أهلا بكم

على هذه الصفحة نثير التساؤلات ،، ونفكر ،، ولا نعرف حدوداً للتوقف

آخر الأخبار

أغسطس 21، 2026

تحالف مريب

 شاع في الأوساط الإعلامية نبأ قيام تحالف انتخابي سيضم حماس، والجهاد الإسلامي، والتيار الإصلاحي في فتح (دحلان)، والجبهة الشعبية، والمبادرة الوطنية.. لم يتأكد الخبر حتى الآن، ومع ذلك قيام مثل هكذا تحالف يستدعي العديد من الأسئلة والاستنتاجات:

مبدئيا، تحالف طرفين أو أكثر لأغراض انتخابية أو سياسية أمر طبيعي ومشروع، وحتى لو كان بينها تاريخ من العداوات، ففي عالم السياسية الكثير من المحرمات تغدو مباحة، ولا توجد عداوات دائمة ولا صداقات دائمة، بل مصالح متغيرة.. ولكن، هذا النوع من التحالف إن صمد لفترة من الزمن، فإنه سرعان ما سيتفكك وينهار، نظرا لحجم الهوة ونوعية التناقضات بين أطرافه، ولو صمد إلى ما بعد الانتخابات (وأشك في ذلك) فمن شبه المؤكد أنه سيتلاشى بعدها، وستعود الأطراف إلى صراعاتها واصطفافاتها السابقة..

للجبهة الشعبية تاريخ حافل من التمنع السياسي بدءأ من تمنعها الانخراط في معركة الكرامة، مرورا بمقاطعتها لعديد من دورات المجلس الوطني، واستنكافها الدخول في السلطة والحكومة على مدار العقود الماضية، وحتى مقاطعتها الانتخابات أحيانا.. فلماذا وما هو دافعها الانخراط في هذا التحالف؟

تاريخياً، للجهاد الإسلامي موقف ثابت ومعروف يمتنع فيه عن المشاركة في أية انتخابات، أو الدخول في النظام السياسي، حتى أنه لا يعترف بمنظمة التحرير.. فلماذا الآن قبِل المشاركة في الانتخابات؟ هل يعني ذلك أنه سيعترف بمنظمة التحرير، وبالتزاماتها السياسية! وسيوافق على اشتراطات المجتمع الدولي..

المبادرة الوطنية تنظيم يساري منبثق عن حزب الشعب (الحزب الشيوعي سابقا)، يتبنى المقاومة السلمية والمفاوضات، وسبق لقائده المشاركة في اجتماعات مع أطراف إسرائيلية، ما يعني أنه يؤمن بفكرة التعايش والحل السلمي والحوار مع الطرف الآخر.. كيف ولماذا تحول فجأة إلى حزب ثوري يدعو للكفاح المسلح ويمجّد الصواريخ والقذائف؟ ويتنبى خطاب حماس دون تحفظ!

أما التناقض الأبرز، والذي يستدعي ألف سؤال؛ تحالف تيار دحلان مع حماس! فعندما قامت حماس بالانقلاب 2007، قال قادتها عبر تسجيلات موثقة أنها لا تعادي فتح، ولا السلطة.. مشكلتها فقط مع دحلان، الذي وصفته بالخائن والفاسد وقائد كتائب الموت... اليوم سيتحالف الطرفان! هل يعني ذلك تلقائيا أن حماس تتحالف مع "الخائن" و"الفاسد"؟ أم أن دحلان أعلن توبته وصار وطنياً؟ أو أن حماس كانت تكذب حينها؟ حتى لو تجاوزنا عن ذلك، لماذا سيتحالف الطرفان الآن، وكلنا يعرف مرجعية كل طرف!

أبناء التيار الإصلاحي، خاصة من سكان غزة، والذين يحمّلون حماس مسؤولية الكارثة الكبرى التي حلت بالقطاع، وطالما توعدوها بالمحاسبة ودفع الثمن، أو على الأقل دعوا لإقصاء الحركة.. وبالمثل أبناء حماس الذين تربوا لسنوات على أن دحلان خائن وفاسد.. السؤال: كيف سينتخب كل طرف الطرف الآخر؟ كيف سيواجه نفسه أمام المرآة؟

لو نظرنا لخلفية ومرجعية كل طرف، والجهة الداعمة له، والتي يمثلها وينفذ أجنداتها.. سنجد كلٌ من: إيران، تركيا، قطر، الإمارات.. وهذه الدول بينها ما صنع الحدّاد؛ تنافس على الإقليم، وصراع سياسي قديم، ولدى كل دولة توجهاتها ومصالحها وأهدافها.. وبالطبع من يمثلها في الساحة الفلسطينية.. لماذا التقت هذه الدول هذه المرة؟ ولأي غرض؟ وهل فعلا ستلتقي سياسيا وإستراتيجياً؟ وإلى أي مدى؟ وماذا بشأن علاقاتها مع الولايات المتحدة؟ والدور الإسرائيلي، واشتراطاته؟

إجابات العديد من تلك الأسئلة واضحة، ولكن السؤال الأخير فعلا محير.. وإذا أضفنا سؤالا عن دور مصر واستضافتها لقاءات أطراف التحالف، سنزداد حيرة.. وربما نعيد النظر في الاستنتاجات السابقة؛ فتقريبا ينظر الجميع إلى أن هذا التحالف هدفه الإطاحة بالرئيس عباس، أو بدرجة أعمق الإطاحة بفتح، فتحت ذريعة إنهاء التفرد في النظام السياسي الذي يقوده أبو مازن، هل المقصود إنهاء تفرد فتح، وإنهاء قيادتها للسلطة؟ خاصة وأن هؤلاء جميعا تجمعهم خصومة فتح منذ زمن بعيد.

قد يكون الهدف من الإعلان عن هذا التحالف ممارسة ضغط إعلامي على الرئيس لإخافته من نتائج الانتخابات، مما يدفعه إلى إلغائها، أو تأجيلها ريثما تتوفر ظروف أحسن لحماس. أو ممارسة ضغوطات سياسية على السلطة وفتح لدفعها تقديم تنازلات لهذه الفصائل المتحالفة. سواء تنازلات جماعية تخص الكل. أو تنازلات تخص كل فصيل على حدة بما يناسب احتياجاته. أو أنه تحالف مصلحي مبني على فرضية أن دحلان بوسعه أن يكون جسر القبول الدولي لمشاركة حماس بالنظام السياسي الفلسطيني، خاصة بعد تعهدها بتسليم سلاحها، ونيتها التحول إلى حزب سياسي..

السؤال الأهم، هل هدف التحالف الحالي الاكتفاء بالمشاركة لخوض الانتخابات؟ أم الذهاب باتجاه تولي قيادة السلطة؟

إذا كانت الإجابة نعم، سنفتح مجموعة أسئلة جديدة:

قبل الأسئلة، سأتجاوز عن كل مقولات "مصلحة الشعب"، و"مصلحة القضية"، و"الوحدة الوطنية"، و"ضرورة التغيير"، و"استعادة الديمقراطية"، و"الإصلاح والتغيير".. كلها مقولات جميلة، ولا خلاف عليها من حيث المبدأ.. لكنني متشكك جدا، ربما إلى درجة اليقين، أن أطراف التحالف والدول الداعمة له تؤمن حقيقة بهذه الشعارات، وأنها صادقة في نيتها تجاه مصلحة الشعب والقضية والوطن.. هذه لعبة باتت مكشوفة.. وأخشى أن تكون تمهيدا لتقاسم المصالح بين دول الإقليم خاصة في غزة، في إطار خطة ترامب لإعادة الإعمار.

لنفترض جدلا أن التحالف فاز بأغلبية وشكّلَ حكومة، ماذا سيكون برنامجها السياسي والنضالي؟ هل ستتبنى نهج المقاومة بصيغتها المعروفة؟ على أي أساس ستقدم أوراق اعتمادها لأميركا وللمجتمع الدولي حتى تنال اعترافهم وقبولهم؟ لأنه في حال عدم قبولهم ستكون تهمة الإرهاب جاهزة، وستتعرض لحصار خانق.. وفي هذه الحالة إما أن تفشل، أو ستواجه مصير السلطة الحالي بحيث تكون عاجزة عن توفير حتى أنصاف الرواتب.. هل ستقول لا لصفقة القرن، وتواجه ترامب؟ وهل ستتحايل على قضية مخصصات ذوي الأسرى والشهداء، وعلى قضية تغيير المناهج، وغيرها من مطالب المجتمع الدولي تحت مسمى الإصلاح.. بماذا ستختلف عن السلطة الوطنية الحالية؟ هل تدرك أطراف التحالف أن منهج وعقلية المعارضة لا تصلح لإدارة السلطة وحماية مصالح الشعب ومستقبلهم؟

المفارقة أن إعلان التحالف سيعمل ضده؛ أبناء التيار الإصلاحي سيرفضون انتخاب حماس، لأنهم غاضبون مما تسببت به في غزة.. وأبناء حماس سيرفضون التصويت لتيار دحلان لاعتبارات قديمة، وبسبب علاقات الإمارات مع إسرائيل. أما بقية الأطراف فلا تتمتع بقاعدة جماهيرية.. من جهة ثانية قد يستثير هذا التحالف حمية أبناء فتح، حين يرون حركتهم تتعرض لخطر وجودي، فيتحدون ويستنهضون قواهم الكامنة..

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق