لو سألت عددا من المواطنين عن ماهية المشروع الوطني الفلسطيني، وما هي الجهة التي تجسده؟ ستحصل على إجابات متعددة ومتباينة، بكلمات عمومية ذات طابع شعاراتي، تدل على فهم ضبابي.. وللأسف لا يوجد كتيب معتمد يشرح بالتفصيل ماهية المشروع الوطني، فضلا عن تباين فهمه عند السياسيين والمثقفين، ولدى الفصائل الوطنية..
بدايةً؛
من حق كل شعب (وواجبه) أن يمتلك مشروعا وطنيا يحدد من خلاله مرجعياته وأهدافه
وطموحاته وآليات تحقيقها، وثوابته الوطنية، وكيفية مواجهه التحديات الخارجية. وأن يتفق
على القواسم المشتركة التي تتجاوز النزعات والهويات ما قبل الوطنية. من هنا، لا بد
أن يكون للفلسطينيين مشروعا وطنيا، كشرط أساسي لتحقيق أهدافهم الوطنية، وبدونه ستكون
كل نضالاتهم وتضحياتهم حرثاً في البحر..
في
تجارب الشعوب التي لا تخضع لاحتلال المشروع الوطني تجسده الدولة المستقلة، ويتم
التعبير عنه من خلال الهوية الوطنية والدستور، ومؤسسات الدولة ورموزها المعنوية، ومن
خلال برامج الأحزاب والقوى الوطنية (الحاكمة والمعارضة).. ولكن عندما تغيب الدولة –
كما هو حال فلسطين - ويصبح الوطن كهوية وثقافة مهدد وجوديا؛ يصبح المشروع الوطني
ضرورة وجودية، وينتفي مبرر وجود إيديولوجيات عابرة للوطنية، وفي حالة وجود أحزاب
وحركات في إطار حركة التحرر فعليها توطين أيديولوجياتها وإستراتيجياتها ضمن ثوابت المشروع
الوطني.
وعند
صياغة المشروع الوطني يجدر التمييز بين ما هو وطني، وما هو سياسي؛ بالرغم من تداخل
المفهومين؛ الوطني أكثر عمقا وأبعد مدى، بينما السياسيى محكوم بمعطيات اللحظة
التاريخية والمعطيات الراهنة والقدرة على المناورات السياسية..
في
البعد الوطني، يقوم المشروع الوطني الفلسطيني على ثلاث مرتكزات، هي: وحدة الشعب
الفلسطيني، الانتماء لفلسطين أولاً، وضرورة إبراز الهوية الوطنية الفلسطينية كنقيض
مركزي للمشروع الصهيوني.. وهذه المرتكزات الثلاثة
(الوطن، الشعب، الهوية) تمثل المنظومة الوطنية
الجامعة لكل أبناء الشعب
الفلسطيني في الوطن والشتات، وتقوم على ثلاثة مرتكزات: وحدانية تمثيل منظمة
التحرير لكل الشعب الفلسطيني كإطار وطني جامع. الثاني: ضرورة النظر إلى المصالح والتصورات السياسية المتباينة للمجموعات الفلسطينية في أماكن
تواجدها على أساس التكامل لا التناقض. والثالث
تخليص القضية الفلسطينية من التجاذبات الإقليمية، ومن لعبة المحاور، ورفض أية أجندات
أجنبية، حتى لو كانت بحجة دعم فلسطين.
وجوهر
المشروع الوطني الفلسطيني هو الكفاح من أجل حق تقرير المصير، والتحرر من الاحتلال،
وتحقيق الاستقلال الوطني، وإقامة الدولة الفلسطينية، وضمان حق العودة أو حل قضية
اللاجئين، وبناء المجتمع الفلسطيني المدني التقدمي، وفقا لما نصت عليه وثيقة
الاستقلال، واستنادا للثوابت الوطنية التي حظيت بالإجماع الوطني.
هذا
المشروع يتضمن دعم صمود وكفاح الفلسطينيين داخل الخط الأخضر أمام السياسات
العنصرية الإسرائيلية. وتعزيز ثبات الفلسطينيين في الضفة الغربية (بما فيها القدس)
والقطاع، وعدم السماح بتكرار النكبة ومأساة التهجير، وتعزيز كفاح فلسطينيي الشتات
وحقهم في العودة، ومشاركتهم السياسية وانحراطهم في النضال السياسي على قاعدة شعب
واحد، وممثل شرعي وحيد، أي منظمة التحرير.
تقوم
فلسفة هذا المشروع على اعتبار المرحلة التي يمر بها الفلسطينيون منذ تفجر الصراع هي
مرحلة تحرر وطني، وذلك بسبب الخصوصية الوطنية للقضية الفلسطينية، وعلى ضوء فهم الدور
الوظيفي للكيان الإسرائيلي، وبسبب طبيعة الصراع وركائزه الحقيقية، بالتالي أدوات
الكفاح يجب أن تكون وطنية، من خلال حركة تحرر بمحتوى وأسلوب وطني، تلتقي من خلالها
كافة القوى والشرائح الفلسطينية على برنامج واحد وهدف مركزي، هو التحرير والعودة؛ لذا، لا يجوز وجود أكثر من مشروع وطني، حتى لا تتصارع
هذه المشاريع مع بعضها.
يعتمد
المشروع الوطني على المقاومة لتحقيق أهدافه، والمقاومة هنا أسلوب وأداة وليست هدفا
بحد ذاته، ولا تقتصر على المواجهة العسكرية والكفاح المسلح، بل المقاومة الشاملة
بكافة أساليبها وأنماطها، شريطة أن تتناسب مع قدرات الشعب ومع معطيات اللحظة
الراهنة وموازين القوى.
والمشروع
الوطني في جوهره يعني بقاء الفلسطيني في حالة مقاومة دائمة وصدام وتشابك يومي مع
الاحتلال، لكنه يمتد لما هو أبعد من ذلك، يجب أن يتضمن برنامجا وطنيا شاملا (سياسي
اقتصادي اجتماعي ثقافي)، يتوافق مع طبيعة الكيان الفلسطيني الذي نناضل من أجل
تحقيقه، بحيث يكون برؤية تقدمية تحررية، على أسس ديمقراطية، يسمح بتداول السلطة
سلميا، ويسعى لبناء دولة مدنية مؤسّساتية تلتزم بالقانون والدستور، وتعامل جميع
مواطنيها بعدالة دون تمييز (دولة المواطَنة)، وليس فيها أي شكل من أشكال الحكم
الثيوقراطي أو الاستبدادي أو الوراثي، وتضمن هذه الدولة حقوق الأقليات، وحرية
العبادة، وحرية الفرد وحقوقه المدنية والشخصية، وتحترم المرأة، وتلتزم بالشرعية
الدولية، وتقيم علاقاتها مع العالم على أساس حُسن الجوار ووفق المواثيق والمعاهدات
الدولية.
ولا
بد أن يُبنى المشروع الوطني على أسس إنسانية، بحيث يكون الإنسان ركنه الأساسي
وجوهره وغايته وهدفه الأسمى، ورفض استرخاص دمه، والتعاطي معه بوصفه قرباناً، أو
وقودا للمعارك. وأي جهة أو سلطة ستحمل المشروع الوطني يجب أن تكون بوصلتها
المستقبل، وأن تسعى لبناء نظام قضائي عادل، وحوكمة شفافة ونزيهة، وصحافة حرة، ومنظومة
صحية متطورة، ونظام تعليمي حداثي، وبنية تحتية عصرية.. وهذه ليست مجرد خدمات بلدية،
بل هي في صلب المشروع الوطني، والاستخفاف بها يعني الاستخفاف بقيمة الحياة والناس
والمجتمع والمستقبل.
عندما كان المشروع الوطني واحدا موحدا في إطار منظمة
التحرير، حققت الثورة أهم إنجازاتها؛ حيث حولت الفلسطينيين من جموع لاجئين إلى شعب
يناضل لنيل حريته واستقلاله، وأحيت القضية وطرحتها بقوة في الساحة الدولية،
وانتزعت اعتراف العالم بالمنظمة ممثلا شرعيا للشعب الفلسطيني. وعندما تشظّى
المشروع الوطني، حصل الانقسام، وتراجعت القضية الفلسطينية إلى أدنى مستوياتها.
اليوم، يعاني المشروع الوطني
الفلسطيني من أزمة الانقسام، وتآكل الشرعيات، وعدم تجديد الهيئات القيادية، ومن
انسداد الآفاق أمام خياراته المعتمدة.. وبعد أكثر من ستين عاما على انطلاقتها لم
تنجز الثورة غايتها، ولم تحقق التحرير الذي وعدت به؛ بل وأصابها الوهن والترهل،
وتراجعت عن بعض أهدافها، وغيرت كثيرا في إستراتيجياتها... ربما لأنها تعمل في ظل
ظروف بالغة التعقيد والصعوبة، وتخوض أصعب وأطول صراع في التاريخ، ضمن موازين قوى
مختلة بالكامل لصالح العدو.. لكن لا بد من الاعتراف بوجود أخطاء ذاتية قاتلة، وغياب
نهج المراجعات والنقد الذاتي والمساءلة والمحاسبة.
الحديث
يطول، وبحاجة لمزيد من التوسع..
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق