النظم الإستبدادية والقمعية، فقد سنت الطالبان قوانين تحرم الموسيقى والغناء والفن والإختلاط، وتقيد دخول الفتيات للمدارس، وتمنع النساء من العمل، وتلزم الرجال بإطلاق اللحى وحف الشوارب، كما أمرت بإيقاف بث الإذاعة والتلفزيون - منعاً للفسق والمجون – ومنعت دخول أو صدور أي من الصحف والمجلات، وقيدت الحريات العامة والشخصية، وأعدمت المئات من المعارضين بدون محاكمات عادلة.

وفي مناطق أخرى من العالم الإسلامي تنشط الحركات الإسلامية المتطرفة في محاربة كل ما تعتبره ذي صلة بالرذيلة أو يؤدي إليها، وتحارب كل ما تعتبره منكرا يتوجب تغييره باليد أولاً، أي من خلال العنف الذي كثيرا ما يكون عبارة عن متفجرات وكواتم صوت وأحزمة ناسفة وبنادق رشاشة، توجه ضد صالونات التجميل ومقاهي الإنترنت والأماكن السياحية ومكتبات الفيديو ودور السينما، وبالطبع تعتبر ذلك جهادا مشروعا لتطبيق الشريعة.

وأمام هذه الأمثلة المتقاربة في الدلالات والمضمون والمتباعدة جغرافياً، نتوصل لبعض الإستنتاجات، بعضها سياسي وبعضها فكري:

من المعروف أن اللاعب الرئيسي والمتحكم في المشاريع السياسية في كل من الصومال وباكستان هي امريكا وأدواتها، فأمريكا هي من باركت قدوم شريف شيخ أحمد - المحسوب على جماعة الإخوان المسلمين - لرئاسة الصومال ودعمته عبر أثيوبيا وجيبوتي لمواجهة الحركات الرافضة للنفوذ الغربي في القرن الإفريقي، كما أنها هي من مكنّت آصف زرداي من رئاسة الدولة في باكستان عقب دفعها لمشرّف لتقديم استقالته، وهي إلى الآن تملك مقاليد الحكم في هذين البلدين - وغيرهما - ويسير في فلكها العديد من قادة الجيش والحكومة وحتى بعض قادة المعارضة، لذا فقبول الرئيس الباكستاني لاتفاقية وادي سوات، وإقرار البرلمان الصومالي وقبول الحكومة المؤقتة تطبيق الشريعة في الصومال يعني تلقائيا قبول أمريكا لهذه الاتفاقيات، وهذا يضفي علامة سؤال كبيرة عن مدى صدق هذه الاتفاقيات والدلالة الحقيقية لتطبيق الشريعة فيها .

وفي هذا السياق يمكن القول أن أمريكا لا تعارض قيام أي نظام إسلامي، ولا مشكلة لديها في تطبيق أحكام الشريعة، طالما أن ذلك لا يهدد مصالحها، بل أن أمريكا تسعى للبحث عن إسلاميين معتدلين، ولا مانعَ لديها من أن يصلَ الى سدةِ الحكمِ في البلاد العربيةِ و الإسلاميةِ حركات إسلامية عصرية الفهم معتدلةُ الرؤية، أي تفهمُ الإسلامَ على المنهج الأمريكي الليبرالي، بل إن وصول الإسلاميين "المعتدلين" لسدة الحكم أصبح ورقة تستخدمُها للمناورات السياسية ولخدمة أغراضها وأهدافها السياسية ، ودعم أمريكا المنقطع النظير لحزب العدالة والتنمية التركي ذي الصبغة الإسلامية "المعتدلة" خير مثال على هذه السياسة .

وبعيدا عن السياقات السياسية للموضوع، من الناحية الحركية والمنهجية سنلاحظ أن الحركات والأنظمة الإسلامية تتهرب من مواجهة الحقائق الموضوعية، ليس لأنها تعجز عن إيجاد الحلول العملية للمسائل المهمة وحسب، بل لأن اهتمامها منصب بالدرجة الأولى على القضايا الاجتماعية وما تتطلبه من قوانين للعقوبات ومن قرارات تلزم المجتمع بقضايا شكلية وسطحية، كما لو أنها اختزلت الإسلام العظيم بكل مضامينه الحضارية وقيمه الجوهرية ببعض الشكليات والمظاهر واكتفت بها.

وبهذا المعنى فإن هذه الحركات الإسلامية ستؤدي إلى عزل الإسلام عن العالم الخارجي، وتحبسه في كهف النصوص المتعالية على الواقع، وستحرمه من فرصة التفاعل الحي مع القضايا الإنسانية الكبرى، وبالتالي لن يكون للمسلمين دور حقيقي في تطور الحياة الإنسانية ولن يكون لهم إسهام حضاري وعلمي فعال، فالعالم اليوم يواجه تحديات كبيرة وخطيرة وليس من بينها الحجاب والإختلاط، والحركات الإسلامية ستكون عاجزة تماما عن الإنخراط في المشروع الأممي والإنساني، لأن أدوات المساهمة والتفاعل غير متوفرة لديها، فمثلا لا تحتاج البشرية لنصوص شرعية لمواجهة الإحتباس الحراري أو إيقاف التصحر أو لسد ثقب الأوزون أو إيجاد البدائل عن مصادر الطاقة المستنـزفة أو لعلاج أوبئة وأمراض العصر أو إيجاد الحلول الناجعة للإنفجار السكاني وحل أزمات السير والسكن والبطالة وغلاء الأسعار أو وقف سباق التسلح ودرء التهديد النووي أو لإطعام مليارات الإفواه الجائعة أو لتطوير تقنيات الاتصالات وعلوم الفلك .. وغيرها من القضايا التي تهدد مصير الكوكب برمته وتضع مستقبل البشرية على المحك.

ومن الناحية الفكرية سنجد أن موضوع تطبيق الشريعة ليس موضع إجماع بين الحركات الإسلامية خاصة من حيث الأسلوب، حيث أن كل حركة تسعى لتطبيق الشريعة وفق فهمها الخاص، وأبرز مثال على ذلك أن حزب التحرير الإسلامي يرفض منهج جميع النماذج الإسلامية التي ذكرناها، ويرى أن "تطبيق الشريعة وتحكيم الإسلام لا يصلح إلا في ظل دولة إسلامية، ويعني – حسب أدبياتها - أن تطبيق الشريعة معناه أن يكون للمسلمين جميعاً دولة واحدة وخليفة واحد، ويعني تطبيقها الانعتاق من التبعية الغربية ونبذ المؤسسات الدولية والإقليمية الاستعمارية كالأمم المتحدة ومنظمة دول حوض المتوسط والجامعة العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي ومنظمة التعاون الإفريقي" ، والموقف السلبي والمعادي للمنظمات الدولية لا ينفرد به حزب التحرير، فكثير من الحركات الإسلامية تعتبر أن كل مؤسسة أو منظمة إقليمية أو دولية بغض النظر عن مجال عملها طالما أنها لا تتبع "نهج الإسلام" فهي إما كافرة أو متآمرة على الإسلام، وفي أحسن الأحوال تعتبرها هيئات علمانية يتوجب الحذر منها !!

وهذا الفصام الشديد بين الحركات الإسلامية والواقع الموضوعي جاء كنتيجة حتمية لحبس الروح والعقل والإبداع في قمقم النص، فالشخصية الإسلامية عموما ومنذ أن دخلت الأمة عصور الإنحطاط الثقافي والجمود الفكري فقدت طلاقتها وروحها الخلاقة وقدرتها على الإبداع والمبادرة، وصارت أسيرة النص وتتبع نهج المحاكاة والتقليد، وصار النص تابو مقدس لا يجوز المساس به، الأمر الذي حوله إلى هيكل بلا مضمون وجسد بلا روح، لأنه فقد قدرته على التفاعل الحي بالبيئة المحيطة وفقد قدرته على التطور والتجديد، حتى اتسعت الفجوة بينه وبين الواقع لدرجة اصبح من المتعذر ردمها.

والإسلام الذي نزل على محمد (ص) هو دين الرحمة والعدل والتقدم، والشريعة كما وردت في القرآن الكريم تعني المنهج والطريق ، وبالتالي فهي شريعة تطور وتقدم دائمين، لأنها منهاج وسبيل مستمر على مدى الأزمان، وشريعة الرحمة الربانية تعني التيسير على الناس ورعاية مصالحهم وفهم الظروف المحيطة بهم وعدم التضييق عليهم، والإسلام الذي كرم الإنسان وأعلى من قيمته واعتبر باقي المخلوقات مسخّرة لخدمته وجعل حياة المؤمن أعز عند الله من "البيت العتيق"، لا بد وأن ينتصر هذا الدين العظيم للإنسان على النص، وخلاف ذلك يعني أن يصبح النص هو الرب المعبود، والإنسان بلا قيمة، وهذا ما يفسر فشل الحركات الإسلامية في بناء نموذج حياة يواكب العصر ويحترم الإنسان، ويفسر أسباب تخلف المناطق المنكوبة بحكمِ عقلياتٍ منغلقة مسكونة بالخرافة.



الهوامش

0 التعليقات:

إرسال تعليق

الكاتب

م. عبد الغني سلامه

فلسطين

أحدث الادراجات

كاريكاتير اليوم

احصاءات العالم

احصاءات العالم

عدد الزوار