أهلا بكم

على هذه الصفحة نثير التساؤلات ،، ونفكر ،، ولا نعرف حدوداً للتوقف

أكتوبر 03، 2026

صراع، أم تحدٍ؟

 

مضى على تفجّر الصراع العربي الصهيوني أكثر من قرن. وخلال هذه الفترة الممتدة، كان الطرف الآخر يسجل صعوداً متراكماً، فيما عشنا نحن، في مراحل كثيرة، حالة من الضعف والتراجع. لم ننتصر، ولم نقترب حتى من النصر، وفي الجولة الأخيرة مُنينا بهزيمة قاسية؛ ليس على المستوى الفلسطيني وحده، وإنما على المستوى العربي أيضاً.

فهل فتشنا، حقاً، عن أسباب إخفاقنا وتراجعنا؟

في الإجابة سنجد أسباباً كثيرة، سأسلط الضوء على واحد منها، ربما كان من أهمها: أننا لم نفهم طبيعة الصراع كما ينبغي، ولم ندرك بصورة كافية مصادر قوة الطرف الآخر، ولا أسباب ضعفنا وتخلفنا.

خضنا الصراع طويلًا بعقلية «الكفاح المسلح»، وبمنطق «ما أُخذ بالقوة لا يُسترد إلا بالقوة»، وبثقافة التضحية والفداء وتقبّل الخسائر، وكأنَّ معيار النجاح هو مقدار ما نستطيع إلحاقه بالعدو من خسائر بشرية ومادية. فإذا قتلنا جندياً أو مستوطناً، اعتبرنا ذلك إنجازاً بحد ذاته، نقول حسناً، لقد نقص تعداد السكان فرداً، وعلينا مواصلة القتال حتى نصفي هذا التجمع البشري، أو نرغمه على المغادرة! دون أن نسأل: ماذا نبني نحن في المقابل؟ وما الذي يتراكم لدينا بعد كل جولة؟

المفجع أن العدو مارس هذا النهج، خاصة في حرب الإبادة.. لكنه قبل ذلك مارس ما هو أهم وأخطر: بناء الكيان وغرس أسسه في الأرض، وبناء المؤسسات والركائز الداعمة.. المفارقة أنه لم يعتمد على القوة العسكرية وحدها؛ بل إن القوة العسكرية نفسها كانت ثمرةً لبناء طويل سبقها.

لقد انشغلنا كثيراً بالصراع بوصفه مواجهة عسكرية، بينما تعامل الطرف الآخر معه بوصفه مشروعاً طويل الأمد لبناء كيان قادر على البقاء والتوسع والتكيف. ولذلك لم تكن عناصر قوته في المعسكر وحده؛ كانت في الجامعة والمصنع والمختبر، وفي المؤسسة والنقابة والحزب، والمعارضة، وفي الاقتصاد والإدارة والتخطيط والبحث العلمي.

هنا تحديداً يكمن الفرق بين أن تنظر إلى المسألة باعتبارها صراعاً فحسب، وأن تراها أيضاً تحدياً شاملاً.

الصراع مواجهة، والتحدي أوسع من المواجهة. الصراع قد تكون له جولة وبداية ونهاية، أما التحدي الحضاري والمؤسسي فهو عملية تراكمية طويلة: أن تبني مجتمعاً قادراً على إنتاج المعرفة، وتطوير الاقتصاد، وإقامة المؤسسات، وحماية الإنسان، وصناعة التكنولوجيا، وإدارة الدولة، ومواجهة الأزمات.

منذ المراحل المبكرة، أدركت الحركة الصهيونية أهمية بناء المؤسسات وتوطين التكنولوجيا وتنظيم الوجود الجماعي؛ الجيل الأول من المهاجرين اليهود أتوا من أوروبا، بعد أن عاشوا فيها أجيالا متواصلة، وخبروا تطوراتها الفكرية وإرهاصات نهضتها؛ فأتوا ومعهم خلاصة الحضارة الأوروبية، كانوا متعلمين، فأنشأوا المعهد التقني "التخنيون"، والجامعة العبرية، والوكالة اليهودية، والصندوق القومي اليهودي، والكيبوتسات، واتحاد النقابات العمالية "الهستدروت".. كل هذا قبل إنشاء الجيش بسنوات عديدة.

على صعيد آخر، اهتمت إسرائيل بالزراعة والصناعة، وحرصت أن تكون منتجاتها بأعلى المواصفات، والهدف من ذلك كان سياسيا بالدرجة الأولى: التأكيد على تفوق إسرائيل، وأنها تنتمي للمنظومة الغربية المتقدمة، وتعمل بمعاييرها ومقاييسها، ولتقديم الأنموذج والصورة التي تسعى لتكريسها في الذهنية العربية، وأمام العالم. حتى أصبحت من بين الدول الأولى على مستوى العالم في بعض الصناعات المتخصصة (التكنولوجيا، الأسلحة، الماس، الصناعات الزراعية). وأطلقت أول أقمارها الصناعية في ثمانينيات القرن الماضي.

لم يكن الأمر مجرد تجميع للسلاح. كان بناءً لمجتمع قادر على إنتاج السلاح، وإنتاج المعرفة التي تقف خلفه، والاقتصاد الذي يموله، والمؤسسات التي تنظمه، والإنسان الذي يستطيع تشغيله وتطويره.

هذه ليست تفاصيل هامشية في قصة الصراع؛ هي في صلبه، وتفسّره.

فالقوة ليست دبابة وطائرة فقط؛ القوة اقتصاد قادر على الصمود، وجامعة تنتج المعرفة، ومختبر يحولها إلى تكنولوجيا، ومؤسسة تعمل بكفاءة، وقضاء وإدارة وإعلام، ونظام تعليم، ومراكز أبحاث، وقطاع خاص، وشبكات علاقات دولية، ومجتمع قادر على تنظيم موارده وتوظيفها.

ومقابل ذلك، ركزنا نحن، فلسطينيين وعرباً، في جانب كبير من خطابنا وتخطيطنا، على القوة بمفهومها العسكري والأمني، من دون أن ننجح في بناء قاعدة القوة الأوسع التي تجعل القوة العسكرية نفسها ممكنة ومستدامة.

والأكثر إيلاماً أننا لم نمتلك القدرة العسكرية التي تسمح لنا بردم الفجوة الهائلة في موازين القوى. ومع ذلك، ظل جزء كبير من خطابنا يتعامل مع المواجهة كما لو أنها اختبار للإرادة والتضحية وحدهما.

لكن الإرادة وحدها لا تصنع توازناً في القوة.

ولا تكفي عدالة القضية، مهما كانت راسخة، لكي تحل محل المعرفة والتنظيم والاقتصاد والمؤسسات. كما أن القوة الأخلاقية، على أهميتها، لا تتحول تلقائياً إلى قوة سياسية أو عسكرية أو اقتصادية.

لقد تعاملنا مع الصراع باعتباره مواجهة بين بندقية ودبابة؛ فإذا رفع العدو سقف قوته، رفعنا نحن سقف التضحية، وكأنَّ زيادة التضحيات تعوض غياب التخطيط والاستراتيجية وبناء القوة المتراكمة.

من حق الشعوب أن تقاوم الاحتلال، القضية ليست في الحق في المقاومة؛ بل في سؤال كيف ومتى وبأي أدوات نمارسها؟

المقاومة ليست بندقية فقط. هي التعليم، والاقتصاد والإنتاج، والثقافة والهوية، والمؤسسات، والقانون والدبلوماسية، والصمود الواعي فوق الأرض، والبناء المتواصل للإنسان والمجتمع.

بل إن الصمود نفسه يفقد الجزء الأهم من معناه إذا اختُزل في مجرد البقاء والإنجاب والتكاثر. الصمود الحقيقي هو أن نحمي من بقوا، وأن نسلحهم بالعلم والمعرفة، وأن نبني لهم الجامعة والمؤسسة والاقتصاد، وأن نوفر لهم حياة كريمة، وألا نحولهم إلى وقود دائم للحروب، ولا نجعلهم قرابين بشرية.

لم نعانِ يوماً من نقص البطولة والشجاعة، ولا من قلة من هم مستعدون للتضحية. مشكلتنا كانت في مكان آخر: في العقلية الطائفية والقبلية، وفي التفكير الماضوي، وفي تقديس الزعيم، وفي تشوه مفهوم المقاومة والشرف والبطولة، وفي احتقار المرأة وإهمال الشباب، وفي الفوضى والعنف والفساد، وفي هدر الوقت، وذهنية المؤامرة، والتعصب، ومعاداة العالم، والاعتقاد بأننا خير أمة لمجرد أننا نعتقد ذلك.

وعانينا، قبل كل شيء، من غياب التخطيط طويل المدى، ومن ضعف المؤسسة، ومن غياب النقد الذاتي والمراجعات الجادة.

قدسنا التضحيات، ولم نقدس الإنسان.

قبل أن نسأل: كيف نهزم إسرائيل؟ ينبغي أن نسأل أولًا: كيف نبني الإنسان، والمؤسسة، والجامعة؟

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق