أثناء طفولتي
اشتغلت في بيع الجرائد، أذهب في الصباح الباكر إلى مكتبة صلاح لأستلم 30 نسخة من
الجرائد المحلية، أبيع منها 20 نسخة لأصحاب البقالات في سوق صويلح، وما تبقى
يشتريها بعض المارة، أكثرهم دعماً لي أو شفقة عليّ.. ذات يوم فكرتُ بطريقة لزيادة حجم
المبيعات، فقررت التوجه إلى الجامعة الأردنية متوقعا نفاذ الكمية بسرعة.. وقفتُ
عند بوابة الجامعة ساعات تحت الشمس دون أن أبيع نسخة واحدة، كان الطلبة يمرون عليّ
كما لو إني شفّاف غير مرئي.. فكرتُ أن أتحرك وأتجه للطلبة عارضاً عليهم بضاعتي فعزّت
عليَّ نفسي، وقلت لو أنهم يريدون الشراء سيأتون بأنفسهم..
تساءلت حينها
بحيرة: لمَ لا يشترون الجريدة، مع أنّ ثمنها لا يتجاوز الأربعة قروش! ألا يهتمون
بأخبار السياسة والمقالات الثقافية؟ كانت تلك أول صدمة لي، من يومها قلتُ إن مقولة
"طلبة الجامعة المثقفون".. عبارة عن كذبة، وعرفت لاحقاً أن هذه المقولة
روجتها الحركات اليسارية لتستفيد من حماس الطلبة واندفاعاتهم وزجهم في التظاهرات الحزبية
المعارضة.. بغض النظر عن مدى دقة تلك المقولة، هذا لا يعني بالضرورة أن جميع أصحاب
البقالات مثقفون وحريصون على قراءة الجريدة، كنتُ أعرف أنهم يشترونها للاطلاع على
أسعار الخضار والفواكه بحسب التسعيرة اليومية لوزارة التموين التي تعلنها في
الجريدة.. أو لمشاهدة الإعلانات والدعايات وأخبار النعي والتهنئات المختلفة
للمناسبات الاجتماعية.. أو لاستخدام الجريدة في تنظيف الشبابيك.. على فكرة، ورق
الجريدة أفضل شيء لتجفيف وتلميع الزجاج.
بالتأكيد ليس
هذا دور الجريدة التاريخي، ولم تكن تلك مكانتها عند الجميع.. كان هنالك دوماً (كما
في كل مجتمع) فئات مثقفة ونخب متنورة وجمهور واسع يهتم بمتابعة الأخبار والتحليلات
السياسية، وفئات عديدة تقرأ الكتب والمقالات بعناية واهتمام.. وهنالك فئة مدمنة
على الجريدة الورقية، تحب مسكتها، ورائحتها وتقليب صفحاتها.. وللأسف هذه الفئة
مهددة بالانقراض، كما أن المطبوعات الورقية نفسها مهددة بمواجهة المصير نفسه.
في تلك
الأزمنة كانت الجريدة تتمتع بمصداقية عالية، وأخبارها موثوقة، وتحليلاتها صائبة
(من وجهة نظر الناس)، كان إذا أراد أحد إثبات صحة خبر ما، أو برهنة مقولة معينة
كان يكفيه القول "والله مكتوبة في الجريدة".. وإذا ظهر اسم أحدهم في
الجريدة كان يتفاخر أمام الحارة، حتى لو جاء في سياق خبر عن حادث سير، أو ضمن أسماء
الناجحين في "المترك".. أما من يكتب في الجريدة من مقالات وتحليلات
فهؤلاء من علية القوم.. وكان كتّاب المقالات يحيطون أنفسهم بهالة من الغموض وكأنهم
فئة خاصة، والناس تحترمهم.. لدرجة أنه في أول انتخابات برلمانية في الأردن (بعد
عودة الحياة الديمقراطية) ترشح عدد كبير من كتّاب المقالات لمجلس النواب ومعظمهم
فازوا..
بالمثل؛ كان
للراديو والتلفزيون أيام مجـدٍ وعِـز، أبناء جيلي ومن هم أصغر قليلا يتذكرون تلك
الأيام، ومدى صعوبة ضبط أكثر من قناتين تلفزيونيتين للسهرة، إما قناتي الأردن والشام،
أو الأردن وإسرائيل.. وكان التلفزيون يغلق أبوابه بعد أخبار الحادية عشرة بقليل.. البرامج
الحوارية قليلة جدا، وضيوفها محددين، لا أخبار عاجلة، ولا محلل إستراتيجي، ولا
مراسلين.. ولم يكن يسيراً على أي مواطن الظهور على الشاشة، إلا إذا حالفه الحظ
أثناء مروره في الشارع وتصادف حينها وجود مصور للأخبار.. فإذا كان من يظهر اسمه في
الجريدة يتفاخر أمام الحي، فإن من يظهر على شاشة التلفزيون سيكون حديث المساء لسنة
على الأقل.. لا أقصد المذيعين والممثلين ومعدي البرامج..
الحديث هنا
ليس استدعاء حنين نوستالجي بقدر ما هو مقاربة بين زمنين، وتحديدا فيما يتعلق
بالإعلام الموجه والإعلام المجتمعي، وكيفية تفاعل الناس مع تغيرات وسائل وأدوات
الإعلام في كل مرحلة..
أتاحت الثورة
المعلوماتية وظهور وسائل التواصل الاجتماعي الفرصة للناس للتعبير عن آرائهم، وهذا
يحدث لأول مرة في التاريخ، بمعنى توفر الإمكانية لكل شخص أن يقول ما يريد، وأن يعلّق
على أي مقال، أو يفنّد كتاب، أو ينتقد فيلم، أو يشتم السلطة.. قبل ذلك كانت أماكن
وأدوات التعبير محصورة في البيانات الحزبية التي توزع بالسر بعيدا عن أعين المخابرات،
أو الكتابة على الحيطان، وأبواب المراحيض العامّة..
هذه الفرصة
التاريخية مهمة جدا وخطيرة جداً أيضاً، ومثل كل ظاهرة لها سلبياتها ومحاسنها.. الخطورة
أنها جديدة على العالم، ولم تتأسس بعد خبرات تراكمية بحيث تصقلها وتهذبها وتخلصها
من سلبياتها.. اليوم بوسع أي شخص مهما علت أو دنت مكانته أو تحصيله المعرفي يستطيع
بكل سهولة وخفة أن ينشر بوست ويقول كل ما يريد، ليس هذا وحسب، فقد أتاحت التطورات
التكنولوجية الإمكانية لكل شخص أن يتحدث للعامة بالصوت والصورة وعلى الهواء مباشرة،
وأن تكون له قناة تلفزيونية خاصة بها، وقد يحظى بملايين المتابعين والمعجبين.. وهذه
الفرصة لم تتوفر لكبريات المحطات التلفزيونية التي تكلف ملايين الدولارات.. وفوق
ذلك تدر عليه أرباحا طائلة، وتحقق له الشهرة والانتشار..
قد يستغل
الفرد هذه التقنية للتعبير عن رأيه، أو لنشر أفكاره، أو ليطرح نفسه شاعرا أو
روائيا أو محللا إستراتيجيا.. هذا كله مشروع أو على الأقل موضع نقاش.. الخطورة هي
استغلالها للتحريض على الخصوم.. ولأن عقليتنا وطريقة تفكيرنا قائمة على الثنائيات
الحادة والمتقابلة، ومن عاداتنا الأصيلة التكفير والتخوين وتوزيع الاتهامات،
وتبرئة الذات، وتحميل المسؤولية على الآخرين، والوقوع في المغالطات المنطقية... حصل
ما كان متوقعاً؛ إذ انتقلت هذه الأمراض والتشوهات إلى التقنيات التكنولوجية وإلى العوالم
الرقمية والمنصات الإعلامية.. وكما قيل: "زمان ما حدا بعرف الأهبل إلا أمه
وعيلته، اليوم صار مكشوف للعالم"..
المشكلة ليست
مع الناس العاديين البسطاء، هؤلاء سينضجون يوما ما، وعلى الأقل يمكن تفهّم نواياهم
الطيبة.. المشكلة مع من يدعون أنهم مثقفون، ومؤثرون، وقادة حزبيون، ونواب.. خاصة
من يسبقون أسماءهم بحرف د. مع احترامي لهذه الدرجة العلمية الرفيعة ولكل من
استحقها بجدارة.. لكن الصدمة الكبرى كانت معهم.. ومع خطابهم الشعبوي التحريضي
الفارغ من كل مضمون.. هؤلاء مصيبتنا وخيبتنا الكبرى..
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق