أهلا بكم

على هذه الصفحة نثير التساؤلات ،، ونفكر ،، ولا نعرف حدوداً للتوقف

آخر الأخبار

حكمة اليوم

اشترك في القائمة البريدية

ادخل بريدك الالكتروني

ابحث

يوليو 20، 2008

كشف حساب



بحلول الذكرى الأولى لنجاح الديموقراطية الفلسطينية الوليدة التي أجابت على أصعب سؤال ممكن أن يتلقاه قادة العالم الثالث والذي عادة ما يرسبون به بجدارة وهو سؤال تداول السلطة، يكون قد مضى حول كامل من عمر الحكومة الحمساوية العتيدة، الأمر الذي يعني استحقاق عمليات كشف الحساب والوقوف أمام محكمة الشعب للتقييم والنقد والمراجعة .. لنتابع:

في البداية ومنذ أن تولت حماس مقاليد السلطة إنهال علينا الناطقون باسمها بوابل من التصريحات والخطب النارية، هي في الحقيقة تعبيراً عن استمرارية نهج دأبت عليه حماس حين كانت في المعارضة، ما يدل على أنها ما زالت تحلق في فضاء الأحلام وعالم الشعارات وترفض النزول من سماء الخطاب إلى أرض الواقع، وتريد منا أن نعيش معاً حلما طوباويا جميلا طويل الأمد، يرتكز إلى وهم العمق العربي الرسمي وسراب الدعم الإسلامي وثورية الخطاب الذي يثقل كاهل الشعب.
فخالد مشعل مثلاً اكتشف أن الحل يأتي بالممانعة والصمود ! وكأن حياة الشعب الفلسطيني في المائة سنة الأخيرة لم تكن كذلك، ووزير المالية صرح بأنه وجد خزينة السلطة فارغة وكأنه بهذا الاكتشاف ينتظر منا منحه جائزة على عبقريته ! ووزير خارجية فلسطين يتحدث عن الفن المبتذل والأغاني الهابطة، ووزير الثقافة أعد خطة محكمة لمنع الرقص الشرقي وإيجاد آلية لمنع الاختلاط في الأماكن العامة والرقابة على الأفلام، أما أول قرار أصدره وزير الداخلية فكان السماح بإطلاق اللحى لرجال الأمن، وفي اجتماع الحكومة الأول كان على رأس جدول الأعمال تجميد قرارات الحكومة السابقة، كذلك فعل المجلس التشريعي إذ شغل الدنيا وملأ الناس بقضية بطلان دستورية الجلسة الأخيرة للتشريعي السابق .
وما كان محرما بالأمس صار واجبا دينيا اليوم، فمثلاً لم تشارك حماس في الانتخابات التشريعية الأولى بحجة أنها ولدت من رحم اتفاقيات أوسلو المرفوضة، ثم قاطعت الانتخابات الرئاسية الثانية بحجة أنها منقوصة !! ولكن حماس التي باتت جاهزة لدخول اللعبة السياسية وبعد أن أكملت استعداداتها استماتت في المشاركة في الانتخابات الأخيرة، وكانت تصريحات قادتها النارية تعد السلطة بالويل والثبور وعظائم الأمور إن هي تأخرت في تنفيذها عن موعدها المقرر، حتى بات شبح الحرب الأهلية يخيم في الأجواء الأمر الذي دفع بمحمود عباس إلى الإستعجال في الانتخابات بالرغم من معارضة فتح عليها آنذاك.
هل تغيرت السلطة ولم تعد أوسلوية فجأة ؟ أم أن حماس فرضت الانتخابات على أمريكا وإسرائيل بالقوة ؟ وكلنا يذكر أن الرئيس عباس أصر على إشراك حماس في الإنتخابات ونجح في إقناع أمريكا بذلك، واشترط على إسرائيل أن يشترك سكان القدس في التصويت والترشيح، إلا أن حماس " المستعجلة " كانت مستعدة للمشاركة في الانتخابات بدون القدس !! فهل نعتبرهم قد سقطوا في الاختبار الاول ؟
كانت حماس في البداية تعتبر أن الدولة الفلسطينية المزمع إقامتها في الضفة وغزة هي لتصفية القضية والتفريط ببقية فلسطين ومن يقدم على هذه الخطوة خائن وعميل .. واليوم تعتبر أن هذه الدولة بمثابة حجر الزاوية في السياسة الحمساوية الجديدة ! وقالت قيادات حماس إنها لن تعترف بإسرائيل حتى لو أُبيد الشعب عن بكرة أبيه .. وها هي اليوم تتحدث عن اعتراف واقعي والبقية تأتي .. واتهمت حماسُ فتحَ بأنها لا تحافظ على الثوابت الوطنية ثم جاءت بوثيقة أحمد يوسف .. وإدعت أنها الوحيدة الباقية على خط النار والمتمسكة بالمقاومة ثم أعطت إسرائيل هدنة فعلية مفتوحة وبدون مقابل .. وقالت عن وثيقة الأسرى في البداية أنها بحاجة إلى تعديلات لأنها تعترف بإسرائيل وأنها طُبعت في البيت الأبيض وسمّتها وثيقة هداريم .. ثم أصبحت هذه الوثيقة أساس الوفاق وبرنامج الحكومة ... كما لم يمانع رئيس الحكومة بأن يلتقي وزرائه مع نظرائهم الإسرائيليين لمعالجة أي قضية تمس حياة المواطنين ما عدى القضايا السياسية .. وكأن هنالك قضايا تمس حياة المواطنين أكثر من السياسة ؟! ورفضت حماس الاعتراف باتفاقيات أوسلو وما ترتب عليها .. ولكنها كلما بادر الرئيس لحل ما اعترضت عليه ورفعت دستور السلطة على أسنة الرماح .. علما أنه نفس الدستور المنبثق عن أوسلو !!
استأثرت حماس في الحكومة والمجلس التشريعي في كل المناصب القيادية، وتحدثت كثيرا عن حكومة وحدة وطنية يشترك فيها الآخرون ولكنها اشترطت جر الآخرين إلى خندقها ورفضت الاعتراف بالمنظمة كممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني وتصلبت في برنامجها الأمر الذي أدى إلى عزوف الكل عن المشاركة.
قال العديد من الناطقين الإعلاميين لحماس أنها جاهزة لتولي مسؤوليات الشعب وأنها قد أخذت كل الاحتمالات على محمل الجد واستعدت جيدا للحصار ولديها خطط مضمونة وأكيدة لتأمين الأموال اللازمة ولتأمين إيصالها أيضاً، وتبين أن كل هذه الأموال مجرد وعود وأن حسابات الببيدر تختلف عن حسابات البندر !!
الديموقراطية الفلسطينية تعاملت معها حماسُ كما لو أنها سفينة ستوصلها للحكم ثم عمدت إلى أضرام النار فيها حتى لا يستخدمها أحد من بعدها.. كثير من الناطقين والقادة قالوا صراحة أن حماس باقية في الحكم ما شاء الله لها أن تبقى ليس أربعة سنوات فحسب بل أربعون وأكثر والانتخابات القادمة ستكون لإختيار مجلس شورى فقط !!
وتعاملت مع الديموقراطية بانتقائية مدروسة، فرأت مثلا أن الانتخابات تُجرى لمرة واحدة فقط - لأنها بعد ذلك ستُزوَّر من قبل أعداء الشعب !! – واعتبرت أن محاسبة الحكومة هي مؤامرة لإسقاطها ! والنقد الموجه ضدها هو تهجم على الإسلام ! الإضرابات هي محاولة بائسة لضرب الحكومة ! مسائلة أي وزير هي استهداف لشخصه الكريم لا ينبغي القبول به ! إستفتاء الشعب هو استغلال للأمعاء الخاوية وتمرير لمخططات الأعداء ! قوى المعارضة هم الأعداء الداخليين الذين هم أخطر من الأعداء الخارجيين ! الإنتخابات المبكرة انقلاب على الديموقراطية ! المظاهرات الشعبية هدفها إسقاط الحكومة ! الأقلام الحرة أبواق للسلطة السابقة يتوجب إسكاتها ! التعبير عن وجهة النظر هو تحريض سافر ! المبادرات السياسية لخصومها هي تساوق مع المخططات الصهيونية ! استطلاعات الرأي مضللة ! ... والسؤال ماذا تبقى من الديموقراطية ؟!
كما دخلت حماس في مواجهة مع الداخل والخارج على حد سواء واسْتعْدَتِ الجميع عليها : فاعتبرت أن التلفزيون الفلسطيني منحاز، الصحافة المحلية صفراء، الإعلام مضلل، المنظمات غير الحكومية عميلة، البنوك شريكة في المؤامرة، دول الجوار متورطة في الحصار، الرئاسة جزء من المؤامرة، فتح حركة إنقلابية، الأجهزة الأمنية مسيّسة، النقابات نبت شيطاني، لجنة المتابعة منحازة ....
في خطاب اليرموك الشهير اتهم خالد مشعل موظفي السلطة أنهم سرقوا الكنابيات والدفاتر والشاي والقهوة وكل شيء .. ثم قال أن الأجهزة الأمنية مأجورة ولا تعمل لخدمة الشعب .. بينما مغاوير القوة التنفيذية هم من المتطوعين الذين لا يريدون رتباً ولا يبحثون عن مراتب ولا حتى رواتب لأنهم جنود مؤمنون مجاهدون ... اليوم تطالب الحكومة بتفريغ 12000 عنصر من القوة التنفيذية على أن يحمل ثلثهم رتبة رائد فما فوق !!
اتهم الشيخ اسماعيل هنية في إحدى خطبه المطولة الحكومات السابقة أنها مارست التعيينات السياسية بينما حكومته ستعيّن دون الرجوع للمؤسسات الأمنية كما كان في السابق .. حسناً .. ولكن تشير الإحصاءات الرسمية أن حكومة حماس قد عينت في أول ستة أشهر من عمرها 11500 موظف دون مسابقات حقيقية وخلافا للقوانين المرعية، وطبعاً كلهم من حماس !!
فيما يتعلق بالترقيات والتنقلات والإقصاء الوظيفي فحدث ولا حرج .. طلاب تم تعيينهم بدرجة مدير قبل تخرجهم ! معظم المسؤولين وظّفوا زوجاتهم وأولادهم وأقاربهم ومنحوهم الدرجات التي تتلائم مع مستوياتهم الجديدة ! ترقيات في السلم الوظيفي لا تنسجم مع قانون الخدمة المدنية ! جيش غفير من المدراء العامون والوكلاء والمستشارين تم تعيينهم ضمن عملية احتلال حمساوي للمواقع الإدارية الحيوية في أجهزة السلطة !! ويلاحظ أن هناك تكتم ملحوظ على كثير من قرارات جلسات مجلس الوزراء، وعلى وجه الخصوص ما يتعلق منها بالتعيينات الجديدة حيث أنها تشكل ثلثي القرارات الصادرة، وبهذا الشأن لم يتم حتى الآن نشر وتوزيع قرارات جلسات الحكومة العاشرة كما كان مألوفاً من قبل، فما مارسته فتح من أخطاء وخروقات في عشرة سنوات تم تكراره مكثفاً في عشرة أشهر !!
جاءت حماس للسلطة تحت شعار الإصلاح والتغيير بعد أن تكشفت عورة الحكومات السابقة وفاحت رائحتها بفضائح الفساد المالي ولإداري .. ولكن حتى اليوم لم يُفتح أي ملف فساد ولم تُوجه أي تهمة لأي فاسد بعينه !! طبعا باستثناء عمليات نشر الغسيل الوسخ على شاشات الفضائيات والحرب الكلامية على مواقع الإنترنت وتوجيه التهم يمينا ويسارا والتذكير بالماضي الأسود كلما ذكّـر الحاضر عن نفسه وأفصح عن أسئلة جوهرية تمس المستقبل.
عندما طرح أبو مازن موضوع الاستفتاء وكذلك الإنتخابات المبكرة هاج وماج الناطقون الإعلاميون لحماس وبدأوا بتوجيه الاتهامات " للتيار الإنقلابي " داخل فتح فقالوا مثلا " لا يُستفتى جائع "، " الشعب الفلسطيني قبل حماس كان يتلقى المال مقابل أثمان سياسية "، " لأول مرة في تاريخ النضال الفلسطيني يطالب الشعبُ قيادته بعدم التنازل " !! وهذه التصريحات وغيرها تدلل على أن حماس تعتبر أن تاريخ النضال الفلسطيني قد بدأ للتوّ، أي منذ استلام حماس للسلطة، وتعتبر أن الشعب كان قبلها مفرّطاً، وأنه غير مؤتمن على قضيته خاصة عندما يجوع !!
الأرقام والإحصاءات في ظل الحكومة الرشيدة وصلت مستويات غير مسبوقة في كافة مناحي الحياة: الشرائح الاجتماعية التي نزلت تحت خط الفقر، معدل الجرائم، الهجرة للخارج، تدهور الوضع الصحي والتغذوي، البطالة، التسرب من المدارس، مستوى التعليم، ضحايا الفلتان الأمني، ركود الأسواق، غلاء المعيشة، انخفاض القوة الشرائية، تراجع حجم الاستثمارات الداخلية وانعدام الخارجية، أما في مجال التنمية والعمران وتطوير البنية التحية فلا شيء يستحق الذكر على هذا الصعيد .... عدد ضحايا الإعتداءات الإسرائيلية في أول سنة من عمر الحكومة فاق السنوات الماضية مع فارق جوهري بسيط هو أن فصائل المقاومة لا تمتلك حاليا استراتيجية للمقاومة وهنالك هدنة معلنة وموافق عليها من قبل الجميع !!
الحكومة لا تعطي الشأن السياسي الخارجي الاهتمام الكافي ومعظم قراراتها تعيينات وترقيات وأمور داخلية أخرى وقد غاب عنها مواضيع تهويد القدس والجدار وغيرها واكتفت بالإشارة إليها بتلميحات لفظية مقتضبة !! المجلس التشريعي شبه مشلول ولم يصدر عنه أي تشريع حتى الآن ودوره في الرقابة على أداء الحكومة معطل، الوزارات تراجع أداؤها بسبب قلة المخصصات المالية اللازمة، الموظفون أضربوا عن العمل قرابة الخمسة أشهر بسبب عدم تلقيهم رواتبهم بشكل منتظم مما تسبب في تعطيل مصالح الناس وشلل في الحياة العامة بشكل خاص في الضفة الغربية، وبسبب عدم صرف الرواتب تأثر القطاع الخاص بشكل سلبي وتعطلت دورة المال في الأسواق المحلية.
كما قامت الحكومة بافتعال مشاكل مع دول الجوار بلا مبرر، ووضعت نفسها في مواجهة العالم بأسره، وحولت القضية الفلسطينية إلى مسألة معونات ومساعدات ورواتب موظفين وليس أكثر من ذلك، فتراجعت مكانتها إلى أدنى مستوى لها منذ النكبة، ووضعت سياسات الحكومة ونهجها الإقصائي الشعبَ على حافة جرف لحرب أهلية لأول مرة في التاريخ الفلسطيني، وفقد النضال الفلسطيني على مذبح الخلافات الداخلية وتنازع الصلاحيات رونقه وطهارته وسمعته وقوته الأخلاقية بعد سلسلة من الاغتيالات والتصفيات الداخلية وصراع مرير على الكراسي والمناصب والصلاحيات وبذلك فقد خسر الشعب تضامن الأصدقاء واحترامهم في العالم ...
وكل ما تحقق من وعود حماس اليوم على أرض الواقع : حصار اقتصادي ومالي، عزلة سياسية دولية، عدم قبول العالم لخطابنا، تحول القضية الفلسطينية إلى قضية إنسانية، العالم لا يسمع من أخبارنا إلا التهديدات المتبادلة وجولات الردح على الفضائيات وتراشق الاتهامات وتنازع الصلاحيات، المجتمع برمته بات مشحونا متوترا والكثير من الناس امتلأ قلبها بالتشاؤم والإحباط .. فهل هذا هو الحل الذي وعدتنا به حماس !!
تعتبر حكومة حماس مسألة تمكين حاملي جواز السفر الفلسطيني من الدخول الى سوريا انها تحقيقا لإنجاز وطني عظيم .. فإذا كان المواطن الفلسطيني ممنوعا من الدخول الى سوريا طيلة السنوات الماضية، فما هو الدور القومي الذي كانت تدعي فيه سوريا بدعم الانسان الفلسطيني القابع تحت الاحتلال ؟؟ وماذا عملت للفلسطينيين المقيمين في العراق والفارين من فرق الموت والعالقين على حدودها ولا تأذن لهم بالدخول !؟ ولماذا لم تعترف بالجواز الفلسطيني حينما كان الشهيد ياسر عرفات رئيسا للسلطة ؟
وفي نفس السياق تعتبر حكومة حماس أن الأموال الإيرانية ( الموعودة أم المدفوعة ،، لا نعرف ) هي أيضا بمثابة إنجاز كبير !! والسؤال أين كانت هذه الأموال حينما كانت إسرائيل تدك مقرات الأمن وتقصف الوزارات وتحاصر الرئيس في المقاطعة وتهدم البيوت وتغتال المناضلين ... أي حينما كانت سلطة فتح تخوض صراعا عسكريا عنيفا ضد إسرائيل ؟؟ أم أنها كانت تدرك استحالة شراء القرار الوطني من عرفات فطنشت عن قتله كما فعل غيرها ثم انتظرت القادم الجديد !!
عبر معبر رفح أدخل العديد من الوزراء أموالاً طائلة من الصعب أن نقول أنها تخضع لرقابة صارمة أو أنها تنسجم مع متطلبات الشفافية أو يمكن ضبطها بالكامل، وهذا ليس تشكيكا بأحد إنما هو رفض لأن يرتهن اقتصاد البلد بعمليات تهريب مهما كانت الشعارات التي يتحدثون عنها ،، وبعد التهريب تأتي متاهة الديات والتسعيرة والعائلات القوية والاخرى الضعيفة وحرب العشائر !! وقد عالج السيد إسماعيل هنية موضوع الإغتيالات والإقتتال الدموي بالحديث عن دفع الديات .. فهل هذا كلام رئيس حكومة، أم كلام مختار قبلي !! أليس هو براع للرعية والمسؤول عن كل ضحية ؟ وهو صاحب الأمر بجلب الخارجين عن القانون ؟ ثم تأتي التصريحات المتناقضة والتراجع عن المواقف وتحميل الغير مسؤولية الفشل بأسلوب ساذج والتهرب من مواجهة الحقائق وغير ذلك من الافعال والاقوال التي لا تتناسب مع مقام وأسلوب حكومة فتية، لم ترتقي بالفاظها وخطابها إلى مستوى يستطيع فرض احترام الاصدقاء، فما بالك بغير الاصدقاء، العالم في الخارج يراقب ويشاهد، ووضعنا أصبح محرجا ومخجلا .
حماس ماطلت كثيرا في حواراتها لإنجاز حكومة وحدة وطنية تكون قادرة على فك الحصار وإنهاء حالة التجاذبات السياسية الحادة ومعالجة الفلتان الأمني .. وتتحمل جزءا كبيرا من فشل الحوار وعجزه عن الوصول إلى حل حتى هذه اللحظة .. فهي مرة تتذرع بالمستدركات ومرة بنصوص الدستور ومرة بمواقف الخارج والداخل ومن هم في السجون ومرة بالحفاظ على الثوابت ومرة بتمسكها بوزارات معينة ومطالبتها بحصة من المحافظين والسفراء .. والحقيقة أنها تماطل وتراهن على الوقت اعتقادا منها بأن الحصار سيتآكل ولو بعد حين، وأن المنطقة مقبلة على تغيرات كبيرة بعد ترتيبها من قبل أمريكا وإيران، وبالتالي لا حاجة لها لحكومة وحدة وطنية سيما وأنها لا تريد الإقرار بالفشل ولا حتى الإعتراف بوجود أزمة حقيقية تعصف بالمجتمع والقضية وتكاد أن تأتي عليهما ...
وحتى نكون موضوعيين يجب الإقرار أن حكومة حماس لا تتحمل وحدها كامل المسؤولية، وهنالك جزء من المسؤولية تتحمله الرئاسة وفتح والفصائل والشعب .. ولكن يجب أن نتذكر دوما أن حماس لديها كل الحكومة وأغلبية المجلس التشريعي ولديها قوة تنفيذية ضخمة تدعي أنها لحفظ الأمن وحماية القانون ودعم الشرطة .. وأنها بممانعتها وتحفظاتها الكثيرة تعطل كل شيء ..
الأجهزة الأمنية ( الشرطة والأمن الوقائي ) تتبع رسميا وزارة الداخلية، وليس مقنعاً ولا مقبولاً أن لا تمارس صلاحيتها عليها بشكل كامل، والكل يعلم بأن وزير الداخلية يولي جل اهتمامه للقوة التنفيذية ويزودها بكل ما يلزم من تجهيزات وأسلحة ومعدات ومخصصات ضخمة وهذا بالطبع على حساب الأجهزة الرسمية التي لا يتقاضى منتسبيها شيءً - حتى رواتبهم – أما الإعلام الذي تزعم حماس أن لا سيطرة لها عليه، فلا تكاد تخلو نشرة أخبار على جميع المحطات الفضائية العربية والعالمية إلا ونرى ونسمع ناطقيها يصولون ويجولون، وبخصوص المعابر فسواء كانت من صلاحيات الحكومة أم الرئاسة فلا فرق حقيقي بينهما لأن السيطرة الفعلية لقوة الاحتلال، الوزارات " السيادية " التي كانت سببا في فشل حوارات تشكيل حكومة الوحدة الوطنية ليست سيادية إلا بقدر أصرار حماس على الإستئثار بالسلطة بحجة أنها تمتلك الأغلبيية في التشريعي حتى لو أدى ذلك إلى استمرار الحصار وتدهور الأوضاع على كافة الصعد .. هذه حقيقة تنازع الصلاحيات وما دون ذلك مجرد شعارات بدأت تتكشف شيئا فشيئا أمام الشعب ..
الحديث عن ممارسات القوة التنفيذية يبعث في النفس الأسى ويفتح جروحا تأبى أن تندمل .. فقد قتلت هذه القوة أكثر من عشرين مواطنا ضمن عمليات القمع السلطوي الذي لم نعثر على أي فرق بينها وبين قمع أي نظام ديكتاتوري آخر من دول العالم الثالث .. فضلا عن ضِعف هذا الرقم ممن قضوا نحبهم في التصفيات والإغتيالات وجلهم من ضباط الأجهزة الأمنية، وكلما شاهد المواطنون قذائف الأر بي جي وصواريخ الياسين محمولة على أكتاف " مغاوير التنفيذية " تسائلوا بحيرة يشوبها خوف وقلق : لمن ستوجه في المرة القادمة ؟؟ ولماذا تحمل الشرطة في بلدان العالم هراوات ومسدسات فقط بينما تحمل ميليشيات التنفيذية أسلحة ثقيلة وصواريخ وقنابل يدوية ؟!! والأنكى من ذلك كله أن جميع المسؤولين في الحكومة يبررون جرائم القوة التنفيذية ويثنون عليها أحياناً ويغطون عليها دائما ...
بعد سلسلة من الإغتيالات السياسية المنظمة وحملة إعلامية شرسة وممنهجة ضد حركة فتح، بدأ يثور في الشارع تساؤلات خطيرة: هل لدى حماس مخططات لتصفية فتح ووراثتها ؟؟ هل تنوي حماس الإستيلاء على السلطة وجعلها جزء من محور إقليمي ؟؟ وهل تريد حماس الإستيلاء على م.ت.ف وأسلمتها وتسليمها على طبق من فضة لإيران وسوريا ؟؟ هل كثرة الحديث عن تحريم الدم الفلسطيني ونبذ الحرب الأهلية المقصود منه العكس تماما ؟؟
بين ما جرى في الأمس القريب في البقاع وما يجري اليوم في القطاع عامل مشترك وحيد هو حرب الأطراف الخارجية للإستحواذ على القرار الفلسطيني، لأن السيطرة على القرار الوطني المستقل هو الرغبة الملحة والجامحة لجميع دول المنطقة، وهي تأشيرة الدخول لتصبح لاعبا أساسيا في معادلة الشرق الأوسط وبالتالي النظام الدولي الجديد.
موطيء القدم التي حلمت بها سوريا ومولته ليبيا سابقا واستخدمت لأجله حصان طروادة من داخل فتح كان على حساب الشعب وثورته وسمعته .. اليوم تتكرر المحاولة ولكن بتمويل إيراني وحصان طروادة جديد، ولكن ما يجري في غزة اليوم ليس انشقاقا داخل فصيل - فالانشقاق مستوعب ومقدور عليه - بل هو الكارثة الوطنية وبكل المعايير، إنه وطن ينسلخ عن بعضه، القطاع معقل عاطف عدوان وعقر داره - كما يقول هو – دُبّـر له أمرٌ بليل وأُريد له أن يكون حالة استفراد بالجغرافيا مرهونة للخارج بشكل سافر، إنه بيع للقرار الوطني لصالح محاور خارجية، ما يجري في شوارع غزة حالة تدهور شاملة عنوانها الخطف والقتل على الهوية، وهي اخطر من الانشقاق مائة مرة.
تصريحات الوزير عاطف عدوان بأن غزة عقر دار حماس !! وأنه يستهجن زيارة الرئيس الاستفزازية للقطاع !! في أي إطار يمكن فهمها ؟ وكيف تريد حماس شكل الكيان القادم وفقا لهذا النمط من التفكير ؟ أليست هذه عملية سلخ غزة عن بقية الوطن وتصديرها إلى المجهول لتصبح غزة ستان !! وحينها سيحتاج الرئيس ابو مازن لتأشيرة دخول الى غزة ؟ غـزة ليست عقر دار أحد دون غيره، غزة عقر دار كل الفلسطينيين كما بقية اجزاء هذا الوطن، إنها اغلى ما نملك، وهي آخر معاقلنا جميعا، إلا إذا حسبوا أنفسهم في بيشاور أو في مقاديشو ؟ وأنهم يستنسخون طالبان من جديد ؟؟
الا يكفي حماس تجارب إنشقاقات فتح الثلاثة الفاشلة لتعفي شعبنا من اثمان تجربة جديدة ستكون اكثر كلفة لا محالة ؟ وهل ستحتاج إلى ربع قرن اخر حتى تفهم كيف تُدار السياسة ؟ ألا يكفي شعبنا ما دفعه من الاثمان الباهظة بسبب مراهقتنا السياسية تارة، وتأجير البندقية ونقلها من كتف إلى كتف ورهن القرار الوطني تارة أخرى ؟ هل شعبنا مقدر له الانتظار مرة أخرى حتى تكرر حماس تجربة فتح السياسية التي احتاجت سنين طويلة لتنضج خطابها ويصبح واقعيا ومقبولا من المجتمع الدولي !! ألا ترى نفسها تكرر نفس الخطأ، بدءً من قضية الجندي الأسير مرورا بالدخول في محاور إقليمية وانتهاء بالهدنة على الطريقة الاسلامية! .
حلّل البعض من على منابر المساجد الدم الفلسطيني وأصدر آخرون فتاوي من كل حدب وصوب لتبرير القتل والإغتيال، وأصبحت مكانة المجاهد عند الله تتناسب طرديا مع رتبة من يقتله من ضباط الاجهزة الامنية، وما تمارسه القوة التنفيذية اليوم في غزة اخطر من التفريط بالقدس، لأن حرمة المؤمن عند الله أهم من الكعبة وأهم من الصخرة المشرفة ، وقد وصل التساقط حدا لم يحلم به أعداؤنا ولم يخطر على بال الشيطان .. اليوم يستبيحون دم الأطفال مع سبق الإصرار والترصد ويقتلون الأبرياء بدم بارد ويسلبون ضحاياهم ( غنائمهم ) ويكممون أفواه من يعدموه حتى لا ينطق بالشهادتين !! ماذا تبقى حتى لا نعتبرهم قد سقطوا في الاختبار الثاني ؟!
تسعى حكومة حماس بخطوات بطيئة هادئة ومدروسة إلى تقويض أسس المجتمع المدني العلماني القائم على تعايش الأديان والتعددية السياسية والتسامح والإعتدال والحفاظ على القيم الإسلامية دون تعصب، وهي الصيغة التي حافظ عليه الشعب الفلسطيني منذ أن تبنى العهدة العمرية حتى اليوم، وتعمل بخطى حثيثة على استبداله بمجتمع ثيوقراطي ونظام شمولي ليس مهما أن يكون على غرار طالبان أو محاكم التفتيش الصومالية أو المطوعين السعوديين ..
إذا نجح هذا المشروع أليس من حقنا أن نخشى على الصورة المشرقة للمجتمع الفلسطيني أن تتداعى ؟ حيث يتعايش مسلموه ومسيحيوه، وأحزابه وفصائله ضمن تعددية وديموقراطية وجو أخوي يسوده المحبة والتعاون، لا فرق بين احد منهم، الكل يصلي لاله واحد وبطرق مختلفة، ولا وجود للدعوات التي تعبىء حقداً وتؤسس لحرب أهلية، لا أحد يدعي احتكار الصواب ولا أحد يقول أنه يمتلك الحقيقة المطلقة لوحده، لا أحد يسعى لإقصاء الآخر، ولا أحد ينتقص من قدر غيره أو يتدخل في شؤونه الخاصة أو يحرم عليه حريته أو يمنعه من حياته الطبيعية ...
ولا شك أن حركة فتح عندما كانت على رأس السلطة اقترفت العديد من الأخطاء والخطايا وأساءت في مواقع عديدة .. بيد أنها لم تهدد المجتمع المدني في صيرورته المستقبلية ولم تسعى إلى تقويض أسسه الحضارية ولم تمارس القمع السلطوي ولم تؤسس ميليشيات حزبية ولم تفرط في الثوابت الوطنية وعلى رأسها القدس واللاجئين ولم تؤجر القرار الوطني ولم تدخل في أحلاف إقليمية ولم تهدد بإشعال حرب أهلية بل ظلت صمام الأمان للوحدة الوطنية وللخيار الديموقراطي وكانت أخطاؤها منحصرة في الفساد المالي والإداري وبعض المسلكيات التخريبية هنا وهناك وهو الذي دفعت ثمنه باهظا عندما مثلت أمام محكمة الشعب حين قال كلمته الفصل وأصدر قراره القاسي والعادل بحقها .. وقد قبلت به وسلمت السلطة لمن اختارهم الشعب بسلاسة واحترام .. ولكن حماس التي انكشف أمرها وبانت حقيقتها من خلال ممارساتها ستمثل هي أيضا أمام ذات المحكمة ليقول الشعب كلمته بحقها ...
وأخيرا نؤكد على أن لا حماس ولا فتح يستطيع أحدهما أن يقصي الآخر .. ولا يستطيع أحدهما العيش بدون الآخر .. ولا ينبغي لهما الدخول في أية صراعات .. وما نحن بامس الحاجة إليه اليوم وغدا هو تكريس الوحدة الوطنية، والالتفاف حول منظمة التحرير الفلسطينية، الوطن المعنوي الكبير للشعب الفلسطيني، في الداخل والخارج .
وعلينا جميعا الإقرار بأن فلسطين الوطن والهوية والمستقبل أهم من كل الفصائل والمحاور، وأن فلسطين أهم من فتح، وأهم من حماس، واهم من النظام العربي الرسمي، لأن فلسطين هي الحقيقة الباقية، هي الامتحان وهي الاختبار، وكل من سقط في اختبارها أو تآمر عليها ففضحته وعـرّته وحيداً مذموماً أمام محكمة الشعب التي لا تجامل ولا ترحم ..


كانون ثاني 2007

0 التعليقات:

إرسال تعليق

الكاتب

م. عبد الغني سلامه

فلسطين

أحدث الادراجات

كاريكاتير اليوم

احصاءات العالم

احصاءات العالم

عدد الزوار